الاتحاد

دنيا

شادن حياة يضيئها العطاء


دبي ـ أمل النعيمي:
اختارت الفتاة الأردنية شادن خليل عليوات وأسرتها عدم الاستسلام بل الكفاح وتحمل المسؤولية لتغيير الظروف التي فرضها القدر عليهم دون تذمر، وكان عونهم في ذلك إيمانهم بأن ما حدث لهم منّة من الله (سبحانه وتعالى)، ورحمة منه·
بدأت قصة شادن في أواسط السبعينات حينما أبصرت نور الحياة هي وشقيقتها التوأم لأم وأب عطوفين، متفهمين، وقد ظهر ذلك في تعاملهما المستنير مع الواقع الذي فرض عليهما وعلى ابنتهما شادن· وكان لهذا الموقف الداعم من الوالدين ومن صديقتها رشا أثر كبير في تكوين شخصيتها، ومثابرتها، حيث حفز كل هذا الكم من الاهتمام قدرة هائلة من المثابرة والصمود والإصرار على مواصلة المسيرة بكل تعرجاتها وظروفها·
ونجحت شادن في إكمال تعليمها الثانوي ثم الجامعي فرسالة الماجستير والآن رسالة الدكتوراه··· وفي كل هذه المراحل لم تغب قضايا المكفوفين عنها بل كانت محور دراساتها· وبسبب طموحها وإخلاصها في العمل مثلت الأردن في الكثير من الفعاليات والمؤتمرات في العالم· والآن تعمل شادن عليوات مرشدة تربوية في معهد النور للمكفوفين حيث التقتها 'دنيا الاتحاد' لتلقي الضوء على تجربتها التي تؤكد أن 'الدنيا حلوه' بعطائنا لكل من نحبهم··· وننتمي لهم·
تقول شادن عليوات: 'في البداية لم تلاحظ الأسرة هذا الضعف البسيط في إبصاري وأنا طفله·· ولم تنظر له على أنه مثير للقلق أو التوجس، أو انه مؤثر وله مضاعفات مستقبلية يمكن التخوف منها، إذ أكد الأطباء آنذاك بأن الأمر لا يعدو أن يكون قصر نظر بسيط في قوة الإبصار·
ولما كان كل قول بعد قول أهل الخبرة والتخصص يعد غير منطقي فقد سلمت الأسرة بذلك، وأخذت الحياة دورتها لتحمل شادن على أجنحتها المتسارعة متنقلة بها من مرحلة إلى أخرى· طفلة ذكية تشهد نتائجها الدراسية وترتيبها المتقدم على زملائها على عقل حاذق ورغبة فطرية في التحصيل والإنجاز دعمها دائما تشجيع الأم، وكيف لا وهي من المربيات والمعلمات اللواتي أمضين حقبة طويلة في مجال التربية والتعليم·
سنة الحسم
ظل مركب الأيام يمخر عباب بحر الحياة بأمواجه المتلاطمة أحيانا، وبهدوئه وزرقة مائه أحيانا أخرى إلى أن وصل بالفتاة اليافعة إلى سنة الحسم عند كل طلبة العلم، وأعني بذلك الثانوية العامة·
تعلق شادن: 'نعم، لقد كانت هذه السنة بالنسبة لي سنة الحسم والتحول الكبير ليس لأنها المعبر إلى المرحلة الجامعية، بل لأن هذه السنة كانت إيذاناً بانتقالي من عالم مشرق بالتفوق والتحصيل إلى عالم اكثر إشراقاً يجسد قدرتي على تسخير طاقاتي الذهنية وما استقر في ضميري من قيم روحية لأتغلب بها على عقبات لم تكن في حسباني من قبل· دخلت امتحانات الفصل الأول من الثانوية العامة القسم العلمي بروح عالية وتصميم على حصد الحد الأقصى من العلامات وذلك لتحقيق حلم طفولتي الذي ما فتئ يراودني ألا وهو دخول كلية الطب البشري لأصبح الطبيبة شادن كما رسمت ذلك في خيالي'·
لكن الحلم الذي كان قاب قوسين أو أدنى من شادن، واجهته عقبة لم تكن في البال، حيث عجزت شادن أثناء امتحان مادة اللغة الإنجليزية للثانوية العامة عن قراءة قسم كبير من الأسئلة، تقول: 'حدث ذلك بشكل مفاجئ، ومن هنا بدأت تلوح في الأفق ملامح عالم جديد ما كنت ولا أسرتي نتمنى الولوج فيه· أكملت امتحاناتي بحماس منخفض فقد جاء هذا الحادث المفاجئ كوقع الصاعقة لكن إيماننا بالله وحده عزز كثيرا من قوتي وأسرتي معي· ولم يمض وقت طويل على الأسرة حتى علمت وبعد استشارة الأطباء في الأردن وخارجها بأن الفتاة الطموحة تعاني من مرض التهاب الشبكية الصباغي الناجم عن خلل جيني في شبكية العين من ضمن مسبباته زواج الأقارب، ومن مضاعفات هذا المرض تدهور قوة الإبصار تدريجياً مع مرور الزمن'·
أيقنت شادن وأسرتها حينها أن تحولاً جديداً وجدياً لا محالة طارئ عليهم، وان حلم الماضي القريب البعيد قد بات في عداد الأماني التي لا تتجاوز حد الذكريات· فقد وجدت نفسي - كما تقول شادن - أمام خيارين لا ثالث لهما: إما قبول الواقع والرضوخ له وإما قبول تحمل المسؤولية لتغيير هذا الواقع·
الاختيار الصعب
وبروح قتالية عالية تغلفها السكينة واللطف الذي ينزله الله مع المصائب وبدعم وعون ينم عن تفتح عقل الأم وسعة إدراكها وقراءتها المتميزة لواقع ومستقبل ابنتها، أخذت شادن الاختيار الثاني فتحملت المسؤولية شاهرة سلاح التأقلم ومواكبة الظروف بما لا يخل بتحقيق طموح من نوع مختلف، فأكملت امتحانات الثانوية العامة ثم قامت في السنة التالية بإعادة امتحان اللغة الإنجليزية لتلتحق بعد ذلك بإحدى الجامعات الخاصة في عمان وذلك لدراسة 'التربية وعلم النفس'·
أيقنت كما تقول شادن: أنني قد انتقلت إلى عالم جديد له قواعده وسماته الخاصة والمختلفة عن عالم الرؤية والبصر السليم، مع بقاء بعض قدرات بسيطة على التمييز البصري الذي ظل يمكنني من تمييز بعض الأجسام ولكن وبكل الأحوال كنت بحاجة إلى من يعينني على القراءة والكتابة أثناء سنوات الدراسة الجامعية الأولى، وفي هذا الصدد لابد لي من تذكر وبقدر كبير من العرفان صديقتي 'رشا' التي بادرت إلى مساعدتي والشد من أزري أثناء الدراسة·
وتضيف: وفي عام 1998 حصدت وأسرتي ثمرة المثابرة والصبر الجميل حيث حصلت على درجة البكالوريوس في التربية وعلم النفس بتقدير ممتاز وكنت الأولى على دفعتي، وبذلك سطرت أولى انتصاراتي معلنة لكل من أسلمته الظروف ليأس عميق أن الإنسان قد لا يصنع الظروف القاهرة ولكنه دائماً قادر على التعامل معها وترويضها والقفز من فوقها ليرتقي إلى حيث يستحق كل مناضل شريف في هذه الحياة المتقلبة الأطوار·
من نجاح إلى نجاح
لقد كان نجاح شادن وتفوقها في البكالوريوس خطوة كبيرة قادتها إلى خطى اكبر في مجال التحصيل الأكاديمي حيث قامت وعلى الفور بالتسجيل للماجستير في الجامعة الأردنية - كلية التربية الخاصة وفي هذه المرحلة كما تقول شادن: اقتربت أكثر من عالم مكفوفي البصر حيث التقيت ببعض الطلاب المعاقين بصرياً وقام هؤلاء بدور هام في تعريفي بالطرق والوسائل التعليمية التي يستعين بها المكفوفون في تحصيلهم الأكاديمي، ومن ذلك الاستعانة بأجهزة التسجيل وقارئ الشاشة الناطق في أجهزة الكمبيوتر·····الخ· وفي عام 2001 سجلت انتصاراً جديداً وذلك بحصولها على درجة الماجستير في موضوع (حاجات المكفوفين الراشدين في الأردن)·
وكدأب (أولي العزم) وأهل النجاح فإن إنجازا يقود إلى إنجاز، ونجاحاً يقود إلى نجاح، لذلك فقد قامت وعلى الفور بالتسجيل للحصول على درجة الدكتوراه، وتم اختيار رسالتها في موضوع وثيق الصلة بحالتها البصرية وجاءت بعنوان (اثر برنامج تدريبي على زيادة فاعلية الرؤية الوظيفية عند ضعاف البصر)· ودون الدخول في دهاليز البحث الأكاديمي الصرف فإنها كانت تهدف باختيارها لهذا الموضوع إلى لفت الانتباه أو إثارة الاهتمام بضرورة الاستثمار والاستغلال الأمثل للبقايا البصرية لدى ضعاف البصر الذين دأبت المؤسسات المعنية على تصنيفهم ومعاملتهم وكأنهم فاقدون للبصر بشكل كلي· وهي الآن بانتظار الإنجاز التالي المتمثل في الحصول على درجة الدكتوراه في أواخر هذا الصيف بإذن الله تعالى·
تنخرط شادن عليوات ومنذ ما يزيد على أربع سنوات في النشاطات والمنتديات الثقافية المتعلقة بالمكفوفين بشكل عام وضعاف البصر على وجه الخصوص·· وفي هذا الصدد تقول شادن: مثلت الأردن في عدة مؤتمرات في الهند ونيبال وكان آخر نشاطاتي حضور مؤتمر حول ضعاف البصر في لندن وذلك في شهر نيسان الماضي· وقد سعيت للحصول على وظيفة تناسب تخصصي فأنا الآن اعمل مرشدة تربوية في معهد النور للمكفوفين التابع لوزارة التربية والتعليم في عمان·

اقرأ أيضا