الاتحاد

تقارير

كوريا الشمالية: «الاكتفاء الذاتي» أم تجفيف الأسواق؟

في أسواق مدينة كيلجو التي يقدر تعداد سكانها بنحو 100 ألف نسمة وتقع في الساحل الشرقي من كوريا الشمالية، أصدر حزب «العمل» الكوري الحاكم قراراً بإبعاد المنتجات الصينية من مختلف أنواع البسكويت والحلويات والأدوية الطبية. بل شمل الحظر حتى منتجات فول الصويا وغيرها من المنتجات الغذائية الأخرى، إلى جانب حظر بيع الملابس والأحذية الصينية.

وتأتي هذه الإجراءات جزءاً من قفزة كبيرة إلى الوراء خطتها السلطة الأوتوقراطية المتحكمة بالبلاد. وتعليقاً على هذه الإجراءات قال مواطنون كوريون شماليون خلال مقابلات صحفية أجريت معهم في الصين مؤخراً، إن نظام الزعيم كيم جونج إيل قد بذل أقصى ما في وسعه للانتكاس المتعمد عن سياسات إصلاحية نجحت في توجيه أحد أشد اقتصادات العالم انغلاقاً نحو الانفتاح وتبني سياسات اقتصاد السوق الحر جزئياً. واستطرد أحد المواطنين الكوريين إلى القول إن مسؤولي النظام أكدوا لهم عدم حاجتهم لأية أسواق، وإن في مقدور الحكومة توفير كل ما يحتاجه المواطنون دون الحاجة لشرائها من الأسواق. كان ذلك هو رأي «لي ميونج هي»، وهو اسم مستعار لعاملة مصنع عاطلة عن العمل حالياً وتبلغ من العمر 50 عاماً. ويجدر بالذكر أن الكوريين الشماليين لا يفصحون عن أسمائهم الحقيقية عندما يتحدثون عن بلادهم في الخارج، إنما يستخدمون أسماء مستعارة مخافة اتهامهم ومحاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى في حال انتقادهم لسياسات بلادهم. وكانت «لي» قد تسللت إلى داخل الحدود الصينية في شهر يونيو المنصرم، على أمل أن تتمكن من العمل هناك والمساهمة في دعم عائلتها مادياً. وتتبدى علل الاقتصاد الكوري الشمالي كلها من خلال نحافة «لي» واعتلال صحتها، وهي التي ظلت تعيش على وجبتين فحسب من العجين البائس يومياً لعدة شهور متصلة. هذه هي الحقيقة التي عبرت عنها بقولها: «لقد نزعت أيديولوجية النظام المتشددة الروح من اقتصاد البلاد الوطني، ومن اقتصاد مدينة كيلجو على وجه الخصوص». وتساءلت «لي» قائلة: كيف لنا أن نعيش إن لم توفر لنا الحكومة الغذاء والملابس وتسمح لنا بشراء السلع التي نحتاجها من السوق؟ يذكر أن الحزب الحاكم حظر بيع واستبدال الشقق السكنية منذ ما يزيد على عقد من الزمان. أما الأسواق المفتوحة التي يعتمد عليها المواطنون في حياتهم اليومية للحصول على احتياجاتهم منها، فلا تفتح أبوابها إلا بين الساعة الثانية إلى السادسة مساء فحسب. ولا يسمح بوجود أي بائعين آخرين عدا النساء اللائي تجاوزت أعمارهن الخمسين عاماً. أما بقية المواطنين فمطلوب منهم البقاء في عملهم الرسمي في الشركات والمنشآت التابعة للحكومة. وبفعل تشديد الحظر المفروض على بيع السلع الصينية، لا تتوفر اليوم في أسواق كوريا الشمالية سوى نسبة 35 في المئة فحسب من البضائع التي يحتاجها المواطنون، وكانت تكتظ بها الأسواق حتى وقت قريب جداً. فـ«هم يريدون الترويج لمنتجاتنا الوطنية المحلية هناك. ولكن بما أن أسواقنا المحلية مليئة أصلا بالمنتجات الصينية، فلم يبق لنا ما نشتريه بعد حظر بيع هذه المنتجات»، ذلك ما قاله «كيم يونج شول»، وهو عامل مدني بإحدى المؤسسات العسكرية التابعة للجيش الكوري، وقد جاء إلى الصين للترويج لبعض الأعشاب الطبية نيابة عن شركته. ويعكس هذا التضييق الاقتصادي صعود العناصر المتشددة داخل النظام الشيوعي الحاكم، ويتسق وذلك المزاج السياسي العدواني الذي دفع بالاختبارات النووية التي أجرتها بيونج يانج في الخامس والعشرين من مايو المنصرم. وفيما يبدو فإن المتصارعين داخل النظام على السلطة جراء اعتلال صحة الزعيم كيم جونج إيل، يرفعون شعار «جوشي»، وهو المصطلح الذي صاغه والده الزعيم المؤسس لكوريا الشمالية «كيم إيل سونج» المعبر عن أيديولوجية «الاكتفاء الذاتي». ووفقاً لهذه الأيديولوجية أوقفت بيونج يانج الحوار الجاري سابقاً بينها والولايات المتحدة الأميركية واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب إغلاقها للمنشآت الاستثمارية الكورية الجنوبية على حدودها المشتركة معها. بل طرد مسؤولو بيونج يانج الكثير من منظمات الغوث الإنساني الدولية. ومن رأي «شو ميونج شول»، أستاذ العلوم الاقتصادية سابقاً بجامعة كيم إيل سونج في بيونج يانج، وقد انشق عن النظام وهرب إلى كوريا الجنوبية في عام 1994، أن مسؤولي النظام الحاكم يعكفون على إغلاق دولتهم وعزلها تماماً عن المجتمع الخارجي، حتى لا تطالهم العقوبات. ويعتقد هؤلاء أن الجميع يستهدف دولتهم ويسعى لهدمها وتقويضها. وعليه فهم ساعون للتخلص من كل ما يمثل تهديداً للنظام القائم. وقد تمكن بعض التجار، الذين كثيراً ما يعبرون الحدود المشتركة بين كوريا الشمالية والصين، من جلب البضائع الصينية التي تشمل فيما تشمل لعب وملابس الأطفال وأجهزة الـ«دي في دي» وغيرها من الإلكترونيات. وبذلك واصلت أسواق كوريا الشمالية انفتاحها على واردات الصين التي ملأت الأسواق المحلية، سواء المستورد منها بطرق شرعية أم خلاف ذلك حتى أشهر قريبة. ثم بدأت عناصر الحزب الحاكم مؤخراً تقديم محاضرات معادية للأسواق، واصفين إياها بأنها معادية للاشتراكية. ثم اتبعت تلك المحاضرات، بسياسات عملية متشددة تجاه كل ما يستورد إلى البلاد من خارج حدودها. وامتد الحظر على المبيعات إلى فول الصويا الذي يعتبر مكوناً رئيسياً لوجبة المواطنين الكوريين، بذريعة احتمال إعادة بيعه في الأسواق الصينية. وقالت السيدة «لي» معلقة وساخرة من تلك الخطوة: حدثونا عن حاجة جنودنا إلى فول الصويا حتى يتمكنوا من حمل بنادقهم دفاعاً عن الوطن في وجه المخاطر الأمنية التي تتهدده. لكنهم في حقيقة الأمر جففوا أسواقنا من كافة المنتجات الصينية بلا استثناء!


باربرا دميك - الصين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا