الاتحاد

عربي ودولي

سنوات عجاف تعيشها عملية السلام في عهد شارون


أحمد خضر :
حين انتخب شارون رئيساً للحكومة الإسرائيلية بعد الفوز على يهود باراك في أعقاب قمة كامب ديفيد الثانية عام ،1999 وانطلاق الانتفاضة المباركة ، التي هبت من المسجد الأقصى إثر زيارة شارون السيئة الصيت له ، أجمعت القيادة الفلسطينية على أن عملية سوف تعيش سنوات عجافاً ، وأن العملية السياسية في عهد شارون قد توقفت ، وهذا ما حدث ، حيث حلت لغة العنف والدم بديلاً عن الحوار السياسي ، وبقية القصة معروفة وما زال الفلسطينيون يعيشون فصولها الدامية ، لأن شارون بطل المجازر الدموية الشهيرة ، وصاحب التاريخ الإجرامي الأسود يسعى لأن ينصب من نفسه ملكاً لإسرائيل على أجساد الضحايا ، ثم أن شارون صاحب المشاريع الاستيطانية يطمح لأن يشكل إمبراطورية إسرائيلية من خلال السيطرة على الأرض وطرد أصحابها الأصليين بالقوة ·
معجزة اسمها شارون
لكن البعض يمني النفس بأن تحدث معجزة ، وتنقلب الأمور كلها رأساً على عقب وهي أن يتحول شارون إلى بطل سلام !! عندها تقام دولة فلسطينية حيث يعيش الناس فيها إلى جانب إسرائيل المختلقة في العام 1948 ، هل نحن في عصر المعجزات ؟ قد يحصل هذا لكنه لن يكون منة من الجانب الإسرائيلي ، بل نتيجة للصمود الأسطوري للفلسطينيين ، والدعم العربي ، والضغط الدولي ·
من هنا جاء الانسحاب الأحادي الجانب من غزة نتيجة طبيعية لانتفاضة الجماهير في وجه الظلم والقهر ، وليس مكافأة من شارون الذي وقف مذهولاً أمام حاجز المئة يوم لفشله في القضاء على الانتفاضة ، وإدراكه كما جميع الإسرائيليين أن شيئاً جذرياً هو الذي يحصل ، وهو متعلق بالحرية والاستقلال والسيادة الوطنية على أرض اسمها فلسطين من قبل شعبها الرازح تحت نير الاحتلال ·
مشروع قديم جديد
لكن الانسحاب الشاروني من جانب واحد ، وفق رؤيته تعني إعادة إحياء مشروعه الذي طرحه منذ توليه الحكم وهو إعطاء الفلسطينيين 42 بالمئة من أراضي الضفة الغربية ، متجاوزاً في ذلك جميع قرارات الشرعية الدولية وحقوق الآخرين ، بمعنى أن شارون يسعى إلى إعادة تقسيم فلسطين التي كانت قائمة زمن الانتداب البريطاني قبل عام 1948 بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد سلخ أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وضمها لإسرائيل وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً في صميم استراتيجية حزب الليكود الذي يؤمن أن ما يسمى بحرب الاستقلال ما زالت قائمة ، وأن إسرائيل من أجل بلوغ هذه الغاية لا بد لها من الاستمرار في التوسع والسيطرة المباشرة على السكان العرب من خلال وضعهم في منعزلات جغرافية تضطرهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة في المستقبل للهجرة ، وجعل إمكانية قيام دولة فلسطينية أمراً صعب المنال خاصة بعد اكتمال إقامة الجدار العنصري الذي يلتهم الأراضي الزراعية الخصبة للسكان ·
42 بالمئة
إن شارون يعتقد أنه يمسك بخيوط اللعبة السياسية ، ويحاول أن يظهر أمام العالم بصورة السياسي المخضرم ، وصاحب النظريات والأفكار المتجددة عندما يدعو إلى العزل الجغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، باعتبار أن التعايش المشترك مستحيل في ظل الإرث التاريخي من العداء بين الجانبين ، محملاً الفلسطينيين المسؤولية بعدم الإيفاء بتعهداتهم إزاء خارطة الطريق ، والتركيز على الشق الأول منها وهو القضاء على ( حماس ) و ( الجهاد الإسلامي ) وغير ذلك من المنظمات التي ينعتها بالمنظمات الإرهابية ·
لكن شارون لم يأت بأي جديد فمنذ استلم الحكم ، وهو يطرح دولة فلسطينية على 42 بالمائة من أراضي الضفة الغربية ، وهم التعبير الأكثر ملاءمة عن توجهاته الفكرية والسياسية ، وخلال سني حكمه لم يبرح تفكيره ولا سياسته دائرة التوسع الجغرافي في الأرض ، وسرقتها وانتزاعها من بين أيدي سكانها الأصليين تحت حجة توفير الأمن لإسرائيل ، فالإسرائيليون في أفضل الحالات يرون في الضفة الغربية أرضاً متنازعاً عليها ، وقد قام الاحتلال منذ العام 1967 بتغيير معالمها الجغرافية والسكانية ، وزرعها بالمستوطنات ، وشق الطرق الالتفافية في جبالها ، هذه الطرق التي تمثل الخطر المحدق بالفلسطينيين ، حيث يسقطون شهداء بنيران الغزاة كلما اقتربوا منها ، ولم تسمح إسرائيل في الواقع منذ النكسة بتجاوز محيط القرى القديم للبناء والتوسع من قبل السكان العرب ، ذلك أن كل ما هو حول القرية الفلسطينية ، وأراضيها الزراعية ينظر له على أنه مؤجر لأصحابه ، ويطبق على الأكثرية منه قانون أملاك الغائبين ، وعندما يتمكن الصهاينة من شراء قطعة صغيرة من الأرض من قبل أحد السماسرة العملاء ، فإن إسرائيل تستغل ذلك لبناء مستوطنة جديدة على الأرض التي اشترتها وكل ما يجاورها من أراضي الفلسطينيين ، لتثبت أن المستوطنة شرعية ، وحين يقتل يهودي في مكان ما تـــــــــبنى بدلاً منه مستوطنة ·
لا للقرارات الدولية
إن شارون يسعى إلى طمس كل المعالم الحية للقضية ، وشطب كل القرارات الدولية ، ومنها قرارا مجلس الأمن الدولي 242 و338 اللذان يطالبان إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ، وكذلك القرار 194 الخاص باللاجئين والقدس والاستيطان، وجميع قضايا الحل النهائي ، بل والتنصل من التزامات إسرائيل إزاء خارطة الطريق التي قبلها شارون ظاهرياً ، ووضع عليها تحفظاته·
هكذا يريد شارون تجاوز القرارات الدولية ، وتمرير مخططاته التوسعية العنصرية ، وفرض قرارات إسرائيلية جديدة على مسيرة السلام تجسد سياسة الأمر الواقع على الأرض ، وهو في هذه المناورة المكشوفة يريد أن يضع الفلسطينيين في الزاوية الحرجة لأنه غلف مناوراته ذات المضمون الخبيث بأوراق السلوفان ، وظهرت براقة ناعمة أمام العالم لأنها ترفع شعار محاربة الإرهاب ، والخروج من غزة ، لكن الوجه الآخر والحقيقي هو سفك دماء الفلسطينيين ، ووضع اليد على أراضيهم ، وبناء الجدار ، وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ·
إن حدود إسرائيل هي آخر ما تصل إليه قدم الجندي الإسرائيلي ·· هذا في زمن الحرب ، أما في زمن السلم فإن تراجع الجندي الإسرائيلي عن المواقع التي وصل إليها عمل في غاية الصعوبة ، وإذا ما أراد شارون أن يتعطف على الفلسطينيين بمنحهم حفنة محاصرة من تراب وطنهم ، فإنه يكون قد ضحى وقدم تنازلات مؤلمة حسب تعبيره ·
سبعيني يغير أقواله
إن شارون ( السياسي ) لم يغير جلده ·· بل إن ما جاد به من تنازلات حسب مشروعه الذي يقام له ويقعد هو انعكاس لطبيعة المرواغة والتصلب والفكر الإرهابي المتعصب الذي يحمله ، وهو في ذلك لا يريد أن يعيره أحد بأنه قدم شيئاً للعرب من أجل السلام ، ويحلو له أن يتخيل كشخص في السبعينيات من عمره أن التاريخ سيكتب عنه أنه صنع السلام لإسرائيل وانتزع الأرض من العرب في آن معاً ، وهي نفس الشعارات التي كان يطلقها بيغن وشامير وزعماء الليكود من قبله ( السلام مقابل السلام ) وهم جميعاً يلتقون عند هدف واحد ·
يتوقف شارون عند الضفة الغربية لإعادة رسم خريطة جديدة لها ، حيث يختار الإسرائيليون الأماكن التي يفضلونها ، ويتركون بعض التجمعات السكانية العربية وفق سياسة العزل الجغرافي ، بمعنى تقسيم الضفة باستثناء القدس بطبيعة الحال ، من خلال تعويم مسألة الأرض ، باعتبارها ليست للفلسطينيين وهي تقع في حدود أرض إسرائيل الشرقية ، فيما أريحا كمدينة تترك للفلسطينيين التي يعتبرها اليهود وفقاً لعقيدتهم وأساطيرهم أرضاً ملعونة ·
الانسحاب الأحادي وفق المنظور الشاروني يعني توفير الأمن للجانب الإسرائيلي ، ويعلن رئيس وزراء إسرائيل على الملأ أن أي انسحاب من الضفة الغربية لن يشمل القدس ، و4 كمبونات هي محيط مستوطنة معاليه وإيثل وغوش عتصيون والشريط الاستيطاني على امتداد نهر الأردن ، وجميع المستوطنات الكبرى على الخط الأخضر ، وتلك التي يطوقها جدار الفصل العنصري حيث يخترق الأراضي الزراعية في عمق الضفة الغربية المحتلة ·
إن شارون يريد الالتفاف على قرارات الأمم المتحدة ، واستحقاقات خارطة الطريق في طرحه هذا الذي لا يربطه أي منطق ، اللهم أن يجعل الفلسطينيين والعرب والعالم في حيرة من أمرهم حيث يدخلهم إلى مجاهل معتمة يبدو أن الخروج منها لا يتم إلا بالتعاطف مع المخطط الشاروني من قبل بعض الدوائر الغربية ، ووقف الإرهاب والضغط على فصائل المقاومة الفلسطينية لمنعها من تنفيذ العمليات العسكرية ، وضبط فوضى السلاح وغير ذلك من المقولات ، وبذلك تخلو الساحة لشارون وعصاباته تصول وتجول وتعيث فساداً في الأرض ·
سلام بعيد المنال
إن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يبدو بعيداً في هذه المرحلة ما دام يواجه بالرفض من قبل الإسرائيليين ، والشهية التوسعية الإسرائيلية لا تدع مجالاً للأمل ، بل هي تفرض نفسها في كل موقف ولقاء ، وعند كل محطة ومنعطف ، وها هي إسرائيل تفقأ عين كل المتطلعين إلى مستقبل واعد للمنطقة بإدارة ظهرها لكل دعوات العودة إلى طاولة المفاوضات ، ويبدو أن السنوات العجاف التي تحدثت عنها القيادة الفلسطينية حين تسلم شارون السلطة ما زالت قائمة ، وأن إقامة دولة خاصة بالفلسطينيين يشعرون فيها بالحرية والاستقلال ، ويمارسون حقوقهم السياسية والإنسانية بعيدة المنال ، طالما أن شارون يبحث عن إسرائيل العظمى التي تسيطر على المنطقة من ناحية اقتصادية وأمنية ، وعن قيام نظام إقليمي بقيادة إسرائيل تكون كل الحدود والموانئ فيه مفتوحة ، ففي عهد التكتلات الاقتصادية الدولية في أوروبا وأمريكا وغيرها تخطط إسرائيل لنظام في المنطقة تكون هي عموده الفقري · ترى أية إمكانات تركها شارون للفلسطينيين وهو يقضم أغلب الضفة الغربية ويقيم الجدار العازل بحجة المحافظة على أرواح الإسرائيليين ؟
الإسرائيلي الأبيض
في جنوب إفريقيا يعيش البيض في (كيبوتسات) وتجمعات سكنية خاصة بهم ، وبقي حكم الأقلية للأغلبية لفترة طويلة من الزمن حتى أعيدت الأمور إلى نصابها ، وزالت الهيمنة السياسية للبيض على السود ، أما بالنسبة لإسرائيل فإنها تريد أن تلعب دور جنوب إفريقيا في قلب العالم العربي وهو أمر خارج إطار المنطق المألوف والإطار التاريخي للحياة · ليس هناك أي قيمة لألاعيب شارون إذا واجهتها السلطة الوطنية الفلسطينية بحنكة ودراية وإصرار على المواقف ، وصمود فلسطيني يتصدى لمخططات الاحتلال ، ودعم عربي فعال بعدم التنازل عن الحقوق ، بمعنى أن الأحداث برهنت بصورة قاطعة وخصوصاً في ظل الانتفاضة المجيدة أن إسرائيل أعجز من أن تشطب الشعب الفلسطيني من تاريخ المنطقة ·

اقرأ أيضا

الادعاء الهولندي يوجه تهمة الإرهاب لمنفذ هجوم أوتريخت