الاتحاد

تقارير

زيارة أوباما... ومهمة كسر الجليد في موسكو

عندما يزور الرئيس أوباما الكرملين الأسبوع القادم فسيجد نفسه في مواجهة مهمة إعادة ضبط العلاقات مع حكومة شيدت قاعدة قوتها، وعرفت عن نفسها من خلال موقفها المناوئ لأميركا في عهد الحرب الباردة الجديدة. وهذه الزيارة تمثل لحظة مواتية لواشنطن لبث الدفء في علاقتها الباردة مع موسكو التي يمكن أن تساعدها في التعامل مع بعض المشكلات شديدة التعقيد التي تواجهها في حقل السياسة الخارجية ومنها على سبيل المثال مشكلات أفغانستان، وإيران، وكوريا الشمالية.

أما بالنسبة لروسيا ذاتها، فلا توجد هناك سوى أدلة محدودة للغاية على رغبتها في فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة. فعلى رغم التغيير الذي طرأ على السلطة في موسكو، بتولي «بوتين» منصب رئيس الوزراء وتولي «ميدفيديف» منصب رئيس الجمهورية، إلا أن سياسات الكرملين بقيت عموماً من دون تغيير، حيث لا يزال يمارس هوايته في التركيز على المشاعر المناوئة لأميركا كوسيلة لتعزيز سلطته في الداخل. ومن ذلك على سبيل المثال، أنه وبعد أن رحب بزيارة أوباما لموسكو، منح قرضاً سخياً بقيمة 2 مليار دولار لدولة قرغيزستان الفقيرة التي قامت حكومتها مقابل ذلك بإغلاق القاعدة العسكرية الأميركية في أراضيها، كانت ذات أهمية استراتيجية لواشنطن في حربها في أفغانستان. وهذه اللعبة من ألعاب القوة أحرجت الولايات المتحدة وكلفتها الكثير. ولكن نظراً لأن موسكو تدرك جيداً أن الاستقرار على حدودها يمكن أن يتزعزع إذا ما ازداد تدهور الوضع العسكري للحلفاء في أفغانستان، فإن مسؤولا روسياً قال إن الكرملين سيسمح للولايات المتحدة بإرسال الأسلحة المتجهة لأفغانستان عبر الأراضي الروسية. ومع ذلك، يقول الخبراء إن موسكو لا تزال تشعر برغبة ملحة لعرقلة الأهداف الأميركية، وخصوصاً أن مناوأة أميركا سياسة لها جذور قوية في نظرة روسيا لنفسها، وخاصة في ضوء مشاعر عدم الأمان التي تكتنفها، وطموحاتها في استعادة وضعها كقوة عظمى. ويوضح «دينيس فولكوف» الباحث في مركز «ليفادا» بموسكو الذي أجرى من قبل استطلاعات رأي لقياس المواقف الروسية نحو أميركا هذه الفكرة بقوله: «تستند السياسات الداخلية في روسيا بدرجة كبيرة الى المعارضة للغرب... وهذه السياسات كثيراً ما تستغل كتبرير، وكركيزة أساسية لشعبية الزعماء الروس، وكدليل على الولادة الجديدة للقوة الروسية». وفي روسيا نفسها ترتبط العلاقات الدافئة مع الغرب في الأذهان بالفساد، ومشاعر العجز، والمهانة التي عانت منها البلاد أثناء تسعينيات القرن الماضي. ومن جهة أخرى، يعتبر العداء للغرب، ماركة مسجلة على القوة التي تفوح برائحة الإمبراطورية السوفييتية، وفترة رئاسة بوتين التي تزامنت مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط. ولا يعني ذلك أن الموضوع يتعلق بالمظاهر والمكانة فحسب، لأن الحقيقة هي أن هناك خلافات جدية وحادة بين البلدين. فروسيا تشعر بالتهديد، والمهانة في الوقت نفسه بسبب توسع «حلف شمال الأطلسي» في البلدان التي تقع على حدودها، وخطط الولايات المتحدة لبناء درع صاروخية على أطرافها، علاوة على أنها تشعر بغضب شديد لما تعتبره تدخلا أميركياً في السياسات الداخلية للدول التي كانت تابعة لها ذات يوم مثل أوكرانيا، وجورجيا. ومن المتوقع بالطبع أن يتم التقليل من أهمية مثل هذه الموضوعات في الخطاب العلني في القمة التي سيكون التركيز فيها على موضوعات الأجندة الأقل حساسية من الناحية السياسية مثل تقليص المخزون النووي، وإتمام الاتفاقية الخاصة بنقل الإمدادات إلى أفغانستان. ومع ذلك يقول المحللون إنه فيما يتعلق بتركيبة السلطة في روسيا فإن خلفية العداء وعدم الثقة ليس مرجحاً أن تتغير. وعلى ذلك يعلق «نيكولاي زوبلين» مدير برنامج روسيا ويوروآسيا في معهد الأمن العالمي في واشنطن بقوله: «ليس هناك مستقبل لسياسة صديقة لأميركا في روسيا. ففي هذا البلد يمكنك أن تبني حياتك المهنية بأكملها كسياسي أو صحفي معروف أو شخصية عامة على انتهاجك لسياسة مناوئة لأميركا. أما إذا ما حاولت ترويج سياسة صديقة لأميركا فسيتم شجبك على الفور». والحرب الباردة فكرة باهتة في الذاكرة الأميركية، إذ أن ما يشغلها اليوم موضوعات مثل إيران وكوريا الشمالية -وقبل سنوات كان هناك صدام حسي. غير أن الأميركيين يتناسون أن الوضع مختلف في روسيا حيث لا تزال الحرب الباردة فكرة قائمة وقاتمة في ذات الوقت. وفي هذا المعنى يقول زوبلين «إنهم في روسيا يخشون أشد الخشية من إخفاق المحاولات التي يبذلونها من أجل إدامة عقلية القلعة المحاصرة التي ارتبطت بالحرب الباردة». فمنذ عامين على وجه التقريب، وبينما كان «بوتين» يخطط لنقل السلطة إلى «ميدفيديف» من خلال انتخابات تم التخطيط لها جيداً، لقطع الطريق على أي معارضة أخرى، تصاعدت الدعاية المناوئة للولايات المتحدة إلى أقصى درجة في وسائل الإعلام الروسية. وفي هذا المناخ من الاحتقان تم عرض فيلم وثائقي في تلفزيون الدولة الرسمي لتحذير الروس من تهديد محتمل، وكانت الرسالة التي يريد هذا البرنامج توصيلها على النحو التالي: «إن وزارة الخارجية الأميركية والسي.آي.إيه، وقد استبد بهما الحسد بسبب ما تنعم به روسيا من ثروات نفطية وغازية وماسية، تعملان على دعم الأنشطة المناوئة للكرملين في محاولة للإطاحة بالحكومة، وتفكيك البلد بأسره». ويقول «سيرجي ماركوف» عضو البرلمان والمحلل السياسي، والذي يعتبر من أبرز خبراء الدعاية في روسيا، إن السياسات الروسية ليست مناوئة من حيث الجوهر لأميركا، وإنما هي ببساطة رد فعل على سياسات عدائية أميركية. وفي الوقت نفسه يوافق «ماركوف» على أن أي سياسي روسي لن يجرؤ على الدعوة لتوثيق العلاقات مع الولايات المتحدة، لأن ذلك: «سيبدو مماثلا لقيام شخص ما في أميركا بالهتاف لصالح بن لادن، أو قيام شخص آخر في الهتاف في إسرائيل لصالح حركة حماس». ولذا يقلل ماركوف من أهمية موضوع إعادة ضبط العلاقات، لأن الكرملين لا يعتقد أن الولايات المتحدة ستتغير.


ميجان كي. ستاك - موسكو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا