الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الكعكة السورية

الكعكة السورية
15 ابريل 2017 21:22
أمس القريب انتهى مفعول معاهدة سايكس بيكو التي مثلت قرناً كاملاً من وضع حد لسيطرة الإمبراطورية العثمانية على منطقة الشرق الأوسط التي دامت 400 سنة. وتم بموجب تلك المعاهدة رسم خريطة جديدة للمنطقة بترتيب بريطاني فرنسي، لاقتسام الكعكة العربية بينهما. إن التطورات في المئة سنة الأولى لاتفاقية سايكس بيكو يمكن أن تفسر لنا أن ما يجري اليوم في رقعة جغرافية تزيد مساحتها على 12.5 مليون كيلومتر مربع، ويزيد عدد سكانها على أربعمائة مليون، وتضم أكبر عدد من اللاجئين والمشردين والفقراء والجماعات الإرهابية والأراضي المحتلة، هو من أجل صياغة سايكس- بيكو جديدة، بهدف إعادة تقسيم المنطقة بين الدول التي تعتبر اليوم «كبرى» مثل أميركا وروسيا ومن لف لفهما. وكانت الفوضى التي سميت «الربيع العربي» أول خطوة على هذا الطريق، حيث تم تدمير وتفتيت أهم دول المنطقة وإغراقها في حروب داخلية تقودها أجندات خارجية، كسوريا والعراق وليبيا واليمن، والحبل على الجرار. شهدت الولايات المتحدة وروسيا تباينات كثيرة في المواقف السياسة والمواقع العسكرية داخل الأراضي السورية، رغم أن تناقضات السياسة الخارجية لا تزال موضع خلاف كبير داخل الإدارة الأميركية نفسها. وبعد التقارب الروسي الأميركي بشأن الحلول في سوريا، يبدو أن الرئيس الأميركي ترامب لن يحيد عن خطة سلفه أوباما، فقد بلورت التوقّعات المختلفة استراتيجيات جديدة مُشابهة لسابقتها من ناحية الدعم والتكتيك، فالهدف الرئيس للإدارة الأميركية كان وما زال العمل على إيجاد واقع فعلي يسمح بتهديد روسيا اقتصادياً، ولذا تسمح الإدارة الأميركية الجديدة بتزويد حوالي 80 فصيلاً مسلحاً بمئات من الصواريخ الموجّهة المضادّة للدروع من طراز تاو لتغيير موازين القوى، وتستغل مجزرة خانة شيخون الكيماوية لجعلها مفتاح البقاء في دائرة الصراع على سوريا، حيث يعمل الغرب والمعارضة والجماعات الإرهابية لاتّهام النظام السوري بارتكاب المجزرة في ظل ارتياح القيادة السورية للوضع الميداني الحالي. فوقائع جوبر والقابون وريف حماه، تفرض نفسها في الميدان العسكري والسياسي، وتثبت أن النظام السوري ليس بحاجة لاستخدام الكيماوي، فهو ما زال المُسيطر على معظم الميادين، معتمداً على أن التحالف القوي مع روسيا سيسقط بالفيتو أي قرار يهدف إلى محاسبة النظام السوري تحت البند السابع. ويرفض محاسبة النظام السوري من دون وقائع مُثبتة، رغم أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت قد عبرت في وقت سابق عن إمكانية بقاء الرئيس السوري بشّار الأسد في السلطة. ولكن الولايات المتحدة لن تدع الحادثة تمر من دون استفادة من تغيّر الواقع الأممي لمصلحتها وتوجيه صفعة جديدة لروسيا، ساعية لفرض رؤيتها للمنطقة بالقوة أو بالسياسة أو تحت مظلة الأمم المتحدة، ومن خلال عملها على ضمان اشتداد المعارك العسكرية في الشمال والجنوب السوري، ستصبح خطّة تقسيم سوريا قاب قوسين أو أدنى للتنفيذ. أما روسيا فليست أقل إصراراً من الولايات المتحدة على امتلاك الجبهة الساخنة في الداخل السوري، بانتظار أن تتّضح الصورة الكاملة لوجهة النظر الأميركية الكاملة بعيداً عن الطروحات الفردية لكل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصقور المخابرات الأميركية والأمن القومي، حيث إن الروس لن يسمحوا للأميركيين ولإسرائيل التي تحرص كل الحرص على ضمان بقاء الجولان جزءاً لا يتجزأ من دولتها وأمنها الإقليمي، بإيقاف تمددهم في المنطقة، لاسيما أنه مرفق بدعم الدبلوماسية السورية التي تعمل لمنع إسرائيل من استثمار الغاز السوري في الجولان وبيعه في السوق الأوروبية. وكانت بعض المواقع قد تحدثت عن إنشاء قاعدة عسكرية روسية في عفرين، للحرص على عدم ترك الأكراد لقمة سائغة لواشنطن، مع احتمال استخدام روسيا قواعد عسكرية إيرانية لمكافحة الإرهاب في سوريا. واليوم حان وقت تقسيم الكعكة السورية بين «الكبار»، فمخطّط تقسيم سوريا إلى دويلات، أصبح واقعاً حيّاً ولم يعد سيناريو محتملاً في الشمال والجنوب، بعدما كشر أصحاب الأجندات المتصارعة عن أنيابهم، وأصبحت لغة القوة هي من تحكم خريطة المعادلة السياسية والمصالح المشتركة بالمنطقة، والتي ترجّح وجود تفاهمات أميركية روسية غير معلنة قد تنطوي على تنازلات متبادلة مع حلفائها بشأن الصراعات في الشرق الأوسط. نصَّار وديع نصَّار
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©