الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

المحيربي: قصر الحصن خزينة مليئة بالذكريات والأمجاد عن تاريخ الإمارات

جانب من باحة قصر الحصن  (الصور من المصدر)

جانب من باحة قصر الحصن (الصور من المصدر)

مر أمام عيني الحاج بن عبدالله المحيربي السكرتير الأول للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، شريط الحياة التي قضاها في جنبات قصر الحصن الذي يحتفل اليوم بمرور أكثر من 250 سنة على تأسيسه، حين شهد عرض «قصة حصن.. مجد وطن»، فشعر بتوقف الزمن، اقشعر بدنه ولم يستطع حبس دموعه، حيث تحمل ذاكرته كل التفاصيل الاجتماعية والاقتصادية للمكان، فعلى رمال شاطئه تبلورت طفولته الأولى، وهناك أيضا اشتد عود المحيربي وعرف الحياة، حيث أكد أنه ولد بين أحضان قصر الحصن، الذي كان في ذلك العهد مفتوحاً على البحر، وكان يضم بين جنباته مجالس للرجال مفتوحة لاستقبال المواطنين والناس من الجنسيات المختلفة.


لكبيرة التونسي (أبوظبي) - حول ذكرياته عن قصر الحصن، أوضح الحاج بن عبدالله المحيربي السكرتير الأول للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، أن الحاكم كان يلتقي زواره في هذا المكان، وأن الساحات المجاورة للقصر شكلت له في الطفولة مكاناً لنصب الفخاخ للطيور، وممارسة الألعاب الشعبية مع رفاقه، حيث يعتبر نفسه شاهداً على تطورات قصر الحصن الذي يرتبط به ارتباطاً كبيراً، ففضل أن يكون مكتبه الذي يدير منه أعماله الخاصة اليوم مطلاً على هذا الصرح الكبير وساحاته، وهو المكان ذاته الذي ترعرع فيه، ويحتفظ بباقة من الصور التوثيقية والناطقة عن مرحلة ما قبل النفط، إذ شكلت هذه الصور المعلقة في مكتبه ملخصاً لرحلته الزمنية وشاهد عصر على تطور أبوظبي وجزء من ذاكرته، جانب منها يتحدث عن قصر الحصن، وجانب آخر يروي قصة الجدات في جلب الحطب، وجلب الماء من طوي القصر.
نهضة شاملة
ويعتبر المحيربي الذي يصف أبوظبي بالدانة من الشخصيات التي كانت لها بصمة في بناء الدولة والنهضة الشاملة التي تشهدها الإمارات منذ مرحلة التأسيس، رحلته رافقت رحلة ومسيرة زايد الخير، وكان شاهداً على تطورات القصر الذي يعتبر جزءا من ذكرياته، بل كل ذكرياته.
وعن تلك الفتره يقول المحيربي الرئيس الأسبق للمجلس الوطني، الذي يشده الحنين إلى تلك الأيام التي طواها الزمن، وأيقظها مهرجان الحصن الذي يستمر حتى 9 مارس، إن التاريخ توقف خلال حضوره لعرض «قصة حصن مجد وطن»، حيث غرق المكان وسط وهج الأنوار التي كان أثرها كبيراً على نفسه، وأعادت ذهنه إلى الذكريات، وتخيل المكان الذي قضى فيه كل طفولته، وكان يضع فيه الفخاخ لصيد الطيور إلى جانب مجموعة من أصدقائه الأطفال، وكانت أعمارهم لا تتجاوز 5 أو 6 سنوات، فانساب حديثه، موضحاً أنه لم يرغب في مبارحة مكان ذكرياته، فكان مكتبه مطلا على الحصن شاهداً على المتغيرات فيه، واكتفى بالإطلالة من نافذة مكتبه الذي أبى إلا أن يكون في المساحة ذاتها التي عاش فيها، ربما ليظل قريبا من الذكريات الجميلة، وبما أحاطها من ألفة اجتماعية وحكايات إنسانية شهدت الفرح والحزن والكفاح والجد، مساحات زمنية أعاد اكتشافها من جديد مع مهرجان الحصن، الذي تجول في ربوعه، وتوقف ملياً عند تفاصيله، فكانت خلطة البخور، ورائحة التراب، وبيوت الشعر، وصوت النوارس المنبثق من مكبرات صوت البحارة، وحبات اللؤلؤ، وتفاصيل عن الزمن أرجعته إلى عقود طويلة للوراء، حيث أيام الطفولة.
رحلة
ويضيف: شعرت أنها رحلة سفر عبر السنين، فدخلت لساحة قصر الحصن الفسيحة، فتذكرت كل جوانبه التي كنت أجوبها شمالاً ويميناً، إذ كان والـدي رحمه الله مقرباً من القصر، الذي كان مفــتوحاً يمتد إلى شاطئ البحر، وبه مـمرات خلــفية للنساء، موضحاً أن المساحة الأمامية للقصر كانت تحتوي على جلســات للحـريم، ومجالس أخرى يستقبل فيها الرجال من كل الجنسيات، سواء لتلقى مشوراتهم أو شكاويهم أو للضيافة فقط، مؤكداً أن بابه كان مفتوحاً للجميع.
رحلة الوقود
واشتد عوده قبل أن يبلغ السنة السابعة من عمره، حيث كان يعمل، في أوقات الفراغ، بعد أن يدرس في مدرسـة درويش بن كرم في أبوظبي التي تعد من أوائل المدارس في المنطقة، وقــال: كانت عبارة عن كتّاب ندرس فيه القرآن ونتعلم فيه القراءة والكتابة، وخلال ساعات الفراغ كنا نخرج لجمع «الفشي»، وهو حشــيش البحر الذي يلقيه بعد خروج الصيادين، أو يلفظه خلال تكسر الأمواج على شاطئه، حيث يتم تجــفيفه، واستعماله كوقود للطهي، موضحاً أن أبوظبي كانت تفتقر إلى الخشب، التي كان يتم استقدامه أيضاً من العين، لافتاً إلى أن الأطفال في سنه كانوا يعملون بالتعاون مع الأمهات للقيام بهذه العملية، وأن ذلك أكسبه خبرة في الحياة.
ويتابع: اعتمدت على نفسي على الرغم من صغر سني، حيث كنت أُكلف بمهام عدة ليشتد عودي، وتعلمت القرآن الكريم، وهذا أكسبني الكثير من القيم، وأعطاني التوازن في الحياة، والاعتدال في النظر لبعض الأمور الأساسية.
وعن ذكريات الطفولة، يقول إن شطراً منها لم يكن سعيداً، حيث يذكر وفاة والده وسنه لا يتجاوز السابعة، وحضر وفاة أخيه الذي نزل لعمق البحر غاطساً للؤلؤ مما عرضه للغرق والموت، وكان عمر أخيه لا يتجاوز الـ 12 سنة.
ركيزة الحياة
وفيما يخص تجمع النساء على الشاطئ لجلب حشيش البحر، يقول إنها ركيزة أساسية في الحياة الاجتماعية إذ خلقت ترابطاً بين العائلات، وهذه المهمة كانت تساعد على تلاقي الأمهات والأطفال على الشاطئ، فشكل ذلك حياة سعيدة جداً، يتعارف من خلالها الكبار والصغار وتتكون لحمة وألفة وتكافل بين الجميع، بحيث يلعب الصغار على الرمال، وتمارس الصغيرات الألعاب الشعبية.
ويعود المحيربي بذاكرته إلى هذا الزمن الجميل ويذكر بعض الطرائف التي صادفها في طفولته لجلب الوقود من البحر: كنت صغير السن، مقبلا على الحياة، مندفعا نحو الفرح، رأيت مجموعة بنات على الشاطئ، فحاولت أن أظهر مهارتي عبر الرقص بالسيف رفعته عالياً وأطلقته في الهواء، مما أصابني بجرح غائر، سال دمي، وما زالت علامته محفورة في راحة يدي، وهذا المناخ كان صحياً جداً، حيث كنا نلتقي مع البنات ونتحدث معهن ونلعب بدون أي خلفيات تذكر، بل كان الأهل يعتبرون هذا المكان وهذه التجمعات شبه عائلية، فكل مرتادي البحر يعرفون بعضهم البعض، ويعرفون أخلاق البنت، وسلوك الشاب، مما كان يخلق زيجات ويفتح الأبواب أمام ترابط عائلي، ومن الأشياء التي أذكرها أيضاً بعد نهاية الحرب العالمية الأولى بقليل، كنا نلاحظ بعض التحركات وبعض الشركات التي تأتي بمعداتها، لكن لم يصل إلى أذهاننا أنها تنقب عن البترول.
رحلة الماء
وكان منزل أسرة المحيربي قرب قصر الحصن في أبوظبي، الذي أصبح فيما بعد مقر هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ويحتضن اليوم فعاليات مهرجان قصر الحصن، على الرغم من تنقل أسرته ما بين أبوظبي والسلع، كما عاش مع أسرته في جزيرة دلما التي مثلت المركز الرئيسي للغواصين وأكبر سوق للؤلؤ، إذ ظل يحمل تفاصيل كثيرة عن هذه المنطقة، التي تشكلت فيها طفولته، ويصفها بالحلم، حيث كان بها كما يقول المحيربي طوى «بئر» وحيد لجلب المياه لكافة منازل أبوظبي، ويُنقل الماء على دابة لتوزيعه على كافة السكان، إذ كانت مشكلة الماء في الإمارة تشكل هاجس المغفور له بإن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.
ويضيف: هذا بالنسبة لداخل المدينة أما خارجها، فإنه عمل في فترة على استئجار كل سيارات الدفع الرباعي من عند المواطنين، وذلك لجلب المياه في صهاريج من الآبار المتواجدة بين العين وأبوظبي، لتوزيعها على السكان في أنحاء الإمارة كلها، حيث رغِب زايد الخير بشدة في مد قنوات الماء الصالح للشرب في المدينة، وأنشئت بعد ذلك محطة صغيرة لتوزيع الماء قرب السفارة البريطانية آنذاك، حتى بدأت مرحلة البناء والنهضة، وحققت الإمارات حلمها الكبير.


الصيد والغوص

فيما يخص رحلته مع والده وعمه من أجل الغوص، يقول الحاج بن عبدالله المحيربي السكرتير الأول للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه: كانت لدينا مهنتان مرتبطتان بالبحر، الأولى هي الصيد والثانية هي الغوص، إذ كان الغواصون يأخذون أهلهم خلال موسم اللؤلؤ إلى المصايف والواحات، وهي العين أو ليوا، وينشط هذا الموسم من أبوظبي إلى حدود قطر، بينما تشكل جزيرة دلما مركز الغواصين من الهند وبريطانيا والخليج، وهي تعتبر أكبر سوق للؤلؤ، لافتاً إلى أن حكومة أبوظبي كان لها نصيب من هذه التجارة بشكل عفوي ودون فرض، بحيث يتطوع المواطنون بإعطاء جزء من المبالغ للحكومة ويطلق عليه «ذمة».


إضاءة

قال الحاج بن عبدالله المحيربي: لم تكن هناك تعقيدات، في حياتنا بالماضي، حيث كانت البساطة وعدم التفاخر هما سمة المجتمع، وعندما نسمع عن زواج أحد أو خطبته، يهب الجميع للمساعدة، كل يساهم بقدر استطاعته، وتفتح البيوت على بعضها البعض، فيعم الفرح الفريج بأكمله.

اقرأ أيضا