الاتحاد

دنيا

كامل الأوصاف

بعد طلاق أختي وخالتي وعدد من نساء عائلتنا، تولد بداخلي خوف شديد من الطلاق، لذلك، فقد طلبت من والدي، أن يتحرى جيداً عمن يتقدم لخطبتي وأن لا يوافق على أي شاب، خصوصاً إذا عرف بوجود ما يعيبه، حتى لو كلفني ذلك أن أبقى بلا زواج، فذلك أهون لدي من أن أتزوج، ويرزقني الله بالأبناء، ثم يحدث الطلاق، فنكون من ضحاياه، أنا وأبنائي. كنت متصورة أن الحرص الشديد، والتدقيق في الاختيار، كافيان لمنع تلك الكارثة، وعبثاً حاول الأهل إقناعي بأن الإنسان يعيش ما هو مقدر ومكتوب عليه، وأن المكتوب لا يتغير إلا بالأعمال الصالحة والدعاء والعاقبة للصابرين، وأن الدنيا هي دار اختبار وامتحان، يتعرض فيها الإنسان للخير والشر، فتوضع الدرجات على حسب سلوك الإنسان وتصرفه أثناء الابتلاء، وهذا ما يحدد درجته في الآخرة. لم أكن مقتنعة تماماً بما يقولون، وكنت بداخلي مصرة على فكرة – إن من يتخذ احتياطاته فإن حياته ستكون أفضل، وعلى ذلك الحال، فقد رفضت ثلاثة خطاب بسبب وجود عيوب بسيطة فيهم، فالأول كان يدخن السجائر، فما يدريني أنه لن يجرب المخدرات ما دام غير قادر على اتخاذ القرار بترك التدخين، مع علمه التام بالرائحة الكريهة التي يتميز بها المدخن، وأنه يقتل نفسه ببطء بدخول ذلك الدخان إلى رئتيه. أما الثاني، فقد عرفت أنه كان على علاقة بفتاة وحدثت بينهما مشاكل ولم يتزوجها، فمن يضمن أنه لن يعود إليها بعد الزواج!! وان قلبه لن يبقى معلقاً بحبها حتى بعد أن يتزوجني!! أما بالنسبة للخاطب الثالث، فقد علمت أنه إنسان عاق لوالديه، وأنهما كانا يشتكيان من انغماسه المستمر بالعمل، وتناسيه المتعمد للسؤال عنهما، وبالطبع فإن مثل هذا الإنسان الذي لا خير له بوالديه، فبكل تأكيد لن يكون له أي خير في زوجته وأولاده. انتظرت الشاب المناسب حتى وصل عمري إلى الخامسة والعشرين، وأنا بانتظار – كامل الأوصاف – كما كان الأهل يسمونه، كان الانتظار صعباً، خصوصاً أنني كنت قد أكملت الثانوية ولم أدخل الجامعة لتدني معدل درجاتي النهائية، ولم أحاول التفكير بإعادة الدراسة الثانوية لأنني كرهت أن أجلس على مقاعد الدراسة مع من هم أصغر مني سناً، لذلك فقد جلست في البيت، تحت ظل الاسترخاء، وتعلم بعض شؤون المنزل بانتظار ابن الحلال – كامل الأوصاف – الذي سيأتي حتماً.

الفرصة الذهبية

بعد أن وصلت إلى سن السابعة والعشرين، شعرت بأنني قربت نفسي من العنوسة، وقد تملكني اليأس بتقدم خاطب جديد، ولكن شاء الله – سبحانه وتعالى – أن يتقدم لي شاب مميز، امتدحه كل من يعرفه، فكان هو فعلاً (كامل الأوصاف) الذي كنت أبحث عنه، فهو لا يشرب ولا يدخن وسمعته طيبة، أخلاقه عالية، وهو بر بوالديه، وهو ناجح في عمله، بالإضافة لشكله المقبول وعمره المناسب، لذلك فقد وافقت عليه وأنا في غاية السعادة. تزوجنا وعشنا معاً أياماً سعيدة، وقد اعتبرت نفسي محظوظة جداً بهذا الزواج، وكلما مرت السنين ازداد انسجامنا وسعادتنا، وخصوصاً بعد أن رزقنا الله بأربع بنات رائعات، كأنهن زهور الربيع الندية. لا أنكر أنني كنت أشعر بالخوف أحياناً من فكرة عدم تقبل زوجي لعدم إنجابي للذكور، وكنت أقول لنفسي ربما يتظاهر بالرضا ولكنه يخطط للزواج من أخرى، وقد أتعبتني تلك المخاوف، وأثقلت علي أيامي لفترة طويلة، خصوصاً عندما أستمع إلى تعليقات وتلميحات أهله، عندها يتعزز لدي الشعور بالخوف، حتى خشيت أن تنقلب مخاوفي إلى حالة نفسية يصعب التخلص منها، أخيراً قررت مفاتحته بكل تلك المخاوف، فضحك ضحكاً متواصلاً حتى اعتقدت أنه يستهزئ بي، وكدت أبكي لشدة تأثري، ولكنه احتضنني بحنان وأكد لي أنها مجرد أوهام، وأنه سعيد معي ولن يضيع سعادته واستقراره بسبب الولد. وعزز قوله بأنه لا فرق لديه بين البنت والولد فكلها نعم من الله علينا، بعد ذلك اليوم، ارتحت وقد شعرت بالطمأنينة تعود لحياتي من جديد. ولكني لم أكن أعلم أن الخطر الذي كنت أخشاه وأخاف منه، قد جاءني من باب آخر، فقلب حياتي كلها رأساً على عقب.

انقلاب الوضع

ما حدث لي في حياتي جعلني أتيقن أن ما هو مقدر ومكتوب علينا، فإننا سنعيشه ونمر به، شئنا أم أبينا. فلم أكن أتصور أن رجلا عاقلا مثل زوجي قد يتغير ويتحول إلى إنسان آخر لأي سبب من الأسباب، ولكن للأسف فإن هذا الشيء قد حدث فعلاً، وغير زوجي طريقه بشكل غير متوقع، بعد أن تعرف على شلة من الأصدقاء، ولا أدري كيف عرفوا طريقه، فقادوه إلى بركة الوحل التي يستمتعون بالعيش وسطها، حياة ماجنة خالية من الالتزامات، مرح ولهو فقط، بلا أعباء أسرية أو دينية أو اجتماعية، التمتع واللهو الحرام ولا شيء سواه. هكذا جرفه التيار، صار يسهر طوال الليل وينام طوال النهار فلا يذهب إلى عمله، ولا يكترث لأسرته، وكأننا نوع من المسؤولية الثقيلة التي لم يعد يطيقها. حاولت أن أنبهه إلى خطورة ما يقوم به، لأن حياته كلها ستضيع، وتتحول إلى الفشل الكامل، ولكنه لم يرغب بسماعي، وصار يتضايق من كلامي وإلحاحي ومناقشاتي، وبالتدريج صار يهجرنا ويقضي وقته كله في وكر شلة السوء، وصار ينفق كل راتبه عليهم فلا يبقي لنا شيئ منه. بعد أن نفد كل ما لدي من مال، وبعد أن قمت ببيع كل ما أملكه من حلي ذهبية، لم يعد أمامي سوى فكرة البحث عن عمل، كي أسد النقص المادي الذي تركه زوجي. بعد بحث طويل حصلت على عمل شاق براتب بسيط، ولساعات طويلة، فلم أرفضه، ذلك لأنني بحاجة ماسة للمال من أجل الإنفاق على أسرتي. فلم أشأ أن أخبر أهلي أو أهله بما يحدث لنا، فأهلي سيشمتون بي وبانتظاري الطويل لكامل الأوصاف الذي تغيرت أوصافه وأصبح ناقص الأخلاق والدين، فكيف أعلن لهم عن خيبتي وقلة حيلتي أمام ما هو مقدر ومكتوب، لذلك قررت مواجهة قدري، وقررت أن أصبر وأتحمل ولا أعرض حياتي الزوجية للانهيار، فالطلاق هو الشبح المرعب الذي كنت أخشاه، فإذا علم أهلي بما يحدث فإنهم لن يسكتوا على مثل هذا الحال، وسيطلقونني منه، فأنا متأكدة من تشددهم في مثل هذه الأمور.

الصبر المر

صبرت وسكت عن التحدث عن الوضع السيئ الذي وصلت إليه أنا وبناتي، وما ساعدني على عدم فضح وضعي، هو أننا نعيش بعيداً عن أهلنا في المكان الذي يعمل به زوجي، فلا أحد يستطيع معرفة حقيقة ما يحدث لنا، خصوصاً أنني نبهت بناتي لإخفاء سرنا عن كل الناس. كنت مقتنعة بأن الصبر سيوصلني للفرج، وأن زوجي سيتغير مع مرور الوقت، ولكن الأمور ساءت بشكل كبير عندما طرد زوجي من عمله بسبب كثرة تغيبه وعدم التزامه، فكان علينا إخلاء سكننا والبحث عن مأوى جديد لنا. ضاقت بي الأرض بما رحبت، فلم يكن أمامي أية خيارات، لأني براتبي البسيط لا يمكنني استئجار غرفة واحدة وسط هذا الغلاء، فماذا سأفعل؟ وأين سأذهب أنا وبناتي؟ عندما اعتقدت بأنني فشلت في حياتي الزوجية وأن الأمر الواقع سيفرض علي، عندها بدأت الأمور بالانفراج، فتذكرت قوله تعالى «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم» فبعد كل ذلك التكتم والمعاناة جاء الحل لهذه المشكلة عندما اضطررت لإخبار أهلي وأهله بالحقيقة. أخذت بناتي وذهبت إلى بيت أهلي، أخبرتهم بكل ما حدث، فاستقبلونا بالتفهم والمساندة، كذلك فعل أهله، وقد تدخل كبار العائلتين لإصلاحه والتحدث معه، ولكنه لم يكترث كثيراً لهم، بعد أن وصل إلى مرحلة الإدمان على الكحول، فتركوه لشأنه، وتعهدوا بالإنفاق علينا حتى يعود لرشده. ما لم أكن أتوقعه هو أنه بعد أن فقد عمله ومصدر الدخل الذي كان ينفقه على تلك الشلة المنحطة، فإنهم طردوه شر طردة وتخلوا عنه بسهولة، لأنهم غير مستعدين لتحمل نفقاته وهو عاطل عن العمل، عندها أدرك أن كل ما قام به كان شيئاً فظيعاً، وأنه أساء لنفسه ولعائلته ولسمعته، وأنه ضيع الكثير من أجل حفنة من الصيع، لا هم بالأصدقاء، ولا هم بالمحبين. بعد تلك الصدمة عاد لرشده، فدخل في مشفى لعلاج الإدمان، ثم بعد أن تعافى وجد لنفسه عملاً جديداً، ثم استأجر بيتاً وأثثه وعاد إلينا مستسمحاً معتذراً عن كل ما حدث. لم أقابله بالشماتة والعتاب المر والتقريع، وإنما أخبرته بأن قلبي مفتوح له بالحب دائماً، وأنني على استعداد للعودة إليه، والوقوف إلى جانبه كي نستعيد حياتنا الأسرية السعيدة، وكي يكسب ثقة الآخرين من جديد، ولم أندم على موقفي معه، لأنه عاد أفضل من السابق، وصار ملتزماً بصلاته، مستغفراً ربه عن كل ما بدر منه من معاصي وأخطاء. استمرت الحياة هادئة وطيبة بيننا، فرزقنا الله بثلاث بنات أخريات، فصار عددهن سبعاً، وقد جاء على أقدامهن الرزق الوفير بعد أن ترقى زوجي في عمله، واستطاع أن يبني لنا بيتاً كبيراً وجميلاً، وأن يؤثثه بأثاث جميل وراقٍ. كنت سعيدة جداً لأنني جنيت ثمار صبري، ولم أهدم حياتي الزوجية، بعد كل ما مررت به، وقد اعتقدت أنني رسوت على بر الأمان في حياتي الأسرية، ولكن الأمور كلها انقلبت من جديد.

الخيار الصعب

شاءت إرادة الله أن أحمل للمرة الثامنة، فأخبرت زوجي بهذا الأمر، وقد توقعت أنه سيفرح من جديد ويردد: البنات يجلبن الرزق الوفير، نحمد الله على هذه النعم. لم يقل مثل هذا الكلام، بل بالعكس فقد اكفهر وجهه، وتغير لونه، وبدا متجهماً، مهموماً كأنه فقد عزيزاً، فكرت أنه ربما يفكر بثقل المسؤولية تجاه الأطفال، فقلت له: كل مولود يحمل رزقه معه، وأنت ولله الحمد رزقك وفير، هل نسيت قولك الدائم، بأن ولادة البنات تأتي بالرزق الوفير؟ صرخ بوجهي وبشكل مفاجئ لم أكن أتوقعه، قائلاً: لا أريد المزيد من البنات!! أنت لا تلدين غير البنات أريد ولداً!! هل تفهمين ما أقول؟ أريد ولداً يناديني الناس باسمه، هل هذا كثير علي؟ اسمعي جيداً.. إذا ولدت بنتاً ثامنة.. فسأتزوج من غيرك، لا أريد أن يسميني الناس – أبو البنات – هل فهمت؟ أخبرته بأن الأمر ليس بيدي، وإنه بيد الله وحده، فهو يهب لمن يشاء البنات، ويهب لمن يشاء الذكور، ولكنه ظل مصراً على رأيه وعناده. تملكني الخوف الشديد، حتى أنني لم أذهب لإجراء أشعة الكشف عن جنس الجنين، لأنني إذا عرفت أن المولود بنتاً، فإنني سأحزن لفترة طويلة قبل الولادة، فالأفضل أن أنتظر حتى وقت الولادة. شاءت إرادة الله أن أنجب توأماً من الذكور، ففرحت كثيراً وفرح زوجي بهذا العطاء الكريم، ولكني، وبصراحة، صار لدي شعور بعدم الاطمئنان لزوجي، فقد كان من الممكن أن يتخلى عني إذا ولدت بنتاً، فهذا الإنسان عديم الوفاء، وهو مستعد للتخلي عني لأي سبب، فيا له من إنسان ناكر للمعروف. صرت أتذكر أفكاري قبل الزواج، فهل هذا هو كامل الأوصاف الذي كنت أحلم به؟ وهل هذا هو ما سيعطيني الشعور بالأمان والاستقرار في حياتي الزوجية؟ أنا أم لسبع بنات، سأعلمهن أن المقادير كلها بيد الله، وأن الإنسان مهما كان حذراً، فلا بد أن تقع له المشاكل في حياته، فالأفضل أن يفوض أمره إلى الله، فهو بصير بالعباد.

اقرأ أيضا