الاتحاد

دنيا

زايد المنصوري: فقدت «صقري» في رحلة قنص.. وعالم الإبل خفّف آلامي

يجلس إلى «الطوي» سعيدا مزهوا بزيه الوطني الجميل والخنجر التراثي يتوسط حزامه، وعصا الخيزران الرقيقة في يده يشير بها.

تجاوز الستين من العمر بقليل، لديه 12 من الأبناء والبنات، وعدة أحفاد صغار يحبهم كثيرا. بينما تأثر أحد أبنائه بطبيعة عمله التراثي، فتوظف بدوره في «القرية التراثية» بأبوظبي. إنه زايد المنصوري، الصقّار السابق الذي غيّر فقدانه لصقره مجرى عمله، وشكّل له منعطفا في حياته، فتحول إلى العمل في «نادي تراث الإمارات» منذ عام 2000، استشاريا يشرح للطلبة المشاركين في ملتقى السمالية، كل ما يتصل بعالم البيئة البرية من تراث الأجداد وما يرتبط بتفاصيل حياتهم من عادات وتقاليد خلال وقائع أيامهم، وكذلك المهن التي عملوا بها.

ضياع الصقر

يعمل المنصوري في الأصل «صقّارا» وكان يدرب الصقور على قنص الحبارى، كما يدرب الصقارين الهواة إلى أن يتمكنوا من الخروج في رحلات القنص، لكن ثمة حدث -بحسب قوله- غيّر مجرى عمله! يرويه وملامح الحزن تكسو وجهه: «قبل نحو تسعة أعوام أضعت صقري في رحلة قنص، بسبب صاحبي الذي أطلق الصقر إلى الأعلى دون علم مني، فصار الصقر «يقفي بالهوى الي شلّه بعيد» وغاب عن ناظري بسبب الهواء الذي هبّ بسرعة، وضاع مني. فحزنت كثيرا وتألمت لفراقه، وبلغ بي القهر لفقدانه حداً آليت على نفسي حمل صقر بعده أو حتى الخروج في رحلة قنص». يعدل المنصوري جلسته، ويتابع: «من يومها توقفت عن رحلات صيد الصقور، واتجهت إلى عالم الإبل وتضميرها، فالتزمت بعملي في «نادي تراث الإمارات» أشرح للطلبة المشاركين في ملتقى السمالية بدورتيه الصيفية والشتوية، كل ما يتصل بعالم البيئة البرية من تراث الأجداد، وتنقلاتهم على الإبل، وتعريفهم بأنواعها وأسمائها وأعمارها وسباقاتها وكل ما يتصل بها وكيف أنها كانت الأداة الحاملة الناقلة في الصحراء». ويضيف باسما: «الحمد لله أن الأطفال يحلّقون بأفكارهم ونشاطهم وإبداعهم لكن لا يغيبون عن أنظارنا ويضيعون منا كما الصقور».

لقاء الأجيال

خلال تدريبه للطلبة والأطفال في الملتقيات التراثية، يقرن المنصوري الرواية الشفهية بالعرض العملي، يوضح ذلك بقوله: «أقوم أمام الطلبة أبناء الدولة بعرض تمثيلي يصور كيف كان أجدادنا يتنقلون على الإبل ويحمّلون عليها الحطب وغير ذلك. فتترسخ المعلومة في أذهانهم على شكل صورة ولا تقتصر على الجانب الشفهي للمعلومة. كما أدربهم على الفنون الشعبية وأنواعها وكيفية أدائها كوني شاعر أرتجل في أحيان كثيرة أبيات شعر تتصل بشكل مباشر بما أعلمه للطلبة». يرتجل بيتين من الشعر يصف بهما حوارنا معه، ويضيف قائلا: «تشمل المحاضرات والدورات التي أدرب فيها الطلبة على تقاليد الأجداد؛ مجموعة العادات المتصلة بدخول مجلس الرجال، والسلوكيات المتبعة في الزيارة والاستقبال والترحيب والانصراف والوداع، وكذلك واجب الضيافة كتقديم القهوة وما يتصل بها من آداب وطريقة تحضيرها وأدواتها، وكذلك عادة إكرام الضيف من تقديم الذبيحة وما يليها من الفوالة والحلوى الشعبية. وكذلك أشرف على تعليمهم العادات المتبعة في المناسبات السعيدة والحزينة، وكذلك التوضيح لهم عن أجزاء ومعاني الزي المحلي وكيفية ارتدائه، وتعريفهم بالفنون الشعبية كالحربية واليولة، وهذه الأخيرة تعدّ الرقصة الشعبية الأشهر التي تحظى باهتمام كبير من نادي التراث، وتلقى إقبالا على أدائها، حيث يمكنهم تأديتها بشكل منفرد أو ثنائي أو رباعي. ثم نعرّج معهم إلى مجال الألعاب الشعبية التي كانت سائدة قديما، وكيفية ممارستها، وصناعتها من مواد خام متوفرة في البيئة كالحبال وشبك الصيد والخشب، ومواد أخرى».

ملوك الجو

ثمة أمور تتصل بتقنيات تدريب الصقور وكيفية تحليقها وصيدها للحبارى.. لبى المنصوري طلبنا وإلحاحنا أن نعرفها، فقال: «كان اهتمامي بصيد الصقور، منبعه حرصي الشديد على إحياء هذه الرياضة التراثية، والحفاظ عليها كتقليد متوارث من الأجداد، أنقله للأحفاد. ولعل البعض يعتقد أن التعامل مع الصقر هو أمر سهل! لكن هذا ليس صحيحا، فمرحلة تدريب الصقر صعبة والتعامل معه يتطلب مهارة كبيرة، كأن يعرف الصقار متى يكون الصقر جاهزا للصيد، وماهي حالته من خلال عينيه وحركاته والتفاتاته وطيرانه». ويلفت المنصوري إلى وقائع مرحلة «المقيض» التي يدخل فيها الصقر، ويقول: «مع بداية الربيع يبدأ «المقيض» حيث يحرم الصقر في هذه الفترة من الطيران، ويكون داخل غرفته مربوطا إلى وكره، فيتساقط ريشه ويعاود نمو ريش جديد له. فأطعمه طيور الحمام والفري وغيرها، ويظل على هذه الحالة حتى الشهر العاشر كي يجهز وأحمله وأتنقل به، حيث يتم تدريبه على قنص الحبارى». ولم ينس المنصوري أن يذكر الأدوات التي تستخدم خلال التدريب والصيد، وهي تتكون من: مخلاة وتلواح وسبوق ومرسل وبرقع ومنقلة ووكر.

اقرأ أيضا