الاتحاد

دنيا

حرب العوالم الخطر القادم بين السماء والأرض


نشرت 'فارايتي' (عدد 11 يوليو 2005) ان الفيلم الأميركي 'حرب العوالم' اخراج ستيفن سبيلبيرج الذي تكلف 135 مليون دولار أميركي حقق في الأسبوع الأول من بدء عرضه يوم 29 يونيو أكثر من 233 مليون دولار، في نحو 4 آلاف دار للسينما في 78 دولة بين دول العالم· ومن قراءة جدول إيرادات الأفلام الأسبوعي في نفس العدد من الصحيفة يكون 'حرب العوالم' بهذه الإيرادات قد تفوق على 'حرب النجوم' إخراج جورج لوكاس الذي حقق أكثر من 745 مليون دولار، ولكن في 6 أسابيع من بدء عرضه·
بمناسبة مرور 75 عاماً على صدور العدد الأول من 'هوليود ريبورتر' أصدرت الصحيفة عدداً خاصاً يوم 21 يوليو 2005 موضوعه 'السينما والعولمة' (1) وهي أهم ظواهر السينما في العالم منذ الفيلم الأميركي 'تايتانيك' أخرج جيمس كاميرون عام ،1997 والذي كان أول فيلم في تاريخ السينما تتجاوز إيراداته مليار دولار، ويأتي 'حرب العوالم' ليؤكد العولمة في السينما بعرضه في 4 آلاف دار للسينما في 78 دولة في نفس الوقت، وتحقيق 233 مليون دولار في أسبوع واحد، وهو حدث غير مسبوق في تاريخ السينما أيضاً· لقد كان اختراع السينما قبل مائة سنة ويزيد يعني إمكانية أن يشاهد الناس عملاً فنياً في كل مكان في نفس الوقت لأول مرة في تاريخ الإنسانية، وهو ما يجعل ملايين البشر يشتركون في تجربة شعورية واحدة تجمع بين كل الأعراق والثقافات، وتقرب بينها ولكن هذا الافتراض النظري لم يتحقق إلا في العقد الأخير من القرن العشرين الميلادي بفضل الثورة التكنولوجية·
ينتمي فيلم 'حرب العوالم' الى نوع الخيال العلمي من الأفلام، وأصله نوع من الأدب الروائي ظهر مع التقدم العلمي في القرن التاسع عشر في أوروبا، ويقوم على فرضيات خيالية أساسها حقائق علمية· وقد كان من المنطقي أن يصبح الخيال العلمي نوعاً من السينما حيث يعبر عن ذلك الخيال على نحو أكثر إقناعاً، وأقوى تأثيراً· بدأت السينما تسجيلية في أفلام أديسون ولوميير، وبدأت السينما الروائية أو غير التسجيلية في أفلام ميليس، وكان أول أفلامه اكتمالاً 'رحلة الى القمر' عام ،1902 وهو أول فيلم خيال علمي في نفس الوقت، والأرجح أن يكون ميليس قد استمد الفكرة من رواية هـ ج ويلز·· أول إنسان على القمر التي صدرت عام ،1901 وكانت أول رواية في العالم عن احتمال وصول الإنسان الى القمر، وهو ما تحقق بعد ذلك عام ·1969
الشائع ان الكاتب البريطاني هـ· ج· ويلز (1866 - 1946) من كتاب الخيال العلمي، ولكن رواياته من هذا النوع بعض من إنتاجه الأدبي والفكري الغزير والمتنوع، وإن كانت أشهر أعماله بحكم خيالها الجامح والمثير وأهم هذه الروايات 'آلة الزمن' ،1895 'حرب العوالم' ،1898 و 'الحرب في الهواء' ،1908 والتي تنبأ فيها بالحرب العالمية الأولى التي بدأت عام ،1914 واستمرت حتى ·1918 وقد تم إخراج 'آلة الزمن' في فيلمين بنفس العنوان عام 1960 اخراج جورج بال، وعام 2002 اخراج سيمون ويلز، وتم اخراج 'أول انسان على القمر' بنفس العنوان عام 1964 اخراج ناثان جوران واخراج 'حرب العوالم' بنفس العنوان عام 1953 اخراج بايون هاسكين· ومع بدء عرض فيلم ربيدلبيرج شهدت أسواق الفيديو فيلمين كلاهما بعنوان 'هـ· ج· ويلز حرب العوالم' أحدهما اخراج تيموثي هنيس، والثاني اخراج دافيد ميشيل لات· ومن الواضح ان كلا الفيلمين مجرد استغلال تجاري للدعاية المصاحبة لعرض فيلم سبيلبيرج ونجاحه المتوقع·
كانت رواية 'حرب العوالم' أول رواية في العالم عن تعرض الأرض لغزو مخلوقات من كوكب آخر، وهو في الرواية غزو سكان المريخ· وقد أصبحت هذه الفكرة موضوعاً للكثير من الأفلام، وخاصة في أميركا، حتى يمكن اعتبارها نوعا داخل النوع، وحتى قبل اخراج الرواية الأولى مرة في السينما في فيلم هاسكين عام ·1953 والرواية كما يقول بيتر نيكولز في كتابه 'السينما الخيالية' تدور في انجلترا، وتعبر عن 'هشاشة الحضارة الإنسانية التي نفترض بكل خيلاء أنها مبنية على أسس قوية كالصخر' · أما فيلم هاسكين، وحسب نيكولز أيضاً فتدور أحداثه في كاليفورنيا، و ·· لم يبق فيه غير القليل من الأجواء الويلزية، فالناس في الفيلم يتصرفون بنبل أكثر ، و 'يوحي الفيلم في النهاية بأن شفاعة الله وحدها هي التي أنقذت الجنس البشري، وهو مضمون كان سيثير غيظ ويلز بالتأكيد'· ويقول نيكولز ان سكان المريخ في الفيلم 'رائعون'، و 'طوال الفيلم لا نرى غير مريخي واحد، ولمرة واحدة فقط، حيث يبدو مخلوقاً جلدا على عظم ذي عين واحدة ضخمة·
ورغم أن نيكولز يرى أن سكان المريخ في فيلم هاسكين 'رائعون'، إلا أن تود مكارثي في نقده لفيلم سبيلبرج ('فارايتي' عدد 11 يوليو '2005 اعتبر فيلم هاسكين من نتاج الحرب الباردة (تم إنتاج الفيلم عام 1953 أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية الرأسمالية والاتحاد السوفييتي الشيوعي) مما يوحي بأن سكان المريخ في الفيلم عبروا عن الشيوعيين وفي رصد 'فارايتي' في نفس العدد لردود أفعال 18 مجلة وجريدة ومحطة تلفزيون أميركية ما بين ضد ومع وفي الوسط تجاه الفيلم كانت النتيجة 2 - 8 في الوسط و 8 مع منهم نقاد 'نيوزويك' و 'نيويورك تايمز' و 'لوس انجيليس تايمز'· وربما يرجع هذا الانقسام الى بساطة الفيلم الدرامية الى حد السذاجة، وجماله الشكلي وروعته الحرفية العالية في آن واحد·
وإذا كان قد بقي القليل من أجواء رواية ويلز في فيلم هوسكين كما يقول نيكولز، فقد بقي منها أقل القليل في فيلم سبيلبيرج· صحيح ان 'هشاشة البشر' واضحة في مشاهد الهروب الجماعية (لا تدري من أين الى أين) حيث يتناحرون ولا يجمع بينهم حتى مواجهة الخطر المشترك، وكل يريد أن ينجو بنفسه أو مع أقرب ذويه، ولكن الرواية عن غزو خارجي، أما فيلم سبيلبيرج فهو عن غزو داخلي من قوى شريرة تعيش داخل آلات حديدية عملاقة تحت الأرض، وتربط نفسها بالسماء حيث تخرج عندما تضرب أعمدة البرق الأرض أثناء عاصفة رعدية عنيفة·
تود مكارثي في نقده للفيلم يشير الى أنه يأتي 'في ظلال 11 سبتمبر والمخاوف من أعداء جدد يستهدفون تدمير الغرب عموماً وأميركا خصوصاً'، ولكنه لا يوضح كيف تم التعبير عن ذلك في الفيلم الذي كتبه له السيناريو جوش فريدمان وأخيه كويب عن رواية ويلز· السيناريو لا يقارن بالرواية إلا من حيث معارضته لها عن طريق الشعراء العرب القدامى في القصائد والقصائد المعارضة، والفيلم لا يعبر عن عالم ويلز، وإنما عن عالم سبيلبيرج المستمد من ثقافته الأميركية - اليهودية سواء في أفلامه 'التجارية' أم 'الشخصية'، وليس هناك أدق من سبيلبيرج نفسه في وصف التفرقة بين الفيلم التجاري والفيلم الشخصي، فعندما أخرج 'الحديقة الجوارسية' 1993 و 'قائمة شيندلر' 1994 وكان يصنعها في نفس الوقت قال في حوار مع 'نيوزويك' انه مثل الطباخ الذي يعمل في مطعم ويصنع طوال النهار الطعام كما يريده الزبائن، ولكنه عندما يعود الى منزله يصنع الطعام الذي يفضله لنفسه· 'الحديقة الجوراسية' من الطعام المصنوع للزبائن، أما 'قائمة شيندلر' فهو الطعام الذي يصنع لنفسه·وبالطبع يظل في طعام الزبائن دائماً لمسة الطباخ الشخصية·
تدور أحداث 'حرب العوالم' في ولاية نيو جيرسي الأميركية في الزمن الحاضر ، ويبدأ الفيلم وينتهي برواية على شريط الصوت (صوت مورجان فريمان) يتأمل العلاقة بين البشر والكون على لقطات للأرض والكواكب الأخرى· وفي 116 دقيقة (تصوير يانوش كامينسكي بالألوان ومونتاج مايكل كان وموسيقى جون وليامز) نتابع رحلة العامل المكافح راي (توم كروز) وهو يحاول إنقاذ نفسه وابنه وابنته من المسوخ التي خرجت من تحت الأرض· في البداية نراه يستقبل في منزله المتواضع ابنه الشاب روبي (جوستين شهانوين) وابنته الطفلة راشيل (داكوتا فانينج) عندما يأتيان لزيارته وندرك أنهما يعيشان مع أمهما مارتي آن (ميراندا أدتو) في منزل عائلتها الثرية في بوسطن، وانها انفصلت عن راي وتزوجت من شخص آخر·
يبدأ الهجوم عندما تخرج الآلاب الحديدية من تحت الأرض بعد العاصفة، ويشمل تدمير كل شيء، واختطاف البشر بأذرع طويلة تمتد من الالات الحديدية وتسحبهم الى داخلها حيث تقوم المسوخ بامتصاص دمائهم، وهو تشبيه واضح للجماعات الإرهابية التي خرجت من تحت الأرض بدعوى أنها تلبي نداء السماء، وتختطف الرهائن وتذبحهم· ونحن لا نرى المسوخ تحت الأرض، وإنما نرى راني عندما يلجأ الى طابق سفلي مع راشيل وبعد أن تركها روبي ليلتحق بالجيش ويقاتل المسوخ· وفي ذلك الطابق السفلي يلتقي راي مع أوجليفي (تيم روبنز) الذي يتصور انه يستطيع مواجهة المسوخ ببندقية · إنه يبدو أقرب الى الجنون، ولكنه يعبر عن منطق 'الكاوبوي' التقليدي· وفي لحظة والثلاثة (راي وراشيل واوجليفي) تحت الأرض يبدون وكأنهم في بداية الخليقة، ويتأكد من ذلك عندما يقوم راي بقتل اولجيفي بدم بارد مثل قابيل وهابيل بعد أن أدك أن منطق 'الكاوبوي' التقليدي يمكن أن يؤدي الى هلاكه وابنته·
ما يحدث فوق الأرض بين البشر (الأسرة الممزقة والطلاق البائن بين الفقراء والأغنياء)، وما يحدث بينهم تحت الأرض، والذي صل الى ذروته عندما يقوم راي بقتل أوجليفي، يجعلهم بدورهم مسوخاً من نوع آخر· إن راي بقتل أوجليفي لا يصبح بطلاً تراجيدياً، وإنما مجرم قاتل· وبقتل أوليفي لا يرفض سبيلبيرج منطق 'الكاوبوي' وإنما منطق 'الكاوبوي' التقليدي الذي لا يجدي في مواجهة مسوخ الآلات الحديدية، راي بدوره 'كاوبوي' ولكنه معاصر، يقتل بدم بارد كما يقتل المسوخ الناس ويمتصون دماءهم، فلم نعد في عصر مبارزات الفرسان·
لقد كان المسخ القادم من السماء في 'إي· تي' الذي أخرجه سبيلبيرج عام 1982 تعبيراً عن الحب باصبعه الممتد نحو البشر كما في لوحة مايكل انجلو المعروفة، عام 2005 التي تختبئ في آلات عملاقة مستخدمة أحدث ما وصلت إليه الثورة التكنولوجية لتدمر كل شيء، وتمتص دماء البشر· ويوضح الفيلم على نحو مباشر العلاقة بين هذه المسوخ وبين السماء في مشهد تعرض فيه مخرجة تلفزيونية لراي داخل عربة تلفزيون متنقلة ما سجلته حيث نرى أعمدة البرق مع تثبيت الصور تحرك الآلات المدفونة تحت الأرض وبداخلها المسوخ· انه مشهد يؤكد أن المقصود الجماعات الإرهابية التي تنسب نفسها الى الدين الإسلامي·
وتبدو بساطة الفيلم الدرامية التي تصل الى حد السذاجة عندما تنتهي رحلة راي بنجاحه في الوصول الى منزل عائلة زوجته السابقة، في بوسطن مع راشيل، وتصل السذاجة الى ذروتها عندما نرى روبي أيضاً في ساحة المنزل من دون أن نعرف كيف وصل، ولا كيف حارب مع الجيش الأميركي في قتال المسوخ بدافع من وطنيته رغم أنه ليس جندياً ولم يتدرب على القتال·
وربما تصور صناع الفيلم أنهم بعدم التبرير العقلي لكل المواقف من تحرك ريادة البطل دون غيرها من السيارات في بداية الفليلم إلى ظهور روبي في نهايته انهم يتبعون المنطق الدرامي للملحمة اليونانية القديمة، تلك وبالتحديد في اوليس هميروس، ولكن راي ليس بطلا ملحمياً، وإنما قاتل بدم بارد، والتشابه بين رحلة اوليس ورحلة راي سطحي تماما، وبينما تنتظر بيلنوب حبيبة اوليس في الملحمة، ولا نرى ماري ان إلا في بداية الفيلم ونهايته، وهي لا تحب زوجها السابق ولا تنتظره، وإنما تنتظر وصول راشيل وروبي·
وتعبر هذه النهاية عن جوهر الثقافة الأميركية التي تقوم على الايمان المطلق بالفرد، وقدرته على الانتصار بالإرادة والإصرار حتى على المسوخ القادمة من تحت الأرض مسلحة بأحدث ما وصلت اليه الثورة التكنولوجية·· وبينما ينقذ الله البشرية في فيلم هوسكين عن رواية ويلز، ينقذها الجيش الأميركي في فيلم سبيلبيرج عن تلك الرواية· صحيح أن هناك إشارة إلى طيور صغيرة حطت فوق الآلات الحديدية العملاقة، وتبدو وكأنها من تعيق حركتي، ولكن ما يحسم الأمر في النهاية الجيش الأميركي وقاذفات القنابل وغيرها من الأسلحة، ولا تسأل لماذا لم تحمل هذه الأسلحة دون التدمير وامتصاص دم البشر منذ البداية ما دامت قادرة على ذلك في النهاية·
هو إذن الإيمان بالفرد، وبالقوة المسلحة، ولكنها إجابة تبسيطية على أسئلة مركبة لم يطرحها الفيلم، وهي كيف تكونت المسوخ التي تربط نفسها بالسماء، ولماذا خرجت من تحت الأرض، وهل يكفي الإيمان بالفرد والقوة المسلحة لمواجهتها، والأسئلة ليست بقصد تبرير وجود المسوخ أو تبرير أعمالها، وإنما بقصد التفسير الصحيح والتحليل الدقيق، فهي خطر يهدد العالم بالفعل، ويأتي من تحت الأرض بالفعل، ولا علاقة له بالسماء بالفعل، ولكن التعبير عنه في فيلم 'حرب العوالم' وعلى طريقة أفلام هوليود التجارية الضخمة والمبهرة بالمؤثرات، إنما هو لإرضاء الزبائن بصنع ما يرغبون فيه من طعام، فأغلب الناس عودتهم تلك الأفلام على تبسيط الأمور حتى أصبحوا يفضلون التبسيط·وتبدو اللمسة الشخصية للطباخ في هذا الفيلم من تعبيره عن رؤية 'ابوطاليبسيه' (نهاية العالم) ترتبط بالتراث اليهودي ، كما ترتبط بالتراث اليهودي كما يرتبط الفيلم الأول الذي أخرجه ربيلبيرج 'مبارزه' عام 1971 بهذا التراث (أسطورة دافيد وجوليات أو اليهودي الذكي وعدوه العملاق الغبي ولكن بين سيارة صغيرة وسيارة نقل كبيرة تطاردها في طريق صحراوي)· إنه 'يوم القيامة' ولكن في الواقع المعاصر، وليس في آخر الأيام، هذا الفزع الجماعي هو ما شاهدناه على شاشات التلفزيون يوم 11 سبتمبر، وهذا القطار الذي يعبر أمامنا والنيران، تتصاعد من كل نوافذه هو قطار الصعيد الذي شاهدناه في مصر، وهذه الجثث الطافية في النهر هي ما شاهدناها في منابع النيل أثناء الحرب الأهلية في رواندا وبوروندي بين التوتس والهوكس·

اقرأ أيضا