الاتحاد

عربي ودولي

جاكارتا ومستقبل اقليم آتشيه الدستوري والسياسي


إعداد ـ نادية حمزة :
يبدو أن طقس دول شبه جزيرة اسكندنافيا في أقصى شمال الكرة الأرضية البارد صيفا وشتاء كفيل بترطيب النزاعات الساخنة والحادة في العالم شرقا وغربا ، فعلى ترابها البارد وضعت على سكة الحل نزاعات استعرت نيرانها لعقود ، فقد كانت أوسلو عاصمة النرويج مهدا لأولى خطوات حل النزاع الفلسطيني- الاسرائيلي كما ساهمت وزيرة خارجية النرويج هيلدا جونسون مساهمة كبيرة وفعالة في دفع عجلة اتفاق السلام السوداني، وكوبنهاجن عاصمة الدنمارك كانت مقراً لمفاوضات ماراثونية شكلت بداية حل الصراع في سريلانكا بين الحكومة ونمور التاميل ، وأخيرا هلسنكي عاصمة فنلندا التي استطاعت كسر عقدة أطول نزاع في أندونيسيا ، حيث تم فيها التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق إطاري لتسوية سلمية للحرب الأهلية في اقليم آتشيه الأندونيسي والتي اندلعت منذ ما يقرب من ثلاثة عقود ·
فقد قالت الحكومة الأندونيسية إنها ستحاول معالجة مطالب ثوار آتشيه بتشكيل حزبهم السياسي ، عبر استثناء خاص لاقليم آتشيه في القوانين الوطنية التي تحظر قيام أحزاب ذات طبيعة جهوية ، وكان الطرفان قد توصلا الى اتفاق في فنلندا يوم الأحد السابع عشر من يوليو 2005 بعقد هدنة في أغسطس المقبل ، يرى المحللون أنها توفر أفضل فرصة للسلام في هذا الاقليم المنكوب بكارثة ال' تسونامي ' وتداعيات الحرب الدامية لفصل الاقليم عن البلاد ·
مخاوف وآمال
وفي الوقت الذي لم تنشر فيه بعد التفاصيل الكاملة للاتفاق الاطاري ،إلا أن منحه للمتمردين التمثيل السياسي في هذا الاقليم الغني بالنفط والغاز مقابل التخلي عن مطالبهم بالاستقلال ، اضافة الى مسائل حقوق الانسان والعفو ودمج المتمردين في المجتمع ومشاكل الأمن والخلافات على الأراضي يخلق مخاوف من أن يظل مطلب المتمردين بتشكيل حزب محلي عقبة تعترض تنفيذه نظرا لأن القوانين الأندونيسية تحظر قيام أحزاب اقليمية خشية تشجيعها للنزعات الانفصالية في الأرخبيل ·
وقال وزير الدولة الأندونيسي يوسريل احزا ماهندرا أن الحل المحتمل قد يكون في السماح للثوار بتشكيل حزبهم الخاص بهم بموجب قوانين الحكم الذاتي الخاصة بآتشيه التي تم تطبيقها في الاقليم في العام 2003 بهدف منحه حق اصدار تشريعاته الخاصة ومن ثم ستصبح شأنا خاصا يطبق في آتشيه وحدها من دون بقية الأقاليم · ومن جانبه قال وزير الخارجية الأندونيسي حسن ويرايودا أن مراقبين من الاتحاد الأوروروبي ورابطة دول جنوب شرق آسيا سيشرفون على تنفيذ الاتفاق ومن المقرر أن تصل طلائع المراقبين الى جاكارتا في الاسبوع المقبل ·
وقد أدت الحرب في اقليم آتشيه الفقير الواقع في الطرف الشمالي لجزيرة سومطرة الى مقتل حوالي خمسة عشر ألف شخص الكثير منهم مدنيون سقطوا برصاص الجيش الأندونيسي بذريعة أنهم متعاطفون مع المتمردين
ويشار الى أن اتفاقا سابقا للسلام في الاقليم انهار في العام 2003 وسط خروقات وأجواء من عدم الثقة بين الطرفين ، وتم اعادة الجانبين الى مائدة المفاوضات تحت ضغط دولي في أعقاب زلزال السادس والعشرين من ديسمبر 2004 وما تبعه من طوفان بحري معروف باسم أمواج تسونامي أزهق أرواح 170 ألف شخص من أصل أربعة ملايين ونصف المليون نسمة هم عدد سكان الاقليم ودمر المئات من القرى الساحلية ومعظم مباني عاصمة الاقليم بادا آتشيه ، ويخشى المراقبون من أن يحدث نفس الشيء للاتفاق الجديد ·
خوف من العسكر
وعبرت روزيتا نوير الأمينة العامة للجنة المستقلة من أجل آتشيه عن مخاوفها من أن يواجه الجيش الأندونيسي صعوبة في قبول الاتفاق رغم أنه وعد باحترام الاتفاق · ومن جانبه قال حسب الله سعيد وزير حقوق الانسان السابق المتحدر من آتشيه أن الأمور مختلفة هذه المرة ذلك أن ' التسونامي جاء بعد ثلاثة عقود من المعاناة والدمار ليوقظ الضمائر لدى الجانبين · لقد آن الأوان للتفكير في السلام ' وفي الوقت الذي لم تتأثر جهود الاغاثة العالمية بالنزاع كثيرا إلا أن عمال الاغاثة يقولون إن مهمتهم ستكون أكثر سهولة من دون وجود نحو خمسين ألف جندي حكومي في الاقليم يقولون إنهم يفرضون اتاوات غير شرعية على شاحنات الاغاثة التي تستخدم طرق الاقليم · ويذكر أن حجم الأموال التي وعد المانحون بتقديمها لاعادة اعمار الاقليم بعد كارثة التسونامي تبلغ خمسة مليارات دولار ·
ومن شأن هذا الاتفاق أن يعزز من الوضع السياسي للرئيس الأندونيسي سوسيلو بامبانغ يوديونو ، ويمهد الطريق أمام حل نزاعات أخرى ذات طبيعة انفصالية في الأرخبيل الأندونيسي مثل المشاكل في بابوا · اذ يواجه الرئيس انتقادات شديدة من نواب البرلمان الذين يتهمونه بتدويل النزاع بموافقته على عقد المحادثات في هلسنكي تحت رعاية الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهيتساري ·
وقال الرئيس الأندونيسي وهو ضابط سابق في الجيش إن الثوار سيمهلون فترة ثلاثة أشهر لالقاء السلاح ومن ثم تدميره وأضاف أن الجيش الأندونيسي سينسحب بعد ذلك تدريجيا من الاقل·· وللعلم فقد بدأت التحركات والاتصالات للتفاوض مع المتمردين بعد سقوط نظام حكم الجنرال سوهارتو في عام 1998 ، وفي مايو 2000 توصلت الحكومة والمتمردون في جنيف الى هدنة انسانية فصلية قابلة للتمديد ، وتسارعت وتيرة المفاوضات خلال حكم الرئيس السابق عبد الرحمن وحيد حيث تم التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار في ديسمبر 2002 لكن هذا الاتفاق انهار بعد ستة أشهر بعد قيام الجيش باعتقال مندوب الثوار في المفاوضات وطرد المراقبين الأجانب من الاقليم ، وقامت الرئيسة السابقة ميجاواتي سوكارنو بوتري بفرض الأحكام العرفية في الاقليم وشن الجيش هجوما شاملا، وقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص معظمهم من المدنيين خلال العامين الأخيرين، واستؤنفت جهود السلام في العام الحالي خاصة بعد كارثة التسونامي ·

اقرأ أيضا