الاتحاد

تقارير

الاستثناء الكوبي... وانتقائية «اليسار» اللاتيني

إنقلاب هندوراس أعاد سؤال الديمقراطية إلى الواجهة في أميركا اللاتينية

إنقلاب هندوراس أعاد سؤال الديمقراطية إلى الواجهة في أميركا اللاتينية

الأكيد أن الصور التي شاهدناها يوم الأحد الماضي أعادتنا إلى الوراء لما تحمله من أوجه شبه كثيرة بأشياء ألفناها في ماضي أميركا اللاتينية، كما لو أنك أخرجت فيلماً قديماً من الدرج ونفضت الغبار عنه من أجل مشاهدته: دفاعاً عن الوطن، قامت قوات الجيش باقتحام القصر الرئاسي فجراً ووضعت الرئيس، الذي كان مازال بملابس النوم، على متن طائرة أخذته إلى المنفى. والواقع أن انقلاب يوم الأحد اتبع سيناريوهاً كان جد مألوف في وقت من الأوقات إلى درجة أنه بات من الكليشيهات العتيقة في الذاكرة.

ومع أنه من المفترض أن تكون الانقلابات العسكرية قد ولت وأصبحت شيئاً من الماضي في أميركا اللاتينية، حيث كان تعزيز الاستقرار السياسي والديمقراطية الانتخابية من أبرز الإنجازات خلال العقدين الماضيين؛ إلا أن الأحداث التي عرفتها هندوراس خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي ذكّرتنا بأن هذه الإنجازات تظل هشة وضعيفة نوعاً ما. وبالتالي، يبدو أنه لا يوجد شيء حتمي بخصوص الديمقراطية في القارة الجنوبية. وفي هذه الحالة، كان رد الفعل على الدراما السياسية التي كانت هندوراس مسرحاً لها (والتي لاشك أن لديها اختلافاتها الطفيفة، ومن ذلك حقيقة أن الرئيس المخلوع كان يتصرف على نحو يتحدى المحكمة العليا في بلاده) كان سريعاً وقوياً؛ حيث نددت أطراف عديدة -وعن حق- مثل منظمة الدول الأميركية وإدارة أوباما والحلفاء اليساريون للرئيس المخلوع مانويل زيلايا (وهو صديق مقرب من الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز) وزعماء عالميون آخرون، وشجب الجميع تدخل الجيش ودعت منظمة الدول الأميركية إلى عودة زيلايا، مشيرة في هذا الصدد إلى الميثاق الديمقراطي للدول الأميركية الموقع في العاصمة البيروفية (ليما) سنة 2001، من بين أمور أخرى. وذاك هو رد الفعل المناسب في الحقيقة؛ غير أن المحاولة الانقلابية تفيد أيضاً في كشف النفاق المحيط بالعودة الممكنة لكوبا إلى منظمة الدول الأميركية وإلى مشاركة كاملة لها ضمن هذه المجموعة؛ وذلك على اعتبار أن بعض اللاعبين الإقليميين أنفسهم الذين يدعون اليوم إلى جبهة موحدة باسم الديمقراطية في هندوراس هم أنفسهم الزعماء الذين كانوا خلال الأشهر الأخيرة يتوقون إلى احتضان كوبا والتغاضي عن انعدام الديمقراطية والحريات المدنية الأساسية فيها متذرعين بمبادئ واضحة تنص على عدم التدخل وحنين ضمني إلى الخطابات الثورية المناوئة للغرب، وهذا على رغم حقيقة أن الميثاق الديمقراطي للدول «الديمقراطية» يجعل من الديمقراطية شرطاً مسبقاً للعضوية الكاملة في منظمة الدول الأميركية. ولكي تتكرس المكاسب الديمقراطية في المنطقة وتتجذر، يتعين على البلدان الديمقراطية الكبيرة في أميركا اللاتينية أن تبدأ بالوقوف في وجه الأخوين كاسترو؛ ولكن حين يتعلق الأمر بكوبا، فإن الاكتفاء بالرضا بما تم تحقيقه من مكاسب حتى الآن هو الغالب، حيث يبدو زعماء أميركا اللاتينية مترددين في تطبيق قيمهم والتزامهم المشترك بالديمقراطية، لأسباب من بينها خوفهم من أن يُنظر إليهم على أنهم أداة في يد الإمبريالية الأميركية. وهذا في الواقع واحد من أسباب مختلفة تجعل الحظر الأميركي الأحادي على تلك الدولة- الجزيرة لا يحقق أهدافه. وحتى إذا كان التسريع برفع الحظر، يمكن واشنطن من أن تدفع الديمقراطيات الأميركية اللاتينية بسرعة إلى الضغط على كوبا من أجل التغيير الديمقراطي، إلا أن إنهاء الحظر الأميركي ليس كالترحيب بكوبا في منظمة البلدان الديمقراطية الأميركية اللاتينية، وعلى المنتقدين في هذا البلد حيث فشلت مقاربة واشنطن ألا يسقطوا في فخ التغاضي أيضاً عن سلوك حكام كوبا الشيوعيين المستبدين. يمكن القول إن إدارة أوباما أظهرت قدراً كبيراً من الذكاء والدهاء هذا الشهر حين وافقت في مؤتمر بسان بيدرو سولا في هندوراس على إلغاء منظمة الدول الأميركية لقرار مناوئ لكوبا صدر عام 1962 إبان الحرب الباردة؛ غير أن قرار الإلغاء لم يرفع القيود عن كوبا للانضمام لمجموعة الدول الأميركية لأنه ما زال يتعين عليها أن تتبنى قيم أميركا اللاتينية الديمقراطية والالتزام بحقوق الإنسان. إن رفض -أو تردد- بعض زعماء أميركا اللاتينية لمحاسبة كوبا أمر محزن ومؤسف. فعلى رغم أن الدبلوماسيين الأميركيين أبلوا بلاء حسناً في «سان بيدرو سولا» في أوائل يونيو، حيث قدموا بعض التنازلات من دون أن يذهبوا إلى حد الموافقة على عودة غير مشروطة لهذا البلد إلى منظمة الدول الأميركية، إلا أن زعماء مثل الرئيسة التشيلية ميشيل باشليه والزعيم البرازيلي لولا دا سيلفا سارعوا إلى السفر إلى هافانا، على نحو ينم عن افتقارهم لحس المسؤولية، من أجل الانخراط في ممارسة قديمة تذكّرنا بزمن الحرب الباردة والتعامل مع الأخوين كاسترو كنظيرين جديرين بالتقدير. وبالتالي، يمكن القول إن اليسار اليوم يعادل انتقائية واشنطن السابقة في توزيع الأحكام الأخلاقية، حيث يشير إلى التزامٍ قانوني بالديمقراطية في حالة هندوراس (وفي فنزويلا لفترة قصيرة، خلال المحاولة الانقلابية التي استهدفت شافيز في 2002) في الوقت نفسه الذي يتجاهله في حالة كوبا. والحال أن مثل هذا الانتصار الانتقائي للحرية يمكن أن يكون قاتلا لقضية الديمقراطية والحريات في المنطقة لأنه يشجع القوى المستبدة، على اليمين وعلى اليسار، للمضي في ممارساتها إن لم يكن يزيدها قوة وشراسة من الأساس.


أندريس مارتينيس
زميل مؤسسة «نيو أميركا فاونديشن» في واشنطن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا