الاتحاد

عربي ودولي

تيار الإسلام السياسي هزم نفسه بصراع السلطة


القاهرة- حلمي النمنم:
تخصص الباحث الفرنسي 'جيل كيبل' في دراسة جماعات الاسلام السياسي، فقد أصدر في العام 1984 دراسته عن الحركات الاسلامية في مصر بعنوان 'النبي والفرعون' وتوالت الأبحاث والدراسات في هذا المجال وفي عام 2000 اصدر كتابه 'جهاد··انتشار وانحسار الاسلام السياسي' وأعيدت طباعة هذا الكتاب، ومؤخرا صدرت الترجمة العربية له في القاهرة، وقام بها نبيل سعد وراجع الترجمة استاذ الفلسفة بجامعة حلوان د· أنور مغيث، الذي قضى 12عاما من شبابه في فرنسا، دارسا وباحثا· وجاء الكتاب في 552 صفحة، بينها اكثر من مئة صفحة للهوامش والمراجع··وكانت هذه الدراسة عند صدورها تحمل قدرا كبيرا من الجرأة العلمية، اذ أشارت بوضوح وتأصيل الى تراجع ظاهرة الاسلام السياسي، وكان التراجع ملحوظا للكثيرين، وهناك مقالات وتحليلات عديدة، صحفية في معظمها، نبهت الى هذا التراجع·
'كيبل' توقف كباحث ليدرس الموضوع بتدقيق اكثر، وقد قام بمغامرة، اذ انه تناول الظاهرة عبر العالم كله، فهو يدرس الحالة في مصر والجزائر والسودان والسعودية وافغانستان وماليزيا واندونيسيا ويتوقف عند ايران ثم يعبر الى اوروبا ليتابع هذا التيار بين الجاليات الاسلامية هناك، فضلا عن البوسنة والهرسك، ويمتد بصره وعقله الى الولايات المتحدة، وقد أغراه بذلك عدة أمور، منها: مرور جيل كامل على انتشار تيار الاسلام السياسي، وتنوع الادبيات والكتابات والتحليلات حول هذا الموضوع، هناك ايضا هذا الانتشار الواسع والعناصر المشتركة من العالم العربي الى بلدان آسيا الاسلامية وأوروبا، وتتمتع الدراسة بميزة النظرة البانورامية الواسعة والممتدة الى حد القول، دون تجاوز كبير، اننا بإزاء عمل موسوعي، فيه ميزة الاحاطة والشمول، لكنه يحمل ايضا بعض السلبيات مثل التغاضي عن الكثير من خصوصيات كل مجتمع وظروفه الاقتصادية والثقافية ،فالخلفية الثقافية والسياسية للمجتمع الايراني تختلف عنها في المجتمع المصري، ولعل هذا ما جعله يشعر بتناقض او اشكالية إذ نجح آية الله الخميني في ايران في ان يقود ثورة ويسقط حكم الشاه عام ،1979 بينما لم يتمكن قتلة السادات في مصر من الاستيلاء على الحكم او قيادة ثورة وتحريك الشارع المصري معهم على غرار ما حدث في ايران·
فيتنام وأفغانستان
لقد ظهرت الحركات الاسلامية المصرية في أعقاب حرب اكتوبر ،1973 وفي رأي المؤلف ان الذي انتصر في هذه الحرب هي السعودية التي قادت الحظر النفطي اثناء الحرب، وأدى ذلك الى ارتفاع اسعار النفط وظهور ما بات يعرف باسم 'البترو دولار'، وصعدت تلك الحركات بسرعة، وبنفس السرعة تراجعت، ويتم رصد اتفاق 'دايتون' للسلام في منتصف التسعينيات باعتباره بداية التراجع، والذي عقد بخصوص مناطق يوغوسلافيا السابقة، وكانت الحركات السياسية الاسلامية تراهن على اقامة دولة اسلامية في البوسنة والهرسك، وثبت فشلها وعجزها عن تحقيق هذا الحلم، لكن الاسلام السياسي حقق نجاحا ساحقا في افغانستان، حينما تمكن المجاهدون الذين جاءوا من مختلف بلدان العالم العربي لمواجهة الزحف السوفيتي على افغانستان من إجبار السوفيت على الانسحاب، وكان السوفيت قد زحفوا على افغانستان في عام ،1979 هذا النصر الذي تم في افغانستان شاركت فيه اطراف عديدة، اهمها الدول العربية التي قامت بالتمويل ودفع الرواتب للمجاهدين، وهناك ايضا الانظمة والدول العربية التي هيأت الجو لشبابها المتحمسين كي يسافروا وقدمت تسهيلات كثيرة لهؤلاء الشباب، حدث ذلك في مصر على وجه التحديد، زمن الرئيس السادات، وفي الجزائر ايضا، وهناك الدعم الاميركي الضخم وتمثل في الجانب الاستخباراتي والتسليح·
وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة قدمت للمجاهدين صواريخ 'ستنجر' المحمولة، بينما حرمت منها جميع الجيوش العربية الصديقة لاميركا·· والحقيقة ان افغانستان كانت بلدا مسلما تم احتلاله من الشيوعيين، لكنها ايضا كانت ساحة انتقام اميركية من السوفيت في الحرب الباردة، وكما جعل السوفيت فيتنام مهانة لأميركا في الستينيات حتى مطلع السبعينيات، جعل الاميركان افغانستان مقبرة للاتحاد السوفيتي كله، فقد كانت الهزيمة السوفيتية بداية لانهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية كلها، وبعد ذلك تحولت افغانستان الى موقع لاستقبال المجاهدين، واتجه اليها اسامة بن لادن·
ويوجه 'كيبل' الانتقاد الشديد الى اميركا، فحين كانت حكومة السودان تسعى لتوطيد علاقتها بالغرب قامت بتسليم الارهابي العالمي كارلوس، وكان لديها اسامة بن لادن، وعرضت تسليمه للولايات المتحدة، لكن اميركا رفضت، فلم تكن لديها اعتراضات او اتهامات ضده، ولم تكن اميركا تريد الدخول في صراع مع المجاهدين، واقترح الاميركان تسليمه الى السعودية، لكن المملكة رأت في تسلمه 'هدية مسمومة' ورفضت، فكان ان اتجه الى افغانستان، ودارت الايام دورتها وتأسس تنظيم القاعدة واعلن هدفه وهو الجهاد ضد اميركا تحديدا·
القومية والاسلامية
ازدهر الاسلام السياسي في البلدان العربية على انقاض الفكرة القومية، التي شغلت المنطقة منذ العدوان الثلاثي على مصر 1956 وازدهرت في الستينيات بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وفي الثمانينيات اكتشف عدد من الكُتاب ومفكري اليسار والقوميين العرب ان الاسلام السياسي يمتلك جاذبية جماهيرية وشعبية، بينما عانت افكارهم عزلة وتهميشا حقيقيا، ومن هنا راح عدد منهم يغازلون التيار الجديد، وتصور بعضهم ان هذا التيار يمكن ان يوصلهم إلى الجماهير، وتطرف بعض هؤلاء القوميين واعتنقوا افكار الاسلام السياسي، مما شكل الظاهرة التي باتت تعرف في الادبيات العربية باسم تحولات الكتاب والمفكرين ويبرز هنا بوضوح اسماء الراحلين محمد جلال كشك وعادل حسين ومن الاحياء يبرز اسم د· محمد عمارة والمستشار طارق البشري في مصر وغيرهما·
السباق بين حماس والمنظمة
وامتد تيار الاسلام السياسي الى القضية الفلسطينية، وحتى النصف الاول من الثمانينيات كانت الهوية والقومية العربية تتبلور في القضية الفلسطينية، من خلال منظمة التحرير، كانت القومية والتيار اليساري المناصر للعالم الثالث تساند القضية ومنظمة التحرير، ولكن هذه المنظمة اضعفت بسبب القمع الاسرائيلي وتوجه الاهتمام العربي الى افغانستان، حتى ان احد قادة المنظمة تمنى يوما لو ان 10 في المئة من الدعم العربي المتجه الى افغانستان يذهب اليهم ليحل مشاكلهم ويساعدهم في النضال، وصحيح ان عبدالله عزام الفلسطيني الاصل استاذ اسامة بن لادن، ظل وهو في معسكر بيشاور يردد ان فلسطين مثل افغانستان، لكن الخطاب حول فلسطين ظل قوميا وليس اسلاميا، وتغيرت الصورة مع الانتفاضة الاولى في عام 1987حيث تمكن اطفال الحجارة من تحدي الترسانة العسكرية الاسرائيلية وأحرج هؤلاء الاطفال الدولة العبرية سياسيا وأخلاقيا امام العالم كله، وقد اصاب الحجر الفلسطيني قادة اسرائيل بالرعب الحقيقي، حتى انهم أقدموا للمرة الاولى على الاعتراف بمنظمة التحرير وبدأوا التفاوض معها سرا ونتج عن هذه المفاوضات اتفاق اوسلو بين الجانبين، لكن هذه الانتفاضة ادت الى ظهور 'حركة المقاومة الاسلامية' وحملت حروفها الاولى اسما اشتهر فيما بعد والى اليوم هو 'حماس' وبدت 'حماس' منافسا قويا لمنظمة التحرير وايضا لحركة الاخوان التي ترددت في الشهور الاولى للانتفاضة في تحمل المسؤولية خوفا من ان يسحق القمع الاسرائيلي الانتفاضة وجماعتهم في آن واحد، وخوف آخر من أن يفلت الشباب الفلسطيني الفقير من سطوة الجماعة الى منظمة التحرير·
ورغم ان الشيخ احمد ياسين مؤسس حماس هو في الاصل ينتمي الى الاخوان، إلا ان الاخوان اعطوا 'حماس' شكلا مستقلا عنهم، وكان الاخوان متخوفين من الحركة الجديدة التي قامت على اكتاف اطباء ومهندسين ومدرسين ومثقفين خرجوا من الطبقة الوسطى المتدينة، ومعهم مبادرة الشباب الفقير الذي يحمل الحجارة، وامام ضغوط هؤلاء الشباب وإلحاحهم وربما التهديد شارك التجار في الانتفاضة بإن صاروا يغلقون محالهم، وبدخول التجار أعلن الاخوان تحملهم للمسؤولية وصار الطريق مفتوحا لتكوين حركة اسلامية قوية، وفي مارس 1988 تمكن القمع الاسرائيلي من سحق خلايا الجهاد الاسلامي·
وهكذا صارت 'حماس' بلا منافس ديني حقيقي في فلسطين، وعملت في مجالات ثلاثة هي الديني والاجتماعي والسياسي، فقد راحت تكلف الشباب بمعاقبة 'المنكر' في أوساط الطبقات الوسطى والبرجوازية منددة بعاداتها المأخوذة عن الغرب وبإعتبارها اثرا من آثار 'الفساد الاخلاقي اليهودي' ويدخل في نطاق الهجوم على النشاطات غير الاسلامية مواجهة مستودعات الخمور والحانات وإلقاء المواد الكاوية على وجوه الفتيات السافرات ومواجهة النخبة 'العلمانية' الفاسدة· وفوجئت منظمة التحرير بالانتفاضة وبتحرك 'حماس' ورأت فيها تحديا لهيبتها·
أقامت قيادة المنظمة في تونس توازنا دقيقا مع كوادرها في الداخل، وكونت ما عرف باسم 'القيادة الوطنية الموحدة' لتكون اداة توازن وربط بين قيادات الخارج بزعامة عرفات وقيادات الداخل، وتنافست 'حماس' والقيادة الموحدة منذ صيف 1988 على الفوز بولاء الناشطين في الانتفاضة بأن قاموا بنشر مواعيد وأوقات متباينة لأيام الاضراب الاجباري وأيام العمل، وأي موعد يتناقض مع الموعد الذي اختارته 'حماس'، وانتهى هذا التنافس الى فوز 'حماس' والاسلاميين، وأقرت المنظمة بالمسألة فتركت لهم تحديد المواعيد التي يرونها مناسبة لهم، وكانت تلك المرة الاولى في تاريخ القضية التي ينجح فيها الاسلاميون في فرض ارادتهم على الوطنيين والقوميين وبدا التنافس حادا بين الطرفين، المنظمة تستفيد من الانتفاضة في الضغط على الدولة العبرية لتتفاوض معها، وحماس تعمل على تجميع المعارضة ضد نهج المنظمة باعتبار انها وقعت فريسة الخداع اليهودي وكان تهرب اسرائيل من التفاوض وتشددها في رفض اعطاء الفلسطينيين حقوقهم يمنح 'حماس' مزيدا من الانصار والاتباع، خاصة ان الاوضاع الاقتصادية في الضفة وغزة اخذت تسوء·
وعندما غزا صدام حسين الكويت في 2 أغسطس 1990 كان التيار الاسلامي في فلسطين قد بنى كوادره واجتذب معه الشباب الفقير، وكذلك الشباب المتعلم من الطبقة الوسطى ونجح هذا التيار في ان يشارك المنظمة هيمنتها على الداخل ولولا شخصية ياسر عرفات الذي كان قادرا على تغيير مسار الاحداث وكان قد اكتسب خبرة وحنكة شديدة لاطاحت حماس بالمنظمة بعيدا وكان ياسر عرفات في السنوات الاخيرة قد غير خطابه من المعاني القومية الى البُعد الاسلامي حيث كان يكثر من الاستشهاد بآيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في الجهاد·
مصر والجزائر
وفي مصر وفي الجزائر ليس هناك جديد يقدمه الباحث فهو يرصد وقائع ما جرى وينتهي الى امر مشترك في البلدين، الاول ان الجماهير نفرت بشدة من الاسلاميين من جراء العمليات الارهابية التي قاموا بها في الجزائر ووصلت الى حد قتل الشيوخ والاطفال والاعتداء على السيدات وفي مصر سقط كثير من المواطنين والاطفال الابرياء ضحايا العمليات الارهابية وبعد ان كان المواطنون ينظرون الى رموز هذا التيار على انهم صالحون ويعدون بالخير والامان صاروا كابوسا ومن ثم انصرفوا عنهم والثاني ان الدولة في البلدين تمكنت من قمع هذا التيار استنادا على رفض الناس له وقد اتاح ذلك لانصار هذا التيار ان يعدوا انفسهم شهداء وضحايا القمع والديكتاتورية وبدأ الفشل والتراجع يظهر·
وفي افغانستان تمكنت طالبان من الحكم واقتتل الاسلاميون -المجاهدون سابقا- فيما بينهم قتالا عنيفا وكان القتال في سبيل الصراع على السلطة اما طالبان التي حظيت بمساندة من المخابرات الباكستانية وتساهل اميركي فقد قدمت صورة مروعة للحكم الاسلامي اذ فرضت حالة من الصمت على المرأة ومنعتها من الخروج الى الشارع والسوق واضطهدت الرجال ايضا ،وكانت الولايات المتحدة تتساهل فقد كان هناك دور معقود على طالبان لتأمين نقل الغاز الذي ظهر في احدى الجمهوريات السوفيتية السابقة المجاورة وفيما بعد لم تتحقق هذه الصفقة ومن ثم فقدت طالبان جانبا كبيرا من دورها ووجاهتها لدى اميركا·
وفي السودان دب الشقاق بين المفكر الاسلامي المعروف د· حسن الترابي والرئيس السوداني عمر البشير وابعد البشير الترابي في 29 ديسمبر 1999 رغم انهما قادا انقلابا اخذ الطابع الديني على الحكم الديمقراطي الذي كان قائما من قبل ·
وعشية هذا الابعاد نشر كاتب سوداني مقيم في لندن هو عبدالوهاب الافندي مقالا يتحسر فيه على هذا الفشل في افغانستان والسودان فبعد ان كانت افغانستان ذروة نجاح المجاهدين وتألق الاسلاميين صارت هزيمتهم ايضا فقد رأى ان الفشل هنا لا يأتي من تدخل عنصر خارجي' مؤامرة من الغرب' مثلا ولا قمع حكومة ودولة فإن ما فعلته الحركات الاسلامية بنفسها في السودان وافغانستان فاق كل طموحات واماني الخصوم لانه ضرب هذه الحركات في مصدر قوتها الاساسي وهو مكانتها الاخلاقية فمشهد الاسلاميين وهم يلعنون بعضهم بعضا او يقتلون بعضهم بعضا مشهد بليغ في دلالته فهو يغني الخصوم عن سنوات بل قرون من الحملات الدعائية ويمحو تماما سنوات من النضال في نشر الايمان ·
والغريب ان هذا الصراع لم يكن حول موقف ايماني او قضية دينية بل كان حول الجاه والسلطان اي الامور والمطامع الدنيوية وكان الأحرى بهم ان يبتعدوا عن هذا الصراع فما بالنا اذا كان هذا الصراع قد ادى الى فتنة والفتنة اشد من القتل؟ فقد تناسوا الممارسة الديمقراطية عندما وصلوا الى السلطة وتحولوا الى مستبدين رغم ان مؤسس جماعة الاخوان نفسه حسن البنا اعترف في احدى رسائله بان النظام الدستوري البرلماني هو الاقرب الى روح الاسلام، ويحذر الكاتب من عدم حل الحركات الاسلامية لهذه المعضلة 'اذا لم تنجح الجماعات الاسلامية في حسم هذه المسألة فستكون ضربة قاصمة لآمال الاحياء الاسلامي وقد تصبح بهذا وبالا على هذا الاحياء ربما اكثر من الحركات الشيوعية والعلمانية المتطرفة لانها تضرب الاسلام في مقتل لا يستطيع اعداؤه ان يصيبوه فيه'·
وما لم يشير اليه الكاتب السوداني هو التراجع ايضا في ايران مع ظهور الكثير من المشكلات داخل المجتمع الايراني في ظل الجمهورية الاسلامية مما ادى الى ظهور ما بات يعرف باسم التيار الاصلاحي·
وفي ماليزيا كان الامر مختلفا فقد اتهم مهاتير محمد غريمه انور ابراهيم احد رموز التيار الإسلامي باللواط وكان ذلك اتهاما بشعا في حق الاسلاميين وكشف عن ان التيار الاسلامي هادن مهاتير بل رحب به وهو في السلطة رغم ممارساته المستبدة·

اقرأ أيضا

السلطة الفلسطينية مستعدة للتفاوض مع رئيس وزراء إسرائيلي جديد