الاتحاد

التقليد الأعمى

من روائع كليلة ودمنة ما حكي عن الضيف والناسك، فقد نزل ضيف على الناسك وكان الناسك يتكلم العبرانية، فأعجب الضيف بكلام الناسك فأراد أن يتعلم لغة الناسك ومكث أياماً على تعلمها فدُهش الناسك لمّا رأى الضيف يحاول تعلم العبرانية، فقال الناسك للضيف إنك وقعت فيما وقع فيه الغراب عندما تركت كلامك وتكلمت من كلام العبرانية. سأل الضيف كيف؟ قال زعموا أن غراباً رأى حجلة تدرج وتمشى أعجبته مشيتها فتدرب على مشيتها وطمع في ذلك فلما يئس من قدرته على تقليدها، أراد أن يعود لمشيته فلم يستطع، حيث اختلط عليه الأمر وأصبح أقبح الطير مشياً.

أضاف الناسك: ضربت لك هذا المثل لأنك تركت لسانك وأقبلت على لسان العبرانية، وهو لا يشاكلك ولا يتفق معك وأخاف ألا تنجح في تعلمها وتنسى لسانك وترجع إلى أهلك وأنت شرهم لساناً، فقد قيل إنه يعد جاهلاً من تكلف من الأمور ما لا يشاكله وليس من عمله ولم يؤدبه عليه آباؤه وأجداده من قبل. إلى أي مدى يمكن أن ينطبق هذا المثل على أوضاعنا اليوم؟ نعم كلنا ندخل دائرة التقليد، لكن من أجل الفائدة لا من أجل التنازل عن لغتنا أو عاداتنا الأصيلة وتقاليد الأجداد. ولكن أتساءل: لماذا الاهتمام بأدنى مستويات التقليد، وهو التقليد الشكلي المتمثل في المظهر الخارجي والاجتماعي، بينما نتناسى أن التقليد إنما كان لتحقيق مستوى عالٍ من الكفاءة وسد الثغرات وإثبات الذات؛ لأن التقليد عندما يخرج عن المألوف يصبح مشوهاً وغير مجدٍ خاصة عندما يندرج تحت مسمى الموضة. ولك أن ترى البصمة الغربية واضحة في كثير من ملابسنا خاصة العباءة النسائية التي خدش حياؤها بالتضييق والتجسيم وتكلف الزخرفة، فالعيب ليس في التقليد إنما العيب فينا؛ لأننا قلدنا في الجوانب السلبية وأغفلنا الجوانب الإيجابية. ومن أمثلة التقليد السلبي، تراجع التواصل الاجتماعي وفتور الرغبة في تبادل الزيارات، فليس من الرقي قطع التواصل مع الآخرين لأسباب تافهة، في حين أن كثيراً من الثقافات تعجز عن إيجاد مثل هذا المناخ من الحميمية الاجتماعية التي تحقق شكلاً فعالاً من التواصل والسعادة النفسية. فليس عيباً أن ننظر في مرآة الغرب، لكن دعونا ننظر إلى الجانب المضيء فيها لا المظلم، فبالإرادة الحقيقية والعمل على تحقيق النجاح نستطيع أن نتفوق على أي نموذج مقلد.

محمد زكريا النجار

اقرأ أيضا