الاتحاد

عربي ودولي

في بلاد عرب الشمس والسلطان


خالد عمر بن ققه - سعيد سالم البادي
كل ما في البيئة العربية من خليجها إلى محيطها يؤكد على حقيقة كونية هي أنها 'أرض الشمس'، لكن حين تمتد بصيرة الإنسان ويداه إلى إحداث تغييرات في مجتمعات مختلفة فإن ذلك يعني أن العرب يوصلون الشمس إلى غيرهم بهدف الدفء والنور والبقاء·· وهكذا لا يرتد إليهم طرفهم إلا حين تشتد العواصف فيضطرون إلى التحايل، لكنهم لا ينتهون من فعلهم -كموناً- بعد مرحلة الظهور، فإذا ما أضيف إلى ذلك شروق الشمس وغروبها كل يوم من أرضهم فإنه يحق لهم عند ذلك أن يكونوا عرب الشمس ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى سلطان العلم والمعرفة والملك، وهو ما سنتابعه في التجربة العمانية·
الشمس والسلطان طرفان إذن لامبراطورية تراجعت من ناحية الجغرافيا، وتلك دولة اليعاربة، لكنها ظلت ثابتة من ناحية القيم والتاريخ وذلك ميراثها، وأضيف إليها الفعل الحضاري البناء، وتلك هي الآن في مرحلة السلالة الخامسة·· ومنهما -الشمس والسلطان- اشتق عنوان هذا الملف الخاص بمشاهدة ومتابعة وتقييم التجربة السياسية العمانية الراهنة·
المدخل إليها هو التاريخ عبر موروث يستحضر الآن بهدف الاتجاه نحو المستقبل، لا تحدده طبيعة السلطة فقط، حيث أمر أهل عمان 'شورى' بينهم، ولكن يظهره التنوع الجغرافي والتضاريس وعلاقات البشر وحكمة أولي الأمر الذين يراكمون الفعل استجابة للسلطان ، تفاعلا معه أو تأييدا لما يذهب إليه·· هنا تقوم المؤسسات على أساس التمكين ورؤية راشدة اختار أهلها طريق الصمود في الماضي والتنمية في الحاضر والإنجاز في المستقبل ·· إنها جملة من القضايا سيتناولها الملف معتمدا التحليل السياسي بناء على وقائع عايشناها وحوارات حمل فيها أهلها همّ تساؤلاتنا ولم تكن بعض إجاباتهم مرضية لنا، وان كانت - على ما تبدو- مرضية لهم دائما، وجولات ميدانية في فضاء واسع تعذر علينا تغطيته بالكامل·
في هذا الملف - الذي ينشر على حلقات - سيكتشف القارئ معنا سيادة التعمير في الأرض وبياض المساكن والقلوب واخضرار الأرض مما أعطى للسياسة معنى آخر وأوجد أحزابا -مختلفة عن تلك التي نعرفها في المجال السياسي- على مستوى الفرد والجماعة والقبيلة اجتمعت كلها لتلبي بشكل متواصل رؤية الرشد عند سلطان جمع بين ارث إمبراطورية وواقعية المرحلة وموقع يحفره لدولته في صخور المدنية الراهنة التي تلفظ من ليس بقادر على البقاء أو العطاء
لم نستطع في الليل أن نميز لون مسقط، العاصمة، وان بدت لنا بناياتها منسقة، وذلك على امتداد البصر وضغط أشعة النور على الأمكنة المختلفة، وحين أشرقت شمس اليوم الأول من رحلتنا بدا البياض هو اللون السائد، وكذلك الحال حين تعمقنا في جولاتنا لاحقا لعدة مدن مثلت الداخل لجهة العمق العماني، وتساءلنا أنحن في مدينة الثلوج؟ وهل العمانيون لا يعرفون لونا آخر لمساكنهم التي ذهبت إلى أحضان الجبال فاحتضنتها هي الأخرى وبدت بينهما علاقة شرعية كان ابنها الطاهر الزمن العماني على مر التاريخ ؟
البياض ·· والعدل
لا نملك إجابة، ولا نعرف إن كانت الهجرات العربية من اليمن تحديدا قد وصلت إلى القطب المتجمد الشمالي، لكن الذي نراه رأي العين أن اللون الأبيض الذي يميز المساكن عن الجبال السوداء أو البنية اللون انعكس بشكل مباشر على لون اللباس أيضا، حتى انه ليخيل للمرء ان اللون الأبيض قد خلق ليكون سمة التميز لهؤلاء القوم، لكن هل هذا البياض هو أيضا في أعماق النفس هناك، أي هل القلوب بيضاء؟
في رحلة التاريخ الطويلة للعمانيين اختصر البياض في مفهوم العدل، وبدت تلك المواقف الصريحة والتي كلفتهم على مر الأزمنة الكثير وجعلتهم ينكبون على أنفسهم أو يعيدون أطرافهم إليهم متخذين السر مطية للوصول إلى الحق جهرا بعد عناء، فالعدل يمثل اختيارا ومنهجا وتطلعا للمستقبل أو تطبيقا للغيب مثل التراث الذي لا يمكن التخلي عنه حين تتقدم الدولة باتجاه العصر، لذلك تعم الصراحة ويسبق صدق القول تحقيق العدل فيعبد الطريق له خاصة حين تغدو الدولة متفاعلة مع محيطها وغير مبالية بالعواصف التي تقتلع الذين لا جذور لهم في التاريخ، وهذا ما رأيناه وعايشناه·
وبالعودة مرة أخرى إلى التاريخ بهدف تحديد أهمية الموقع الجغرافي نجد عمان قد شكلت منذ القدم مركزا حضاريا نشطا تفاعل مع مراكز الحضارة الأخرى في العالم القديم، ولم تكتف بالحيوية فيما عرف بطريق الحرير بين الشرق والغرب ، ولكنها أيضا مثلت مركزا تجاريا وبحريا مزدهرا في المحيط الهندي حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومن ثم امتدت علاقاتها إلى مختلف القوى الدولية منذ وقت مبكر، وتفاعلت بقوة مع محيطها الخليجي والعربي باعتبارها مركزا للتفاعل الحضاري مع الشعوب الأخرى·
وحين تسأل العمانيين عن تاريخهم الذي هو سلسلة متصلة الحلقات يعودون بك إلى بداية رسالة الإسلام، بل هناك من يذهب بعيدا في أعماق التاريخ مؤكدا على شرعية الوجود والدولة في محاولة مبكرة ومبررة للواقع الحالي لجهة التأكيد على الدولة القطرية التي لا تتناقض مع مفهوم الأمة الواحدة، كما سنتابع ذلك في الحلقات المقبلة·
ابنا الجلندي ·· والإسلام
المهم أن عودة العمانيين إلى التاريخ وإن بدت باحثة عن الجذور إلا انها تقف عند الدور والمكانة في ظل امتداد الإسلام من ناحية الفاعلية ومن ناحية التأثير أيضا، ويتم ذلك بوعي رسمي حكومي، وبمرجعية لأولي العلم، وبنقاش متواصل لدى العامة في محاولة لتجاوز المعاناة في بعض المناطق، أو لبعث الهمم في مناطق أخرى، فمثلا لو عدنا لإصدار (عمان 2004-2005) الصادر عن وزارة الإعلام لسلطنة عمان، لاتضح أن ما ذكرناه آنفا خطاب سياسي يمثل قناعة أهل الحكم، حيث نجد فيه ما يلي:
'كانت عمان من أوائل البلدان التي اعتنقت الدين الإسلامي طواعية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد بعث عليه الصلاة السلام عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ابن المستكبر - ملكي عمان آنذاك- يدعوهما إلى الإسلام فاستجابت عمان بقيادة ابني الجلندي وأصبحت منذ التاريخ واحدة من القلاع الحصينة للإسلام، وساعدت على انتشاره في كثير من المناطق خاصة في الشرق ووسط أفريقيا·· وخلال السنوات الأولى للدعوة الإسلامية ساهمت عمان في دور بارز في حروب الردة التي ظهرت بعد وفاة الرسول، كما شاركت في الفتوحات الإسلامية العظيمة برا وبحرا في العراق وفارس وبلاد السند'·
القول السابق -باعتباره نصا موثقا وفعلا سياسيا وتأريخيا- يبين ذلك الفخر والمرجعية للنشاط السياسي الراهن، وأن الاستجابة الأولى لرسالة الإسلام تركت لدى العمانيين مجالا أوسع للتسامح نراه في تعايش المذاهب الإسلامية من الأسفل إلى الأعلى انطلاقا من قاعدة الشورى·
مرة أخرى يقدم التاريخ هنا مبررات البقاء ويمثل السند عند الحاجة ويتعذر علينا من ناحية المتابعة الميدانية الراهنة أن نظل معلقين بالتاريخ لجهة القصص أو الرواية دون التركيز على نمط العلاقات بين الناس داخل المجتمع العماني، فالتاريخ هنا ليس فقط بما يمثله من جذور ممتدة ، ولكنه ضوابط وحكم فصل لكثير من القضايا المطروحة على الساحة العمانية اليوم، أي أن ذكره لا يأتي بهدف التغييب وإنما لتحليل الواقع الراهن بغية الوصول إلى صورة أوضح متأثرة بجانب ذلك بعاملين آخرين ،هما: فعل الطبيعة - إن جاز التعبير- وفعل الإنسان الحالي ممثلا في التنمية ضمن سياسة راشدة يجمع أغلب العمانيين على أنها حركة متواصلة ورؤية ثاقبة للسلطان قابوس وكأنهم بذلك يضعون تاريخهم الماضي الممتد لقرون في كفة ويضعون الإنجازات التي تحققت خلال الخمس والثلاثين سنة الماضية في كفة أخرى·
من هنا تأتي عبارات المدح والمحبة والتفاعل، صحيح أنها تبدو للزائر نوعا من المجاملة وأحيانا المبالغة، لكن حين يعايش الناس عن قرب ويعيدونه إلى مقارنة الأزمنة، خصوصا من كبار السن ، يعرف ان ما يظهر شفاهة على الالسنة هو في كثير من الإحسان اعتراف بالجميل وتعبير وجداني، واندماج كلي في التغير الحاصل وفي الانتقال من الظلام إلى النور ومن حياة الرحيل إلى عشق الاستقرار، ومن البحث عن الدولة إلى تشكيلها والمساهمة فيها، ومن ترييف المدن إلى تمدين الأرياف·
الجذور ·· والعودة
التاريخ العماني قد يبدو في ذكره الآن حالا من تكييف الواقع بهدف الهروب منه، ويعد ذلك مقبولا لو اكتفى أهل عمان بـ'صنمية التاريخ' كما لدى بعض الأمم، لكنهم أبلوا فعلا وحاولوا فهما استحضاره من أجل التوجه نحو المستقبل، وهم باختصار يقولون: 'ما دامت هناك محطات في تاريخنا مشرفة في الداخل لجهة قيام الدولة بل امتداد للإمبراطورية، ولجهة الخارج حيث الوصول بالفكر إلى العمق الإفريقي، والمواجهة الدولية والتحرر، ما دامت هذه متوفرة ووقعنا ثم نهضنا ثم وقعنا مرة أخرى ونهضنا بعدها·· وهكذا هو تاريخنا، ليس مستحيلا علينا النهوض مرة أخرى إذا تكيفنا مع الواقع العالمي وسمحنا لجذورنا الممتدة في تربة القيم ووعاء الإسلام من مواصلة طريقها ثباتا وتفاعلا وتأهيلا'·
ما من أحد في عمان تجلس إليه أو تستمع إليه إلا وبدا لك مهووسا بالتاريخ من اللبان إلى الخنجر·· حديث متواصل وكأن استمرارية الحياة مرتبطة به، ليس هناك نكران للهزات الكبرى ولا لحالات الضعف واستعمار الآخرين، لكن رفضا مطلقا للقول بالاقتلاع من الجذور، وليست هناك قوة داخلية بما في ذلك نظام الحكم تجبر الناس على التمسك بتقاليدهم، لكن الواضح وجود رغبة جماعية للتميز في كل شيء ، حتى أولئك الذين يجيدون اللغات العالمية يتفادون الحديث بها لأن السلطان قابوس يرفض أن يكون أهل عمان ناطقين بغير لسانهم العربي، ربما يكون ذلك سببه إدراك أهمية الهوية في مواجهة الاخطار أو قد يكون محاولة لإثراء الحقل العالمي للثقافة من خلال الفعل العربي السياسي، وبغض النظر عن التفسيرات فإن الواضح هو توظيف التاريخ لصالح الحاضر أو ما يطلق عليه العمانيون بالموروث·
الفونسو البوكيرك ·· والوجود الإسلامي
في ذاكرة العمانيين أن الغزو البرتغالي لبلادهم كان جزءا من خطة واسعة امتزجت فيها الجوانب الاقتصادية والدينية ووضعها الكابتن 'الفونسو البوكيرك' لضرب الوجود الإسلامي في البحار الشرقية وكسر احتكار العرب التجاري خصوصا سيطرتهم على تجارة الشرق التي تمر عبر المحيط الهندي، وذلك بالسيطرة على منافذه المعروفة المتمثلة بصورة خاصة في البحر الأحمر والخليج العربي ومضائق 'مالقا' وتحويلها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وكان ذلك كله بسبب عدم الاستقرار والمنازعات بين الأمراء المحليين مما مهد الطريق لسقوط سواحلها في أيدي الغزاة البرتغاليين، لذلك نجد التأكيد على الوحدة الوطنية عاملا أساسيا في الحاضر والالتزام بالدين قضية جوهرية وتحقيق التنمية مهمة كبرى متواصلة·· هكذا إذن تمت الاستفادة من التاريخ·
اليعاربة ·· والجبهة
لم يكن الإنسان العماني مستسلما بشكل مطلق للاستعمار البرتغالي أو للنشاط الإنجليزي ـ الهندي في مياه الخليج، دليلنا في ذلك تلك الدولة التي قامت هناك وشكلت إمبراطورية كبرى، ونقصد بها دولة اليعاربة التي كان قيامها حسب رأي المؤرخين إيذانا بأفول نجم البرتغاليين·· لقد قامت في عام 1624 نتيجة لظروف عديدة جاءت موضحة في كتاب عمان في التاريخ بما يلي:
'منها ان البلاد كانت تعاني الكثير من الفوضى السياسية قرب نهاية عهد 'النباهنة' تلك الدولة التي عمرت خمسة قرون كانت الثلاثة قرون الأولى تمثل فترة قوتها، ومع اقتراب القرن الخامس عشر بدأت عوامل الضغط تعمل في كيانها كنتاج طبيعي إلى انقسام الدولة إلى مماليك وكيانات ضعيفة عجلت بنهايتها·· تفاقمت الأحوال عموما آنذاك وكثرت الاضطرابات وتحولت عمان إلى مجموعة من المقاطعات الصغيرة يحكمها أمراء وشيوخ واتسمت العلاقة بينهم جميعا بنوع من التوتر، وفي هذه الأثناء اتخذ البرتغاليون هرمز قاعدة عسكرية لهم بينما تبددت القوى العمانية بسبب الحروب الأهلية، وفي الوقت الذي كان البرتغاليون يجهزون على كل القوى الخليجية كانت عمان تشهد مولد عهد جديد وزعامة جديدة أرسى دعائمها 'ناصر بن مرشد' بطريقة استوعبت كل القوى العمانية، وكان هذا الرجل هو الإمام لدولة اليعاربة، وقد استطاع هذا الإمام أن يستوعب ما يدور في بلاده والمحيط وأن يدرك المتغيرات الجارية من حوله سواء على المستوى العماني أو على مستوى المنطقة بشكل عام، ولذا فقد أدرك ثقل المهة وقدر كل أبعادها حيث اعتقد أن مواجهة البرتغال لا يمكن أن تكون حاسمة إلا إذا استند إلى جبهة وطنية متراصة ومتماسكة وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا خاض حروبا ضارية في سبيل توحيد كل القبائل العمانية'·
وبما أن منطقة الرستاق هي التي شهدت بعث إمامة ناصر بن مرشد فقد كان عليه ان يبدأ بها ولهذا مضى ومعه جمع من أنصاره، وكان المالك للرستاق ابن عمه مالك بن أبي العرب اليعربي وبعد حصار لم يدم طويلا فتحها الإمام·· ترى ما فائدة هذا الآن لجهة بناء الدولة العمانية الحديثة؟
القراءة الراهنة لأحداث الواقع - ونحن هنا نتحدث بناء على التاريخ والمشاهدة الميدانية - تقول: إن الاستفادة بينة حيث العمل على تقوية الجبهة الوطنية فالسلطان 'قابوس' يعتبر التفاعل مع شعبه قضيته الأساسية التي كرس لها حياته، وسنتحدث عن ذلك في حلقات قادمة·
إضافة إلى ذلك فإن الطريق التي تم بها تأييد أهل 'نزوى' للإمام ناصر لعدالة قضيته وانتصاراته ودعوتهم إلى تملكها، وإجماع أهلها على مبايعته تتم الآن -مع اختلاف في التفاصيل- للسلطان قابوس نراه في التأييد اليومي وفي انتظار الناس لزيارته لهم عند جولاته في السلطنة، وكأنهم بذلك يجددون البيعة له مرة أخرى·
بلعرب ·· وحصن جبرين
إن ذكر الإمام 'ناصر بن مرشد' يأتي من منطلق الحديث عن دولة اليعاربة التي تمكنت من طرد البرتغاليين من الخليج والمنطقة ووصول العمانيين إلى شرق آسيا، ولنا أن نضيف قائدا آخر منهم هو الإمام 'بلعرب بن سلطان اليعربي' الذي بويع بالإجماع في منتصف ديسمبر عام ،1680 وحسب كتب التاريخ فقد كانت سيرته حسنة وكان جوادا كريما عمر بلدة جبرين وعمق فلجها لاستصلاح أراضيها وقام ببناء حصن جبرين الشهير، واعتنى به اعتناء كبيرا من حيث هندسة بنائه وزخرفته وتحصيناته واتخذه مقاما له ومركزا لدولته ، كما انشأ فيه مدرسة يرتادها الطلاب لتحصيل العلم والمعرفة·
وحسب ما جاء في كتاب 'عمان في التاريخ' فقد كانت السنوات الأولى من فترة حكم الإمام بلعرب استمرارا لفترة الازدهار والاستقرار والرخاء التي نعمت به عمان في عهد دولة أبيه 'سلطان بن سيف'·
لقد حافظ الإمام بلعرب التي تولى حكمها بعد أبيه واستمر في سياسة الاعمار والبناء إلا انه في السنوات الأخيرة من فترة حكمه خرج عليه أخوه سيف بن سلطان مطالبا إياه الاعتزال من الحكم، ومن ثم بدت عوامل الهرم تسري في هذه الدولة منذ تلك الفترة وبدأت الأمور تسير في غير المسار الذي كانت تسير عليه في عملية اختيار الأئمة وتوليتهم في عهد اليعاربة، وابتلي أهل عمان بخروج سيف على أخيه الإمام المنتخب، الذي خرج من 'نزوى' متجها إلى ناحية الشمال ثم عاد إلى نزوى، ولكن أهلها في تلك الفترة كانوا قد انحازوا إلى جانب أخيه سيف بن سلطان وحالوا بينه وبين دخول المدينة، وتوجه إلى جبرين حيث حاصره أخوه سيف في الحصن ولما طال أمد الحصار ورأى أكابر عمان عجز الإمام عن التصدي لأخيه استسلموا للأمر الواقع فعقدوا الإمامة إلى أخيه 'سيف بن سلطان بن مالك' وقد بويع الإمام بعد وفاة أخيه الإمام بلعرب، وواصل الإمام الجديد سيرة سابقيه كما تابع سياسة مقاومة البرتغاليين في شرق أفريقيا والهند·
يأتي ذكرنا للإمام بلعرب لأننا زرناه في حصنه القديم ووقفنا عند قبره داعين له بالرحمة، كان الجو يومها معتدلا في بدايته مائلا إلى الحرارة عند منتصف النهار·· سياح من جنسيات مختلفة لم يعيروا القبر اهتماما إلا حين استعنا بسائح أجنبي من اجل الحصول على قلمه للكتابة·· بدا اهتمامنا بالضريح مثيرا بالنسبة له ، رأينا ذلك في عينيه وان لم يقله تعليقا·
الزيت والعسل·· والسيف
عند ضريح بلعرب -وفي نهاية الجولة- يشعر المنتمي إلى أمته بتدفق المشاعر نحو رموز طواها الزمن لكن لم يستطع النسيان أن يلغيها من الذاكرة·· الجدار الفاصل بين الضريح والعالم الخارجي تماما هو مثل ذلك الذي يفصلنا عن عوالم تتشكل بيننا بحجة إقامة دولة قطرية قوية، وعنده تساءلنا: ترى من يكون الحي فينا: الذين صنعوا التاريخ وحملوا أنفسهم عناء ومشقة الانتقال من حالة الخمول والسبات العميق إلى اليقظة أم الذين يبنون اليوم على أراضي صلبة حضارات يعول عليها لتثبيت المدنية والملك؟ الفارق بين الفاعلين في التاريخ هو فقط التقديم والتأخير في عنصر الزمن لكن الحلقات متواصلة ولا تغني الأسئلة عن ذلك الذي تحقق حتى لو كان حصن جبرين الذي زرناه مجرد آثار لقوم سادوا ثم بادوا، ولم تبق إلا أفعالهم وبالتأكيد هم قدموا لما عملوا، لكن رحيلهم وبعد قرون ما جعل الآخرين يجعلون عملهم هباء منثورا رغم أن حصونهم ما كانت مانعتهم ولا حامية لهم حين اشتدت الصراعات بين الإخوة·
داخل حصن جبرين -وتلك عودة لا غنى عنها لمعرفة الحاضر فترميم الآثار جزء من خطة طموحة ضمن استحضار الموروث الثقافي العماني- ترى تعايش قيم الدين مع هاجس الخوف من أعداء حقيقيين أو وهميين، ففي ذلك الصعود على درجات سلم مضاء بنور الشمس أو بالسراج في ظلام الليل ينتشر الحراس في كل مكان، ومع ذلك فهم غير كافين لحماية الإمام الذي يتوسد الأرائك أو يتوضأ للصلاة أو يطوف المكان لأداء حاجات أخرى ، لذلك كلما صعدت ذلك السلم نحو الأعلى وجدت فتحات متفرقة قال لنا المرافق إنها إنقاذ أخير بالزيت والعسل الساخنين للقضاء على الأعداء·
وفي بعض زوايا الغرف الأخرى صفت أدوات منزلية وأخرى للدفاع والحرب مثل السيف والخنجر·· المهم أن هناك حياة أخرى من نوع آخر لا يعرفها إلا من عاش عن قرب أو المؤرخون والمهتمون بالآثار، المدهش في ذلك كله أن الإمام على محبته للناس في ذلك الوقت يتحكم في ثلاثة أمور في الإطعام من الجوع أو السقاية من الظمأ أو الأمن من الخوف لذلك تجد آثار تخزين التمر باقية كبصمات اليد على الجدران·
ويقول لك المشرفون على الحصن هنا مخزن التمر ومنه يتدفق 'الدبس' عند تراكمه وقد ينفع ذلك لمسائل أخرى· وعن قرب أو عن بعد ينساب الفلج باتجاه الآبار التي حفرت في أكثر من مكان داخل الحصن، حتى إذا ما دنت الخطوب واشتد الخوف واستطاع الرافضون للحكم وللإمامة تجاوز المناطق الأخرى مثل حالات سابقة واجهتها مدينة 'نزوى' لجأ الإمام ومن معه إلى توقيف مسار من خلال منع المؤنة والماء عن الرافضين·
الصدى ·· وأحاديث المكان
تلك أحاديث المكان يرددها الصدى في الوقت الراهن، وقد يكون هناك ما هو اكبر منها وأهم خفي عنا لجهل الناس هناك أو لعدم وجوده مسطرا في كتب التاريخ·· ومع ذلك فإن تلك الاجتهادات أو التفسير أو السرد للقصص وإضافة الأساطير إليها يراها العمانيون تجربة ثرية، ويبدو السياح ناظرين إلى عاقبة الأولين غير مبالين بها ذلك لأن التعامل مع الآثار ليس من مهام الذين زودتهم الحياة العصرية بما يفوق الخيال ، وما يجعلهم أكبر من تطلعات لأهل المكان، يجمعهم أو يجذبهم ذلك المنظر العام للنخل الباسقات وهي تسبح خالقها متجهة نحو السماء ووارثة لأجيال من النخل سبقتها شاهدة على ما حدث عبر القرون الخوالي من فعل إنساني صالحا كان أم طالحا·
وبالنسبة لنا كان الأمر مختلفا فهنا ينام أو يرقد أحد الرجال الذين ساهموا في صناعة التاريخ العربي فهو ابن قادة طردوا الاستعمار وأوصلوا قيم العدل والمساواة إلى مناطق أخرى خارج الخليج العربي، وحين تركوها بعد قرون أو اجبروا على ذلك ظلت القيم التي حملوها إلى هناك ثابتة، وتمكنوا هم عبر الأجيال من الاعتماد عليها للقول بإمكانية المساهمة الحضارية مرة أخرى·
لم ندر ما الذي جذبنا إلى بلعرب من خلال قراءة الفاتحة على ضريحه ؟ ربما يعود ذلك لأول مشاهدة لنا لضريح واحد من قادة اليعاربة، أو لأن المجد الذي بني في الماضي أعاد تحريك الذاكرة إليه بسبب عجزنا في الحاضر·· المهم ان هناك صلة قوية أحسسنا أنها تربطنا بهذا الرجل ، وعلى القارئ أن يتصور ما يدور في الأنفس من حوار خاص بالأحياء تجاه الأموات، مما دفعنا إلى ذكر محاسنه، وتساءلنا: كيف لهم ان بنوا هذا الحصن بعلوه وبتفرعاته الداخلية وبالاحتياط والحذر من الغدر، ومع ذلك كما ذكرنا آنفا أصبح قرية خاوية على عروشها ؟
بلعرب وحديث الحاضر·· وقابوس
هنا يكون الحديث عن هذا الحصن وغيره من الآثار حديث الحاضر لجهة بناء الدولة العمانية الحديثة· صحيح أن الذي يملك التاريخ المجيد ليس بالضرورة ان يتحكم بالحاضر، لكن أيضا من المعروف أن من له تاريخ أفضل بكثير من الذي يحاول صناعة التاريخ الآن، وينتهي بنا ذلك إلى القول ان التنمية الشاملة في سلطنة عمان التي وصلت إلى أعماق الوديان وأعالي الجبال قد وظفت -بجانب المقدرات الراهنة والرؤية الثاقبة للسلطان- التاريخ العماني أيضا خصوصا الإنجازات·
وخارج الحصن وفي الشارع القريب منه صخب وضجيج وأغان وأهازيج لاستقبال جلالة السلطان قابوس الذي كان على وشك الوصول إلى المنطقة ضمن جولاته السلطانية الميدانية·· شارع واحد معبد وبضعة أمتار على الجانبين تفصل بين مراحل التاريخ السياسي لعمان، ومع اختلاف المراحل وطبيعة السلطة ونوع الشخصيات وطغيان السياسة على الدين في الوقت الراهن إلا ان الجامع بين قادة عمان في الماضي وسلطانها في الحاضر هو الفعل الايجابي لجهة استعادة دور عمان التاريخي مع اختلاف واضح في أسلوب التطبيق ·
ففي الوقت الذي اتجه فيه اليعاربة من الداخل إلى الخارج بعد القضاء على الاستعمار البرتغالي يأخذ السلطان قابوس ببلاده اليوم إلى الداخل ·· فالداخل ، لدرجة يعتقد المرء أن الغرق في المحلية هو بمثابة وصاية وأمانة ووفاء بالعهد لجهة تطوير منطقة في هذا العالم الواسع وترك الآخرين يطورون مناطقهم أو بلدانهم·
بالتأكيد ان المقدمات واحدة لجهة العمل على تقوية الجبهة الداخلية، فإذا كانت في الماضي قد اتخذت أسلوب فض النزاعات بين القبائل المختلفة، فإن السلطان قابوس اليوم جعل تلك القبائل ذات الإرث التاريخي المؤلم -والبشع أحيانا- تتآلف فيما بينها ليس لفض النزاعات هذه المرة، ولكن لتكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، متجاوزة اختلاف التضاريس وذلك التفاوت القبلي حيث الأصول العربية البعيدة، والتخلي طواعية وبعد جهد عن بعد الحواضر أو قربها عن بعضها·
الضنك ·· والتعب الممتع
تقوية الجبهة الداخلية سواء أكانت كما هي في الماضي طريقا لطرد الاستعمار، أو كما هي في الحاضر للقضاء على التخلف والجهل والمرض ستكون نتيجتها واحدة هي عودة عمان إلى دورها التاريخي الفعال والتأقلم مع محيطها، ومع تغيرات العالم وتطوراته·· إذن قد يكون الهدف البعيد للسلطان قابوس على ما فيه من تحديث متمما لذلك الدور السابق ما دامت القيم واحدة ووعاء الدين هو المراقب والحامي للنفس هناك من نزغ الشيطان عند شعور الناس بتحسن أحوالهم وازدياد ثرواتهم وعيشهم في الحياة الرغدة·
لذلك هو يعيد لهم الضنك بمعناه الجديد والمتمثل في التعب الممتع -ان جاز التعبير- حيث المساهمة الفعالة لكل العمانيين على حد سواء انطلاقا من أن السلطان يمكن أن يغير في شعبه بقدر ما يبديه من حب ورحمة، دفاعا عنهم، وبذلك تمتد الجسور ليس في صيغ مدح فقط ، ولكن في محبة تخالها حين تراقبها عن بعد نوعا من المجاملة المفضوحة، وحين تقترب من الناس تدرك فطرة البداوة في التعبير عن التغير عبر تراث عربي طويل نقل مفهوم القبيلة إلى الدولة إلى الإمبراطورية ضمن عصبية تشد من عصب الدولة في أزمنة الأزمات وعندما تتكالب الأمم أو يحل اليأس في النفوس نتيجة للقحط أو الجفاف·
قد يبدو الأمر غريبا للقارئ أن نبدأ هذا الملف من حصن جبرين الذي يقع في ولاية بهلا، وللعلم فان ذهابنا هناك يعد المحطة قبل الأخيرة في هذا الملف! ولمشاركة القارئ معنا نقول: اننا منذ اليوم الأول لتحركنا في عمان لإعداد هذا الملف وتحديدا في مسقط العاصمة ، بدا لدينا الأمر أن بداية الملف يجب أن تكون من زاويتين ، الأولى: التاريخ والجغرافيا (ومنهما جاءت تسمية الملف بعرب الشمس كما ذكرنا) كمنطلق للرصيد الحضاري وللشهادة عن أدوار وأفعال العمانيين في مختلف الأزمنة ، والثانية : حكم السلطان قابوس (ومنه أيضا جاءت كلمة السلطان في عنوان هذا الملف) الذي يعتبره شورى ويرفع شعارا في كل مؤسسات الدولة ويمثل قناعات لدى الناس ·
لقد تابعنا الزاوية الأولى عبر قراءة كتب التاريخ والآثار، وقد ذكرنا هنا جانبا منها، وسنواصل الباقي على طول الحلقات كإيحاءات او تحليل موقف معين والثانية تعذر علينا الوصول إليها فشددنا الرحال إلى حيث يقيم السلطان قابوس مخيمه ويتحرك في جولاته السلطانية، وفي هذه أيضا لم نوفق على مستوى اللقاء بشخصيات قيادية حددت لنا معها مواعيد مسبقة، ولا في لقاء السلطان بشكل مباشر، لكن للأمانة تابعنا تفاعل الناس معه في الميدان، ومن هنا كانت بداية الملف الذي هو النهاية في الحقيقة·
ترى ما سر ذاك الحب وما الحقيقة فيه وما الوهم؟ وما علاقة ذلك كله بالسلالة الخامسة؟ ·· نتابع إجابة تلك الأسئلة وغيرها من الأسئلة في الحلقات القادمة·
الحلقة المقبلة:
السلالة الخامسة ·· وكاشف الظلام

اقرأ أيضا

«الكنيست» الإسرائيلي يقر حل نفسه وإجراء انتخابات جديدة