الاتحاد

دنيا

رحلة الصبر والصبّار


بقلم ـ د· صلاح فضل:
تهدي الروائية الفلسطينية الكبيرة سحر خليفة، روايتها الأخيرة المنشورة في القاهرة 'ربيع حار' إلى جاراتها السابقات من 'نساء حوش العطعوط' في نابلس القديمة، لتحفر - كما تقول - التجربة في الذاكرة ووعي الأجيال· وهي خلاصة تجربة التحولات الإنسانية المثيرة للشباب الفلسطيني، كما تجسدت خلال الاجتياح الإسرائيلي لنابلس، إبان حصار مقر الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله قبيل وفاته·
ومع أن جذور المأساة الفلسطينية المروعة، وأطيافها الممتدة، لم تغب عن مخيلة الكاتبة في كل أعمالها الروائية السابقة، غير أن هذه ليست هي المرة الأولى التي تجازف فيها سحر خليفة بالإمساك بقرون الثور، واقتناص الوقائع المباشرة بهدف توثيقها فنياً، تاركة لقلمها أن يغرق في دم الأحداث الساخنة، لتعيد بناء مشاهدها، بعد أن تدمج فيها ما دبجته من نماذج إنسانية أتقنت تخيلها، وصنعت عوالمها، ثم ألقت بها في أتون الوقائع التاريخية· وبقدر ما يتسع فضاء التخيل الإبداعي في الشطر الأول من الرواية، ليرسم برهافة شعرية فائقة تشكل روح هذه النماذج بطاقاتها الفنية والإنسانية الفذة، ينكمش في الشطر الأخير، ليقتصر على مشاهد وأد هذه الطاقات في الصراع المحتدم مع آلة الحرب الجهنمية، وما يفضي إليه من تحولات مصيرية موجعة مفتوحة على المجهول·
مجيد وأحمد ابنا فضل القسام، صاحب مكتبة عين المرجان، الذي أصبح بحكم الخبرة والمعاناة مراسلاً صحفياً، وكل منهما يمتلك موهبة فنية واعدة، فالأكبر مطرب موهوب، والأصغر عاشق للرسم والتصوير، يفاجئه أخوه جالساً على ربوة بعيدة، ممسكاً بآلة التصوير الجديدة في يده، يناوشه: ' خدلى صورة، إذا فزت في مسابقة الغناء والموسيقى بالجامعة، وصورتي طلعت في الجريدة لك عندي مفاجأة معتبرة· ابتسم أحمد وأشار إليه أن يقف بعيداً· وقف مجيد وظهره للغرب، قرب الزوم وبعد الزوم فرأى المستوطنة خلف أخيه كما لو كانت من حوله، فهذه شجرة، وهذا قرميد، وهذه مرجوحة، وهذه بنت، بنت شقراء بذيل فرس مثل اللعبة، حلوة وجميلة كما الصورة· هل تحكي عليه، عبري، هل تفهم عليه إذا كلمها ؟ لن تفهم عليه، ولن تعرف أن لسانه يتعثر به، هل تخجل مثله من الناس ؟ في مثل عمره أو أصغر، في أي صف ؟ ألديها ساعة سويسرية ديجتال مثل التي أهداها له أبوه بالأمس، هل تحكي معه إذا حاكاها· هي مستوطنة وأبوها مستوطن يهودي، وهذا يعنى أن أباها لديه رشاش وسوالف وهو أيضاً من وسخ البشر، أبوه يقول المستوطنون هم أوسخ البشر، لكنها لا تبدو وسخة ولا قبيحة، بل هي حلوة وحين تهوى بالمرجوحة تضحك وتكز بأسنانها على شفتيها فتبدو وجنتاها كمشمشتين بيضاوين مشربتين بالحمرة '· هكذا تبدو في مقلتيه مفارقات الواقع من منظور صبي مراهق برئ يرث الأحكام والأحقاد دون أن يدرك أبعادها في أول الأمر، لكنه عندما يشاهد صور الكاميرا مطبوعة يفتن أكثر بالصبية الشقراء، ويتسلل مرات قرب مستوطنة ' كريات شيبع '، حيث يجد هناك صبياً من أقربائه يعمل في حديقتها، فيسهل له ' عيسى ' مهمة لقاء الفتاة وتبادل بعض الكلمات معها عبر السياج ' أشارت على عينيه حين خلع النظارة وقالت ' عينا يم ' قال مصححاً ' عينان· عينان ' أشارت على أذنها باسمه وقالت بوضوح كما لو كانت تعلمه ' أذنايم '·· مدت يدها نحو السياج والكاميرا وقالت ' يدايم ' سر كثيراً وازداد ثقة بنفسه ووضع كفه على صدره وقال ببطء ' أنا أحمد ' تأملته وابتسمت وقالت ' أهمد '·· ثم سمعها تقوى ' آني ميرا '·· وهكذا صارا صديقين، أو ربما مشروع صداقة، سر صداقة، سر لا يجرؤ على البوح به حتى لأخيه ولا لأمه، فمن هي صديقته هذه ؟ ابنة مستوطن بطاقية ورشاش ضخم وأبوه يقول من أوسخ البشر·· لكنها لطيفة ونغشة وتحب نط الحبل بعكسها للصداقة، إلا الكاميرا ودرس الرسم والقراءة'·
الطفولة واللغة والبراءة والفتنة تمهد للصداقة ، ترى كيف تمزق الأحداث هذه الخيوط الرقيقة في حلبة صراع يجعلها صداقة مستحيلة؟
مفاصل التحول
هذه البدايات الحالمة بالحب والفن والحياة هي وحدها التي تجسد عنف تيارات الواقع المضاد· من المفارقات المدهشة في الرواية أن كلا الأخوين الحالمين يتحولان إلى الثورة تورطا قسريا لا اختيارا إراديا، فالرسام الصغير تختفي قطته المحبوبة وتسود الدنيا في عينه، فإذا ما علم بأنها تبعته إلى سور المستوطنة ودخلتها فاحتجزت هناك عند صديقته ميرا، اجتهد في التسلل إليها بمساعدة قريبه لاستنقاذها، عندئذ تدق أجراس الإنذار وتنهشه الكلاب ويعامل بوحشية لأنه عربي، وتلفق له تهمة زرع المتفجرات دون أن يصدق أحد حكاية القطة ليجد نفسه في السجن في نهاية الأمر· أما أخوه الأكبر الذي كان نجم حفلات الغناء والطرب الحماسي فقد كان يعمل لكسب نفقاته بستانياً في حديقة ' الوشمي '، نموذج الفلسطيني المهجن ذي النفوذ الكبير والصلات المشبوهة، وقد وعد مجيد بأن يحصل له على منحة لدراسة الموسيقى في إيطاليا بغية إبعاده عن ابنته ' لورا ' المتعلقة به، وعندما وقعت حادثة أخيه حاول توسيطه للإفراج عنه، فالصبي غرير والتهمة ملفقة، تقوم بينهما مشادة يخرج على إثرها الشاب مهتاجا ناقما على الظلم، وفى اليوم التالي يعثر على ' الوشمي ' مضرجا بدمائه فتتجه أصابع الاتهام لمجيد، عندئذ يجد نفسه هائما في البرية، مشاركاً في العمل الثوري دون أن يقصد ' قال له الثوار: أنت منا، فابتسم بأسى لأنه لا يعرف من الثورة إلا كلمات كان يغنيها في الحفلات والمهرجانات، فيمس النبض من القاعة ينتقل إليه، فيعلو صوته ويندفع الدم إلى قلبه وأصابعه، فيغدو الجيتار هدير رعد· قال له أبوه: حركت الناس، وهمس: طبعاً طبعاً، لكنه في أعماقه كان يعرف دوافع نفسه، يريد أن يصل إلى ' مارينا ' يصبح مثل عمرو دياب·· وها هو الآن بين الشجر تحت الزيتون يختبئ في مغارة منحوتة في بطن الجبل مثل الماعز، اليوم هنا وغداً هناك، والمشي ليلاً في الطرقات الجبلية وهم يحملون حوائجهم وقنابلهم وبعض الديناميت، أحياناً يفجرون سيارة جيش، أو يزرعون العبوات، أو يتسللون لمستوطنة وينسون محطة كهرباء سكنهم في العمق كانوا يعرفون أن العدو أقوى منهم' ولا يقتصر أمر الرواية على طرح هذه الهشاشة الطبيعية في نفوس الشباب، وإنما يتجاوز ذلك إلى تجسيد تعدد الأصوات والميول والاتجاهات بالنسبة لكل شئ، للكفاح المسلح نفسه وجدواه، ولموقف السلطة ورموزها ولطريقة تجنيد الفصائل للشباب وإقناعهم بقوة الإيمان الذي يفوق الذرة وينتصر على الشيطان·
التحام المصائر
تنهمر الرواية بمشاهد المقاومة وحصار مقر الرئيس الراحل عرفات، ولكي ترصده عن كثب تجعل رفاق مجيد يحملونه إلى المقر وهو مصاب في غيبوبة متقطعة مع عدد من زعمائهم المطاردين، تنصهر بذلك أقدار الأفراد المتخيلين مع مصائر الوطن المعروفة· تقوم جدته في نابلس بدور بطولي آخر في حوش العطعوط عبر قصيدة سردية، تتناغم فيها أعمال النساء مع مصارع الرجال: 'جمعت نسوان كل الحارة ووزعت عليهن الأدوار، أربعة للأرز، أربعة للعجين، أربعة للطبخ وتقشير الفول والبطاطا وتقميع الفاصوليا والبامية، مطبخ عظيم يطعم مئات المقاتلين وسكان الحوش··· حوش الفقراء والثورة، حوش العتمة والفضاء والضوء يضوي على كل المحرومين·· قالوا اليهود وصلوا الدوار، فقال الشباب: خلينا نشوف مين راح يدخل، كانوا قد أعدوا الكمائن وزرعوا الألغام في المداخل، في كل زاروب وحاكورة، في كل مدخل للقصبة، أمام الجامع، باب الساحة، خان التجار، البلدة القديمة أو القصبة، نابلس عروس الليل، عروس الماضي والحاضر، ومتحف الآثار، بمآذنها وجوامعها قباب السوق والحمامات ورائحة القرفة والصابون، كبرت، شاخت، أمست كعجوز ألفية، رغم السنين ظلت حلوة بعطر التاريخ، جوها عنبر، أرضها سكر أحشاؤها لوز وصنوبر، هي في الماضي قلب نابض، هي في الحاضر حب أكبر'·
لكن هذه القصيدة السردية لا تستطيع أن تحجب المصائر السوداء عن البلدة، فالخونة والعملاء، أمثال الوشمي وعيسى الذي كان يعمل في المستوطنة وغيره ممن اخترقهم اليهود يرشدون الأعداء ليلاً إلى مواقع الألغام ويتم اقتحام المدينة وإذلال شبابها ونسائها· والأنكى من ذلك يتحول المقاتلون إلى نجوم للسلطة، مجيد بعد أن يتعافى من ارتجاج المخ يندمج في لعبة السياسة، تجري معه لورا الوشمي التي أصبحت مذيعة فضائية حواراً تليفزيونياً يتألق فيه ويدمن عليه، يدخل ميدان المناورات السلطوية، بينما يتحول أخوه إلى مجرد ممرض على عربة الإسعاف يمارس تصوير مشاهد البرش والدمار والدم من حين لآخر، تبرق كذلك في الرواية عشرات القصص المثيرة عن وفد الدروع البشرية الذي جاء ليفتدى أبا عمار ويشاركه مصيره· كما تزخر المناقشات الساخنة التي تدور بين أبناء الداخل والخارج وممثلي السلطة والفصائل بلقطات مضيئة عن تسرب الخلل إلى بنية المجتمع ذاته وهو في أوج لحظاته النضالية في تناقض إنساني وحيوي مثير للتأمل·
لكن الرواية تصل لذروتها المأساوية في مشهد الجرافات التي تنقض على بيت القسام لتقيم الجدار العازل على أنقاضه، تجتمع حينئذ في عدسة المصور الشاب، كما حدث في البداية أطياف الشخوص المتناثرة في بؤرة فاجعة، تتوحد فيها: ميرا ' التي انضمت لدعاة السلام مع صوت أبيه الذي يحذره كي يبتعد عن الجرافة، فتتوالى صور الأحداث مثل السينما، شاشة سريعة، فيلم معطوب، داخل عقله إن بقى عقل، حتى اندفع بكامل أجنحته مثل الصاروخ نحو العسكر، تأرجح، تطير الروح مثل الأوزون، يصيح الوالد: ابني استشهد' وهكذا تنتهي رحلة الصبر والصبار كما تسميها سحر خليفة في عنوان فرعى، وهى تستقطر من رحم الأحداث مرارة التجربة بكل ما فيها من نبل وضعف وانفتاح على أسئلة المستقبل·
ينشر بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

اقرأ أيضا