الاتحاد

عربي ودولي

المد الإسلامي حطم كل النظريات الغربية


القاهرة - حلمي النمنم
ربما يكون هذا الكتاب فقد الكثير من قيمته في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة تحديدا رغم أهميته العلمية والوثائقية وهو بعنوان 'الشرق الاوسط المعاصر·· محاولة للفهم' من تأليف ديبوراج جيرنر وترجمه الى العربية أحمد عبدالمجيد وراجع الترجمة د· رؤوف عباس· صدر الكتاب في العام 2000 مباشرة قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر التي قلبت الافكار تجاه الإسلام والمسلمين رأسا على عقب في أميركا تحديدا، ومن ثم فإن الروح التي أعد بها الباحثون فصول هذا الكتاب كانت ساعية للفهم فعلا وتحاول الاقتراب الحقيقي من مشاكل هذا المنطقة الواسعة·
وهذه النوعية من الكتب يكتنفها عيب التعميم الشديد ذلك ان المجتمعات العربية والإسلامية شديدة التنوع لأنها تضم بلادا مثل مصر والعراق وايران وباكستان وتركيا وهذه جميعا هي بلاد الشرق الاوسط وكيف للباحث ان يتناولها كلها في مبحث واحد، دون ان يقع في خطأ التعميم والقفز فوق الكثير من التفاصيل؟ ولعل المؤلفة كانت منتبهة الى ذلك فقد استعانت بعدد من أبناء المنطقة أو من ينحدرون منها لمشاركة الباحثين الأميركيين ويبدو ذلك واضحا في الفصل الذي حمل عنوان 'الدين والسياسة في الشرق الأوسط'·
يحتل الدين مكانة خاصة لدى شعوب هذه المنطقة ولعلها ليست مصادفة ان الديانات السماوية الثلاثة ظهرت فيها وقد تدخلت الاديان في السياسة بشكل ما، لكن الامر المؤكد ان الحكم الديني في هذه المنطقة لم يأخذ نفس الشكل الذي اتخذه في بلاد اوروبا، كان الدين ورجاله هم الذين يحكمون أوروبا بالفعل لقرون عديدة وظلت اوروبا تناضل قرونا ايضا لتتخلص من هذا الحكم وتصل الى الفصل بين الدين والسياسة وبزوغ العلمانية، بينما كان الوضع في الشرق الاوسط مختلفا ولم يجد الحكم الديني القبول الواسع ومن ثم لم يتحكم رجال الدين في البلاد والشعوب وبالتالي لم تعرف هذه البلاد التمرد العنيف على الدين ورجاله·
واذا كانت الحداثة وقيمها ظهرت في الغرب نتيجة كفاح وجهود مميزة فانها دخلت منطقتنا مع الاستعمار، ومن هنا لم تجد الحداثة والعلمانية مؤسسات تؤمن بها وتدافع عن قيمها وتعمل على غرسها في المجتمع، كما هو الحال في أوروبا واميركا·
مكانة القدس
وفي تركيا أسقطت الخلافة الاسلامية وأقيم أول حكم علماني في العالم الاسلامي عام 1924 وتصور كثير من المراقبين الغربيين ان تلك هي البداية لانتشار العلمانية في العالم الاسلامي، لكن كان رد الفعل مناقضا تماما، فقد ظهرت جماعات في العالم الاسلامي تندد بأتاتورك وحكمه العلماني ومن ذلك جماعة الاخوان المسلمين التي أعلنت في 1928 بمصر ثم امتدت الى الاردن وعدد اخر من البلدان العربية ثم أسس عبدالعزيز آل سعود المملكة العربية السعودية على أسس اسلامية وبعد ذلك في عام 1947 تأسست باكستان لتضم المسلمين الذين كانوا بالهند وسميت الجمهورية الاسلامية وفي العام التالي مباشرة اقيمت إسرائيل على جزء كبير من ارض فلسطين لتكون دولة لليهود، وقامت الحرب العربية الاسرائيلية الاولى فور قيام تلك الدولة عام ·1948 ويتمثل الصراع الديني والسياسي في مدينة القدس، فاليهود يعتبرونها 'جبل الرب' وهناك مجموعة من الشرائع اليهودية غير المكتوبة التي جمعت في القرن الثاني بعد الميلاد والمعروفة اختصارا لدى اليهود باسم 'المشنا' ترى ان الوجود المقدس ظل في الحائط الغربي 'حائط المبكى' وصارت القدس رمزا ومصدرا للديانة اليهودية ويعتبرها اليهود رمزا لهويتهم القومية·
وعلى المستوى المسيحي يرى المسيحيون في القدس الموقع الذي نشأت فيه ديانتهم في مراحلها الاولى ومارس السيد المسيح دعوته ورسالته بها وفيها ايضا حكم عليه بالصلب ووفقا لما هو سائد في العالم المسيحي فقد صلب وُدفن بها، وبها حدثت المعجزة حيث بُعث المسيح من قبره ورُفع الى السماء وتحولت القدس بعد ذلك الى مدينة مهمة سياسيا للعالم المسيحي حينما وجه البابا اريان الثاني نداءه للمسيحيين وقامت الحملة الصليبية الاولى لاسترداد القدس من 'الكفار' أي المسلمين وتأسيس المملكة المسيحية وكان الاهتمام المسيحي بالقدس باديا اثناء الانتداب البريطاني على فلسطين واليوم يؤدي عدد من المسيحيين مناسك الحج بهذه المدينة حيث يزورون كنائسها ومقدساتها·
وبالنسبة للمسلمين فإن القدس هي القبلة الأولى التي اتخذها المسلمون في صلواتهم وفضلا عن ذلك فإنها المكان الذي شهد الاسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم والمعراج به الى السماء، فقد اُسري بالرسول من المسجد الحرام بمكة الى المسجد الاقصى بالقدس·
وما يسميه اليهود 'حائط المبكى' هو حائط البراق بالنسبة للمسلمين، وفي القدس يوجد المسجد الاقصى وتوجد قبة الصخرة ولهما تقدير كبير في ضمير كل مسلم·
وفي هذه المدينة يكمن التداخل بين ما هو ديني وما هو سياسي في المنطقة· وبذل الباحثون جهدا في جمع مادة تاريخية حول نشأة وتطور كل ديانة من الديانات الثلاث وتوقفوا امام انبعاث الاسلام السياسي ويتمثل ذلك في نجاح الثورة الايرانية في العام 1979 واتجاه السودان أيام جعفر نميري الى تطبيق الشريعة الاسلامية ثم سعي الجماعات المتشددة في مصر والجزائر وغيرها الى تولي الحكم وبعدها ظهور حماس والجهاد في فلسطين المحتلة وقد ارتبك الباحثون في تفسير بروز ذلك التيار، مرة يقولون أنه ظهر ردا على وجود حكومات ديكتاتورية وفاشستية صارت عاجزة وغير فعالة وفي موضع اخر يرى انه نتيجة اتساع الفجوة بين الاثرياء والفقراء وانتشار الفساد أو أن حكومات ما بعد الاستقلال عمدت الى الربط بين التحديث والتغريب· ويمكن القول ان الكتاب انطلق في هذا التفسير من الحكم الشائع في بلاد الغرب عموما واميركا خصوصا وهو حكم يسهل نقضه لانه يتجاهل الاسباب الاساسية فبلد مثل السعودية التي شهدت بعض العمليات الارهابية مؤخرا ليس فيها حكم عسكري وليست فيها ازمة اقتصادية مثل تلك التي في مصر أو في الجزائر، كما أنها لم تتعرض للاحتلال الأجنبي· وقيام الثورة في ايران كان سياقا مختلفا، ولعل السبب المباشر لظهور تيار الاسلام السياسي بهذه القوة يعود الى قيام دولة إسرائيل التي اقتطعت جزءا كبيرا من أرض فلسطين - 77 في المئة- بعد حرب 1948 وقامت تلك الدولة إحياء لتصور ديني قديم وإحياء لغة ميتة هي اللغة العبرية، كان قيام تلك الدولة يعني في نظر أبناء المنطقة ان التصورات الدينية يمكنها ان تقيم دولة بالقوة وضد القانون وأي دراسة متأنية سوف تثبت ان جماعة الأخوان في مصر كانت كيانا محدودا وبعد قيام اسرائيل صارت شيئا آخر·· أما بقية الجماعات 'الراديكالية' فبداية ظهورها يعود الى هزيمة يونيو 1967 وفي تلك الهزيمة ثبت عجز الجيوش العربية وضعف الانظمة لكن إسرائيل كانت هي البادئة بالهجوم، وهي التي خططت للحرب، ولم يكن لدى العرب اي نية لخوض معركة·· وسوف تبقى هذه التيارات ما بقي العدوان والاحتلال الاسرائيلي للبلاد العربية· لقد غض الكتاب الطرف تماما عن هذا الجانب، ويبلغ التحيز مداه في القول 'الحركات القومية الإسلامية مثل حماس وحزب الله، ومن خلال استخدام صواريخ الكاتيوشا واللجوء الى التفجيرات الانتحارية عرضت الامن الاسرائيلي للخطر في كل من لبنان وفلسطين'· بينما لم نقرأ كلمة عن التدمير للفلسطينيين وتهديد اللبنانيين ولا حديثا عن الجماعات الاصولية الصهيونية والليكودية داخل إسرائيل·
الدين هو الملاذ
وطبقا لكل الشواهد فإن دور الإسلام في سياسة الشرق الأوسط لن يضعف كما يتوقع البعض في الدوائر الغربية وهناك مشاكل متفاقمة في العالم الاسلامي منها الاستبداد والتسلط السياسي وازمات اقتصادية متلاحقة ومعدلات عالية للبطالة فضلا عن غضب وسخط شعبي من العلاقات غير المتكافئة مع الغرب واميركا، ومن ثم يبقى الدين ملاذا لهذه الشعوب·
وبهذا المعنى سوف تواجه 'النخب العلمانية' في المنطقة تحديا واتهاما من الشباب اذ ان هذه النخب ينظر اليها كما لو كانت تبشر بالغزو الغربي للمنطقة· ويرصد البحث ظهور نخب جديدة في المنطقة، تمتلك التعليم الحديث ولديها توجهات اكبر نحو القيم الاسلامية وانتقاد حاد لفشل عمليات التحديث· فمن اكثر الانتقادات لدى الشباب تجاه الحكومات اعتمادها المتزايد في علاقاتها الاقتصادية وعمليات التنمية على الغرب·
ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة بدأ نظر الدارسين الى الدين يختلف· كان علماء الاجتماع في الغرب طوال تلك الحرب يتعاملون على ان بلاد الشرق الاوسط تسير حتما نحو النموذج الاوروبي، اي سيادة القيم العلمانية في الحياة وتراجع دور الدين ومكانته الاجتماعية بين الناس، وقد حال هذا التصور دون دراسة النموذج الديني وأفكاره وأدواته وأصيب العلماء بالفشل الذريع فور قيام ثورة ايران عام 1979 التي كانت حدثا كبيرا على المستوى العالمي، وجعلت علماء السياسة يعيدون النظر في الانبعاث الديني وقد عبر أحد علماء الاجتماع عن ذلك الفشل بالقول 'ليس ثمة سلاح في الترسانة النظرية للدراسات العلمية الاجتماعية للدين أو العلوم السياسية يمكنه مهاجمة مشكلة الانبعاث الديني في انحاء العالم أو التصدي لها، فالنظريتان الاساسيتان عن التحديث -التنمية والاستقلال- تنطلقان من الافتراض بان الآراء والاحكام الدينية تعوق حركة التقدم وانها بدأت تتلاشى في شتى ارجاء العالم'·
والمشكلة ليست في الواقع ومعطياته ولا فيما يحدث في بلداننا ومجتمعاتنا ولكن في الباحثين والعلماء انفسهم، فقد سمحوا لانحيازهم المسبق الى العلمانية بان يضعف مناهجهم عندما تعلق الامر بدراسة الدين ومن ثم تحولت النظرية الى عقيدة وهناك من أشار في الغرب الى ان العلمانية في شكلها ومضمونها تشكل عقيدة أو مبدأ اكثر منها نظرية وانها تمثل ايديولوجية مسلما بها للعلوم الاجتماعية، بدلا من كونها مجموعة من الافتراضات المترابطة فيما بينها· وذهب جفري هادين الى ان العلمانية بمرور الزمن صارت 'فكرة مقدسة' وبعبارة أخرى أصبحت نظاما للعقيدة أو معتقدا يقوم على الايمان·· ويتهم أحد علماء الاجتماع زملاءه في عام 1968 بانهم بسبب كراهيتهم الفطرية وبغضهم الغريزي للدين فإن هؤلاء ليسوا متحيزين ضد الدين فحسب ولكنهم يناصبونه العداء ايضا·
تأثير سلبي
وكان لهذا الايمان الاعمى بالعلمانية تأثيران سلبيان على دراسة الدين والسياسة· الاول هو ان الدين قد أدرج ضمن فئة 'الثقافة' التي لم تكن تبلورت بعد ومازالت في مرحلة التشكل، وذلك جنبا الى جنب مع عناصر اخرى مثل القبلية والتقليدية ومن ثم فلم يتم التعامل بشكل جدي مع الدين ودوره الاجتماعي والسياسي حتى قيام الثورة الايرانية·
والتأثير الثاني ان الايديولوجية العلمانية أسقطت اي شرعية عن أفكار مثل الدولة الاسلامية أو الحكم الاسلامي، لان هذه الافكار تسقط فريسة الايديولوجية العلمانية ومن هنا بدأ بعض علماء الاجتماع الغربيين يتحدثون عما سموه 'الاصولية العلمانية' التي حولت العلمانية الى دين جديد، لا يجوز انتقاده أو المساس به وهكذا فشل العلماء والمحللون في تقدير الدور الذي يضطلع به الدين في سياسة الشرق الأوسط· فالدين مصدر للهوية وللاهمية ايضا، والاستعانة به تضفي مصداقية على كثير من الخطط والاعمال ويمنح بعض المشروعية لكثير من الانظمة والحكومات بالمنطقة·
وربما جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتجعل الغرب كله يدرك حجم الأثر الاسلامي في المنطقة فقد كشف الحادث عن غضب اسلامي عميق من التعامل الغربي والاميركي مع مشاكل وهموم العالم الاسلامي·· ويبدو انهم أساءوا الفهم، فقد اعتبروا الاسلام دينا معاديا بشكل مطلق للغرب، وان هذه المجتمعات تفرز وتقدم للعالم ارهابيين فقط·
ولعل السؤال الذي يجب ان يطرح هنا·· اين كان علماء الاجتماع ومنظرو السياسة في الشرق الاوسط؟ والمؤسف ان معظمهم راحوا يرددون افكار علماء الغرب وانقسموا فيما بين مؤمن بالافكار والنظريات الرأسمالية التي كانت تسود اوروبا الغربية والولايات المتحدة وهذه النظريات كانت تتعامل مع الدين كديكور فقط أو مجرد سلعة كالسلع الاخرى أو استخدامه كأداة للتنديد بالاشتراكية أو الماركسية·
وفريق اخر من العلماء العرب تأثروا بأفكار ماركس ولينين وكانوا يعتبرون الدين ضد التنمية والتقدم وانه 'افيون الشعوب'·
واستسلم العلماء العرب لتلك الافكار ولم يقوموا بدور الباحثين في مجتمعهم والواقع حولهم كان ينقض أفكار العلماء الغربيين، حتى من قبل قيام ثورة 79 في ايران·
وبناء عليه فإن الاستنتاجات النظرية عن العلاقات بين التقاليد والدين من جهة والتحديث من جهة أخرى وعلى الاخص في العالم الثالث غالبا ما كان يتم التوصل اليها دون تجربة أولية في التعامل مع المناطق والاديان أو التقاليد

اقرأ أيضا

ترامب: العراق سعيد بمهمة قواتنا على أرضه