الاتحاد

تقارير

معسكرات العمل الصينية... ومحاولات الإصلاح

ويليام وام
بكين


لم تُمنح «لي تشيفنج» بعض الراحة إلا بعدما تعرضت لوعكة صحية فهي أرسلت إلى أحد معسكرات العمل التي يتجاوز عددها في الصين 300 معسكر دون محاكمة، أو توجيه تهم إليها فقط لأنها طعنت في حكم قضائي صادر ضد زوجها، حيث قالت إنها أرغمت على إلصاق سدادات بأعلى القنينات البلاستيكية طوال اليوم وعلى امتداد الأيام السبعة للأسبوع دون أن تحصل على ما يكفي من النوم، أو الماء، بالإضافة إلى طعام تعزوه العناصر المغذية.
وعلى مدار سبعة أشهر عملت «لي» التي كانت مزارعة في الأصل على نحو متواصل إلى أن أجهدت، لترغم الحراس على أخذها إلى المستشفى.
وعن تجربتها قالت السجينة «يعاني الناس هناك من مرارة أكثر مما يستحقونها».
لكن بعد عقود من التسويف، شرعت السلطات الصينية في التطرق إلى مسألة معسكرات العمل التي تشغل الناس من خلال تعطيل اللجوء إليها، وإرسال إشارات بأن اجتماع القادة الصينيين في اللقاء البرلماني الذي سيعقد خلال الأسبوع الجاري بالعاصمة بكين سيأتي بتغييرات مهمة.
هذا الاحتمال جعل من موضوع معسكرات العمل اختباراً حقيقياً لمدى جدية قادة الصين الجدد في مباشرة الإصلاحات التي تعهدوا بها لتصويب الاختلالات الموجودة في بعض أجزاء الحكومة ومعالجة آفة الفساد التي تنخر بعض القطاعات.
لكن في الوقت نفسه، دفعت تصريحات المسؤولين الصينيين العديد من المراقبين ونشطاء حقوق الإنسان إلى التشكيك في قدرتهم على الإصلاح، لا سيما في ظل بعض الاختلالات التي تعاني منها الصين.
وقد تكشفت صعوبات كبيرة تنتظر تعهدات الإصلاح فيما يتعلق بمعسكرات العمل عندما بدأ المسؤولون خلال الأسابيع الأخيرة في التراجع عن الفكرة الأولى المتمثلة في إلغاء معسكرات العمل، رغم أنها توجد خارج القانون.
ومن العراقيل الكبرى التي تحول دون القطع مع تلك المعسكرات ما يعتبره الخبراء القانونيون اعتماد السلطات الصينية على تلك المعسكرات كأسلوب فعال ضد المنتقدين، بحيث يمكن للشرطة الزج بالناس في تلك المعسكرات لفترة تصل أربع سنوات دون الخضوع لإجراءات المحاكمة العادلة. وهكذا عوقب المواطنون لأسباب مثل كتابة مدونة تنتقد مسؤولا محلياً، فيما يوجد البعض الآخر في المعسكرات بسبب معتقدات دينية، أو لأنهم سعوا إلى رفع مطالبهم إلى السلطات المركزية، هذا بالإضافة إلى ما توفره المعسكرات من عمل مجاني تستفيد منه الشركات والمعامل التابعة للدولة.
وإن كانت هذه الممارسات التي تتم خارج القانون تقوض مزاعم الحكومة بأنها ملتزمة بالقانون ومقيدة بأحكامه، وهو ما يعبر عنه «جيروم كوهين»، الخبير في القانون الصيني بجامعة نيويورك، قائلاً: «إنهم يعرفون بأن المعسكرات أمر يضر بالقوة الناعمة للصين في الخارج ويضر بمصداقيتها في الداخل».
هذه المعسكرات ترجع إلى عهد «ماو تسي تونج» خلال الخمسينيات عندما كانت الطريقة المفضلة للتعامل مع الخصوم السياسيي.
ورغم صعوبة الحصول على إحصاءات دقيقة، فإنه وبحسب الحكومة، بلغ عدد المحتجزين في المعسكرات التي تصل تقريباً إلى 350 شخصاً في جميع أنحاء البلاد إلى 160 ألفاً في عام 2008.
وبالرجوع إلى «لي» فقد أرسلت إلى المعسكر بمحافظة «هيبي» بعد محاولاتها الطعن على حكم صادر ضد زوجها، قائلة إنها حرمت من الاستحمام طيلة الأشهر السبعة إلى أن بدأت تحك جسمها وتراجعت قوتها، موضحة ذلك بقولها «فقط بعدما بدأت أتقيأ الدم وتأكدوا من خطورة حالتي قرروا إطلاق سراحي، خوفاً من أن أموت في عهدتهم».
وحتى بعد خروجها تواصل «لي» حلمها بأن تضرب كارثة المعسكر، أو أن ينفجر لوضع حد للمأساة والمعاناة التي يعيشها المعتقلون.
وفي شهر يناير الماضي بدت الصين وكأنها مستعدة لإغلاق هذه المعسكرات عندما نقل عن «مينج جيانزهو»، المسؤول الأمني في الحزب الشيوعي، تعهده بوقف استخدام معسكرات العمل، منتظراً فقط مصادقة البرلمان في اجتماعه خلال الأسبوع الجاري.
لكن وبعد بضعة أيام غيرت التقارير الرسمية كلمات التعهد من «إنهاء» العمل بالمعسكرات إلى «إصلاحها»، ما يعني أن اقتراح «مينج» ووجه بمعارضة داخلية حالت دون إقراره.
وفي هذه الحالة يقول الخبراء إن الصين يمكنها اعتماد عدد من الإجراءات للوفاء بتعهد الإصلاح من قبيل تقليص عدد السنوات التي يمكن للمعتقل بقاءها في المعسكر، واللجوء إلى تدابير عادية تشرك المحامين والقضاة لنزع الصبغة الاستثنائية عن المعسكرات.
ويخشى نشطاء حقوق الإنسان من أن تكون الإصلاحات المعلن عنها مجرد غطاء قانوني لتسويغ النظام الحالي والمضي قدماً في تكريسه أكثر.
لكن رغم التردد يرى العديد من الخبراء أن زخم الإصلاح قد انطلق، وأنه من غير المرجع الاستمرار طويلا في الاعتماد على معسكرات العمل كوسيلة لتوقيع العقاب خارج إطار القانون. وقد يكون الحديث عن هذه المعسكرات بهذه الطريقة، رغم الصعوبات التي تعتريها بداية لتفعيل خطوات جديدة تحتوى بعض الانتقادات الخاصة به
المعسكرات... والتي عادة ما يتم الإشارة إليها ضمن انتقادات تتعلق بالأطر القانونية في الصين،
وربما تسفر هذه السجالات عن تبلور موقف جديد تجاه المعسكرات من شأنه أن يضع الأمر في سياقات قانونية واجتماعية مقبولة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا