الاتحاد

دنيا

حكاية صورة

لو كان في المكان حيز لصورة، لأقفلت غطاء قلمي وتغاضيت عن حشرجة الحروف وتركت لتلك الصورة كل الكلام.

« زوجان فلسطينيان أثناء مطالعتهما أمرا بهدم الطابق العلوي من منزلهما بالقدس المحتلة» هكذا كان التعليق، يحكي لقارئة بعيدة مثلي حكاية الصورة، ولا يزيد. لكن صورة الأبيض والأسود كانت تحكي قصة أخرى لم يروها التعليق المقتضب، قالت عينا سيدة الستين حكايات الحزن الذي لا تخطئه عين أي متصفح للجريدة، قالت عيناها: هذا بيت العمر، بيت أربعين عاما من صبحيات الخبز والزيتون وحبات اللوز الأخضر، بيت ضجت فيه أصوات الأطفال وتوارت وراء مشربياته أسرار الصبايا، بيت العمر هذا يضيع بين عيني بأوراق تحمل أرقاما وحسابات كثيرة، جمل عبرية متراصة، في آخرها طبع بالخط العريض» يهدم»! أما ذاك الرجل الذي عاش سبعين عاما من الصراع مع كل شيء، يصارع لقمة عيشه، ويصارع عنف الاحتلال، ويصارع سنوات العمر، كان في عينيه بحر من المرار، شيء من الحنظل يزدرده وهو يقلب الأوراق، خواطره تترى في نظرته الحزينة، ربما هو في حيرة، وربما في غضب لكنه بالتأكيد في «ذلة وانكسار» أي كف واهن يصفق على حاله، كفه الذي خطت السنون تجاعيدها فوقه، أم كف العروبة الذي بردت أوصاله وتجمدت الدماء فيه ولم يعد يقوى على أكثر من السلام في المؤتمرات، والتصفيق للكلمات! عيناهما، فقط عيناهما حملتا من وجع الصورة ما لم يختف عن خاطري وأنا أقلب صفحة الجريدة، عبرت أنا إلى ورقة أخرى، ومازالت أوراق الهدم جامدة بين كفيهما المسنين، لا يعرفان ماذا يفعلان، ولا يدريان كيف يتصرفان، ليسا وحدهما بالتأكيد فهناك سبعون منزل سيهدم في القدس القديمة، سبعون حلم تهدم وسبعون أسرة تشردت، وأكثر من مئتي مليون عربي صامت!

فتحية البلوشي

اقرأ أيضا