الاتحاد

عربي ودولي

بواعث وتداعيات النزاعات الإقليمية في شرقي آسيا


إعداد- عدنان عضيمة:
تتفق آراء خبراء الشؤون والشجون الآسيوية على أن الشعور الوطني الذي تحمله شعوب دول شرقي آسيا ليس مجرد وهم أو موقف نظري، بل هو قضية خطيرة وذات جذور عميقة تتعلق بالتاريخ والجغرافيا، وتزكّيه بواعث الصراعات القديمة التي شهدتها هذه المنطقة من العالم في أيام غابرة· وليس هذا الشعور اللاهب بجديد على شعوب هذه المنطقة من العالم·· فلقد شرح 'آلبرت هو' عضو المجلس التشريعي في هونج كونج كم أحسّ هو وغيره من الصينيين بالمرارة القاسية منذ شرع اليابانيون في تزوير وتشويه تاريخ آسيا من خلال ما دسّوه من أكاذيب في مناهجهم المدرسية خلال العقدين الماضيين حول تاريخ هذه المنطقة من العالم بما في ذلك تعمد إغفال الجرائم الفظيعة التي اقترفوها بحق الصينيين إبان الحرب الاستعمارية الشرسة التي خاضوها ضدهم· ولقد جلبت السنة الماضية معها بوادر الانبعاث الواضح للمشاعر القومية القوية في شرقي آسيا والتي بدأت تثير مخاوف بعض الأوساط السياسية المحلية والعالمية·
ويشير ملخص الحال هناك إلى أن الصين تتطور بسرعة هائلة وللدرجة التي أصبحت تستثير مخاوف السياسيين الأميركيين فيما تبحث كوريا الجنوبية عن لعب دور أساسي كقوة عسكرية فاعلة وأساسية في منطقة شرقي آسيا على الأقـــل وفقاً لما أشــار إلـــيه أســــتاذ ومحلل صيني متخصص في جامعة شانغهاي رفض البوح باسمه بسبب حساسية الموضوع، وفي هذا الوقت أيضاً، تسعى اليابان للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، وهو السلوك الذي كتب له أن يستثير حفيظة بقية دول المنطقة وخاصة الصين وكوريا الجنوبية·
عداء تاريخي
وحول العلاقات التي تزداد توتراً بين اليابان والصين، قال لي هسين لونج رئيس وزراء سنغافورة في حديث لإحدى الصحف أدلى به قبل أيام في طوكيو: 'إننا نرى من خلال تداعيات هذا الخلاف ضرورة أن يسعى الطرفان الياباني والصيني لتهدئة المشاعر الوطنية قبل أن تستفحل الأمور'· ويذكر أن اليابان تعاني من مشكلة النزاع على الحدود الإقليمية مع كل جيرانها الآسيويين دون استثناء بما فيهم روسيا·
كما تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن معظم أعداء اليابان في المنطقة هي دول نووية بخلاف اليابان ذاتها· ويعترف عمدة طوكيو القوي شينتارو إيشيهارا، المعروف بغلوّه القومي القوي وتطرّفه الشديد، أن اليابان باتت تحت التهديد المباشر لكل من النظام الحاكم في كوريا الشمالية والقوة المتزايدة للصين ·
وأشار إلى حقيقة قائمة مفادها أنه لن يكون في وسع اليابانيين الاعتماد على دعم الولايات المتحدة لو نشبت أزمة جدية بين اليابان وأي من هذه الدول ذات الإمكانات العسكرية القوية، وعلى اليابان إذن أن تفكر في الاعتماد على نفسها من الناحيتين السياسية والعسكرية وأن تعيد تسليح نفسها بقوة لضمان قدرتها على مواجهة الأخطار التي قد تحملها السنوات المقبلة·
ويمضي إيشيهارا قائلاً: 'ولم أكن في أي يوم أفكر في أنه بات من الضروري أن تمتلك اليابان الأسلحة النووية· ولكننا لو نظرنا نحن إلى ما يدور حولنا هذه الأيام فسوف نستخلص من ذلك الضرورات الماسة لأن نمتلك مثل هذه الأسلحة'·
وأما في الصين، فإن الشعور بالعداء التاريخي ضد اليابان والدول الغربية ما فتئ يزداد تأججاً يوماً بعد يوم بسبب الإعلام الأحمر الموجه من قبل الحزب الشيوعي الصيني· ومما يزيد من معنويات الصينيين في هذا التحدي ذي المدى البعيد الذي يخوضونه، ثقتهم العالية بقدرات جيشهم الضخم، وما يسجلونه من نمو اقتصادي ثابت ومتوازن منذ عدة سنوات ومن دون انقطاع· ومن المعروف تاريخياً أن مثل هذا المزيج من مشاعر الثقة عادة ما يكون قابلاً للانفجار لأي سبب من الأسباب· وقبل أيام فقط، صدر عن جنرال صيني كبير تصريح خطير أثار الكثير من القلق في الدوائر العسكرية والسياسية الأميركية عندما قال ان الصين سوف تهاجم المدن الأميركية بقوة وبما تملكه من أسلحة نووية رداً على أي هجوم أميركي يمكن أن تتعرض له مدنها لو نشب صراع حول تايوان، حتى لو أدى ذلك إلى دمار مئات المدن الصينية·
تايوان ·· والوطن الأم
وفي شهر أبريل الماضي عبّر الصينيون عموماً عن مدى عمق مشاعرهم المعادية لليابانيين عندما خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم العارم من لجوء اليابانيين إلى تزوير التاريخ وحذف الكثير من الحقائق حول ما ارتكبه الجيش الياباني من جرائم بحقهم إبان الفترة الاستعمارية وخاصة في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي حيث حدثت مذابح جماعية من أشهرها مذبحة نانجينغ التي راح ضحيتها مئات الألوف من المدنيين الصينيين· وتبدو طموحات الصين الآن في المجال العسكري بالغة الضخامة·· فهي تعمل دون هوادة على عصرنة جيشها الضخم فيما تواصل إصدار تصريحات التحدي لجيرانها من خلال التذكير بحقوقها الإقليمية المهضومة· ولعل من أحدث هذه التصريحات تلك التي طالبت فيها بإعادة سيادتها على جزر ديايو وسينكاكو الخاضعة للحكم الياباني· وفي شهر نوفمبر الماضي، اضطرت الصين للاعتذار بعد أن تم ضبط إحدى غواصاتها النووية أثناء إبحارها ضمن المياه الإقليمية اليابانية· ويبدو أن مشاعر التحدي والتحدي المضاد آخذة في التفاقم في دول شرقي آسيا· فهناك مشكلة النزاع حول وضعية تايوان التي تتأرجح الآن بين العودة إلى الوطن الأم (الصين) أو البقاء في حالة الانفصال والاحتفاظ بدولتها المستقلة· وهذه واحدة من أخطر المشاكل الإقليمية الكامنة في المنطقة والتي قد تتفاقم إلى حرب لا يدري أحد كم من الدول الكبرى ستشترك فيها· وهذه الموجة من المشاعر والتحديات والانفعالات القومية تحمل في طياتها الكثير من الأخطار على مستقبل المنطقة والعالم· وبالرغم من أن درجة الحرارة السياسية لم تبلغ نقطة الغليان إلا أن بعض المحللين السياسيين يعبرون عن مخاوفهم من أن يأتي اليوم الذي تؤدي فيه هذه الموجة إلى اندلاع الحروب الشاملة· ويقول الخبير الياباني نوريكو هاما الأستاذ في معهد دوشيشا الاقتصادي: 'إنها بحق من مناطق التوتر الأكثر خطراً في العالم'·

اقرأ أيضا

الاتحاد الأوروبي يحذر: بريطانيا تتجه نحو "بريكست" دون اتفاق