الاتحاد

تقارير

آليات الديناميكية الأميركية

يكشف السياق التاريخي لنشوء المجتمع الأميركي عن حالة فريدة، ذلك أن غياب ماض إقطاعي للولايات المتحدة، أدّى إلى خضوع الدولة للمجتمع المدني. ولهذا بقيت دولة الحدّ الأدنى.

ظلت الدولة الأميركية التي ظهرت على هذا النحو، منفصلة وتابعة للمجتمع المدني إلى حدّ كبير، وقد كرّس هذا الوضع النظام الاتحادي الذي مكّن سلطة المجتمعات المحلية لكل ولاية على حساب سلطة المركز حتى غدت كيانات سياسية أصيلة، شبه مستقلة. وكان الإسهام الأميركي على صعيد نظرية النظام الفيدرالي، أكبر تجديد جاءت به أميركا في مجال العلوم السياسية. وهنا من المفيد أن نستعين بعبارات توكفيل، الذي لم يستطع مفكّر، أن يصوّر الحياة الأميركية بمثل دقته، ولا أن يتكهن مثله بقوّة الديمقراطية الأميركية وزخمها السياسي. إن شرط النجاح لهذه الديمقراطية، لا يرجع إلى الدولة فحسب، وإنما إلى المبادئ السائدة في المجتمع الأميركي والراسخة فيه، ومن هنا لا نبدو مكترثين بديمقراطية النظام السياسي للدولة، وقد غدت أمراً واقعاً ومعاشاً، فحسب. إنما الأكثر أهمية من ذلك التنويه بثقافة المجتمع المدني الديمقراطية، حين يغدو الأخير حافزاً للحرية الفردية، ودافعاً لإبداعات الفرد الخلاقة وتميّزه. نحن نبدو معنيين هنا بالبحث في الحرية المدنية والمساواة الفعلية وطبيعة السلطة التي يمارسها المجتمع على أفراده وجماعاته وأقلياته. هذا هو السؤال الذي يتوقف على إجابته فهم التحول الذي حدث في أميركا بانتخاب رئيس من أصول أفريقية للمرة الأولى. قوّضت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة العقبات الثقافية والأيديولوجية، التي كانت تحول دون إنجاز المساواة التامة بين أفراد المجتمع الأميركي. فلو كانت المسألة مجرد مساواة شكلية تتم عبر تحقيق إرادة الأغلبية باسم شرعية انتخابية، لقادت إلى استبداد وهيمنة العنصر الأبيض فحسب، دون أن تمنح الفرصة أو الحرية لبروز عنصر ينتمي إلى ثقافة الأقلية. وحققت الديمقراطية في حدها الأدنى، بهذا التحول، نوعاً من المساواة في الحقوق، ومن ثم نوعاً من المساواة في الشروط التي تقود إلى تقدير متساو لجميع الأفراد. وجعلت من الجميع متساوين دون أن تفقدهم خصوصياتهم أو حرياتهم الخاصة، وقادت باراك أوباما، المهاجر الأفريقي، إلى سدة الرئاسة في أعظم دولة رأسمالية، دون أن ترغمه على تغيير لون بشرته... وهذا ما كان حلماً مستحيلا بالنسبة للسود الأميركيين في وقت من الأوقات. لقد أثبتت الثقافة الديمقراطية السائدة قدرتها هنا على التسامح وعلى حماية التنوع والانسجام في وقت واحد، وعلى ضمان الخصائص الثقافية والدينية للمجموعات العرقية. وهنا تكمن جدارة المجتمع المدني، الأخلاقية والثقافية، حين يبدو قادراً على مقاومة هيمنة عنصر أو ثقافة دينية أو عرقية بعينها على السلطة السياسية. فالمجتمعات المدنية القوية وحدها قادرة على مقاومة هيمنة دين أو عرق أو أية ثقافة معتقدية على السياسة، وعلى مجابهة تماه الدولة في أيديولوجية قومية أو مذهبية مستبدة. وبموازاة ذلك تبرهن هذه السابقة التاريخية على أننا نستطيع العيش معاً بطريقة أفضل رغم اختلافنا، وأن نؤسس لحياة أرقى وأكثر انفتاحاً وإنسانية برغم التنوع القائم، والذي يعدّ شرطاً لأي تواصل إنساني، حقيقي ومثمر. ويتعين علينا أن نذكر أيضاً أن هذه الديمقراطية، علاوة على تعدديتها، هي في بعدها الشامل علمانية، أي كونها تتناقض مع هيمنة معتقد بعينه أو دين على السياسة. إن انتخاب أوباما يعكس شغفاً لا متناهياً بالمساواة لدى المجتمع الأميركي، هذا الشغف الذي ينمو بلا انقطاع، لأن هذا المجتمع لن يتوصل قط إلى مساواة تكفيه، وقد بلغت الآن انبساطها الأكمل بهذا الحدث. وأثبتت نبوءة توكفيل بأن التحول الديمقراطي الشامل بعيد عن أن يكون عارضاً ومؤقتاً أو ذا طابع محلي. إن الاندفاع المتواصل إلى تحقيق المساواة يوازيه هنا تقدم نحو تحقيق الحريات الاجتماعية والسياسية، الأمر الذي يبرهن على الدور المتعاظم للمجتمع المدني في النظام السياسي، وعلى عزم مكوناته وذواته الفاعلة على التصرف بشكل مسؤول وحرّ في الحياة العامة.


د. سربست نبي
باحث وجامعي من سوريا
ينشر بترتيب مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا