الاتحاد

دنيا

حسّنْ خطك

سمعت في المدرسة عبارة (حسن خطك) مليون مرة على الأقل، كما كتبها المعلمون في كل كراريسي. وكان لها في أذني ذات رنين (احترم نفسك).. حاولت جاهداً أن أسيطر على جماح القلم وأن أمشي في المسارات التي حددها أساتذة الخط العربي سلفًا لكني فشلت.. وكنت رساماً جيداً لهذا عرفت المعتقد الخرافي الشائع لدى الناس أنَّ الرسام يجب أن يكون خطه رائعاً. فيما بعد بدأت أكتب بالحروف اللاتينية، فاكتشفت أنها أسوأ وأقبح من حروفي العربية، حتى شبهها صديق لي بأنها صراصير تحرك شواربها، وأنه لو رش أحدهم الورقة بمبيد حشري لصارت بيضاء من غير سوء. لم أشعر قط أن خطي بهذا السوء، لكني قدرت أن الأمة لا تجمع على باطل، فما دام كل هؤلاء أجمعوا على سوء خطي فعلي الاعتراف بهذا. إنه طفولي ساذج لا يلتزم بالسطر أبداً، ويجمع بين حروف الرقعة والنسخ في كلمة واحدة.. واضح وضوحاً مهيناً.. كاد الأمر يمر على خير لولا أنني عملت بمهنة الكتابة، وصار علي أن أقدم للمطبعة هذا الخط مراراً فأتلقى ابتسامات السخرية من العاملين، أو يقول لي أحدهم: «الموهوبون خطهم سيئ دائماً»!.. ازداد الأمر سوءاً عندما وجدت أنني غير قادر على قراءة ما أكتبه أحياناً. خفف من ألمي نوعاً ما معرفتي أنَّ عباس محمود العقاد كان خطه رديئاً، وكان يحرص على ألا يراه أحد لذا كان يرسل كتبه في مظاريف مغلقة، وكان يكتب بقلم أحمر مميز.. هناك آخرون اشتهروا بالخطوط الرديئة، وفي عالم الغرب رأيت صفحات بخط (هيرمان ملفيل) فحسبته يرسم لا يكتب. ثم ظهر الكمبيوتر، وهكذا انتهت علاقتي بالورقة المكتوبة للأبد.. كل شيء صرت أكتبه على الكمبيوتر حتى لو كان حساب البقال.. الخواطر أكتبها على الكمبيوتر.. كل شيء.. بعد عشر سنوات من استعمال الكمبيوتر أدركت في رعب أنني صرت غير قادر على الكتابة على الإطلاق. ولهذا أرى نظرة دهشة في حفلات التوقيع عندما يأخذ أحد القراء كتابه موقعاً.. طبعاً من الصعب أن آخذ كل الكتب لأضعها في الطابعة. نصيحتي الوحيدة لكل من يرغب في احتراف الكتابة، هي أن يمضي بعض الوقت في مدرسة خطوط.. هذا سيعفيه من حرج كثير في الغد، خاصة لو قال له أحد الناشرين: حسن خطك!

اقرأ أيضا