أحمد فرحات - بيروت ـ «الاتحاد الثقافي» منذ السبعينيات من القرن الفائت، وفي باريس، حوّل الشاعر عبد القادر الجنابي تجربته الشعرية إلى مؤسسة انقلابية، هي رهان مغامراتها الحرّة والمفارقة في لوحة الحداثة الشعرية العربية، ولا أبالغ إذا قلت العالمية، وخصوصاً بعد إصداره في العاصمة الفرنسية مجلة «الرغبة الإباحية» 1973.. ثم أعقبها بمجلة «النقطة» 1982.. ثم بمجلة «فراديس» 1991. وعلى الرغم من أن بعض النقاد والدارسين لمسار الحراك السوريالي العربي في الشعر والفن، أعتبره امتداداً طبيعياً، لفتوحات كل من الشاعر السوريالي المصري جورج حنين (1914 – 1973) والرسام السوريالي المصري رمسيس يونان (1913 – 1966)، إلاّ أن عبد القادر عرف كيف يستأنف بدء النشاط الشعري السوريالي العربي بأسئلة مغايرة وضاربة، فرضتها طبيعة التحوّلات الحضارية المعقدة نفسها على المستويين العربي والعالمي. كلما طالعته ــ يقول الشاعر أنسي الحاج ــ «وجدت الكلمات تعود من غربة وظائفها اليومية إلى أرض إمكاناتها الشعرية، تقوم من الموت وتدعونا معها إلى القيامة. هو الحياة، لا تقليد الحياة، والجذور معه تنبش، مقلوبة، تربتها بالرفض، وتعيد إخصابها بعد جفاف عصور، بمطر التمرّد الكريم». ويردف أنسي: «الزمن معه لا يمر: إنه يحفر في داخل كهف الحلم، منبجساً من تحت ماء نبع لا ينضب. هو نبع اللاوعي الأبعد غوراً من فجر الحياة، وكلما قرأتَ له، ألقى أحجاراً في برك لاوعيك. وهذا المحرّض للباطن والذي يقول إنه بلا ذاكرة، يملك أجمل الذاكرات، تلك التي أقبلت بلا برمجة، ورغم اكتنازها بالأطياف الحبيبة وتلك الرجيمة، بدت وكأن المستقبل صار وحده ماضيها. وحتى لو كرهتَ الكتابةَ، وبات العيش عندكَ هو توأم الفكر، تظلّ كتابته تثيرك، لأنها تقفز أبعد من «الكتابة»؛ ولأنه مهما أمعن في تقصّي الألفاظ واللعب بكيميائها، يظلّ خارج «الجثمان الأدبي»، وفي مهبّ ذاته الملتهبة بألف حريق: من نار الغربة الأهلية والوجودية إلى جحيم الحياة والموت». وعبد القادر الجنابي (البغدادي المولد - 1944 والفرنسيّ الإقامة الدائمة) يعرف أنه يغيّر ويتغيّر، ولذلك، كان ولا يزال، نتاج نفسه وبحّار نفسه في الرحلة الشعرية المفتوحة، التي يراها محرّرة دائماً من أي مونوبول أخلاقي أو مسبّقات إيديولوجية أو محمولات وظيفية بذاتها، اجتماعية أو سياسية أو ثقافية.. إلخ. فيقين الحقيقة الشعرية لديه، قائم في متنها، وفي محو هذر الكلام؛ وفي الصمت كسلّمٍ إلى الجوهر.. ومناسبة الشعر هي نفسه فقط، ما يتولّد منها ويرتدّ إليها. هنا حوار بانورامي معه، حاولنا خلاله ما أمكن، الوقوف على صندوق عجائبه واغتراباته وأحواله بعامة. * أنت شاعر.. ماذا تريد من الشعر؟ ** أن أتمكّن من إبقائه نوراً لي في مملكة الضرورة، فبفضل الشعر اكتشفت علاقات جديدة بين الأشياء؛ لكنني، في المقابل، لا أعرف ماذا يريد هو منّي؟ * وماذا بوسع الشاعر أن يفعل أمام خراب هذا العالم.. أمام هذا الخواء واللامعيارية في كل شيء اليوم.. شرقاً وغرباً؟ ** لا شيء. مهمة الشاعر، إذا كان ثمة من مهمة له، لا تكمن في إيجاد حل لمعضلة اجتماعية أو أخلاقية، بل تنحصر في أن يكون شاهداً على صراحته في كل لفظة، في كل صرخة، في كل صمت يعيشه حين تتنزّل عليه القصيدة. ينبغي التخلّص من هاجس أن الشعر حماسةً، وأن الشاعر قوّام على الروح. وأن العالم دائماً في خراب ما أو يتّجه إلى خراب ما. الخواء واللامعيارية، لا تأثير لهما على عمل الشاعر الحقيقي، لأنه يشتغل في ما وراء المعطيات المباشرة. * في كتابك «كائنات العزلة.. أنطولوجيا شعرية شخصية» تفرّق بين الوحدة والعزلة، فلا تريد الأولى «تابوتاً يؤويك»، وتميل إلى الثانية، حيث «لا رابط يغويك».. أي عزلة هذه التي تنشد يا صاحبي؟ هل أنت أمام تطهّرية خصوصية للذات من ذاتها أولاً، ومن ثمّ من إرهاق الآخرين وهلاكهم لها، ثانياً؟ ** أريد أن أحتفظ بعزلتي الطبيعية، أي تلك العزلة التي هي ليست نتيجةَ خارجٍ عَزَلَك، ولا هي نتيجة انطواء سبّبه حرمان. إن العزلة التي أتكلم عليها، هي تلك التي أشعر إزاءها بأنني في حضرة نفسي، أتشاور معها بحرية كاملة! إنها علامة على نهوضي صباح كل يوم. * أرى أن شاعر العزلة يظل يحاور نفسه، أي جاذبيات كائناته الداخلية، ويحاور الأشياء المحيطة بعزلته. هو إذاً وسواس نفسه القهري، ووسواسها الرحب، الذي لا يساوي مع العلّة الغائيّة، البتة، حتى ينتهي منها. هو إذاً يتواصل مع نفسه بلا هوادة، وآخر ما يفعله هو تسجيل قصيدته.. ما تعليقك؟ ** صحيح ما تقوله. فقط أضيف أن الشاعر لا يختار العزلة، وإنما يجد نفسه فجأة على وعي بها، بحيث يستنير نصّه بها في اتجاه كمال معيّن. * ألا ترى معي أن الأعمق من القصيدة هو اللاكتابة، هو التأمل الدفين الفسيح، الذي يتناسق ويتآلف بفوضاه ليبدع البناء الكلي والنهائي للتجربة الشعرية الفردية الكبرى، التي رمت بذور أسئلتها من قبل، ربما لمرة واحدة أو لمرات.. لا فرق؟ أكثر من ذلك، إن القصيدة على أهميّتها وعظمتها وريادة حضورها، قد تكون الشهادة التي تُشوّه حالة صمت الرؤية الشعرية وتسديداتها قبل ولادتها؟ ** ليست الكتابة اختياراً بالنسبة إلى الشاعر الحقيقي، وإنما هي قدَرُه. حين يكتب، فإنه في الحقيقة يمحو هذر الكلام. الصمت هو سلّمه إلى الجوهر، حيث تشرب الكلمات، حيث يقيم الإنسان.. ففي ذلك الصمت الكبير، لا تعود الكتابة مجرد تعبير عن... وإنما تصبح رحلة إلى أرض ما؛ وها هو الشاعر ينشقّ عنها، وينطق بها بكل بهاء. كما أن كتابة نص روائي تختلف عن كتابة قصيدة، مع الأولى تشعر بالتعب، بحيث تسرع إلى الانتهاء. أما الثانية، فعلى الرغم من كونها تمثل جهداً حقيقياً أو مكابدةً فعلية، فإنك تظل في معمعانها سعيداً وكأنك تستحم في نهر عذب. المتعة هي في التأليف وليست في المضمون. هذا هو جوهر كتابة الشعر الحديث، المختلفة كلياً عن كتابة أي جنس أدبي آخر. في معنى شاعر سوريالي اليوم * في كتابك «ما بعد الياء.. أعمال شعرية وشقائق نثرية» ضممت الجزء الأكبر مما نشر لك من نصوص شعرية وخلافها، خلال أربعين عاماً في العديد من المجلات والكراريس والصحف والملاحق الثقافية وحتى المواقع الإلكترونية. ما معنى أن يستعيد شاعر كتاباته في توليفة «حدائقية» واحدة؟ أي انقلاب متجدّد على الاستعادات الشعرية هنا؟ وأي كيمياء يريد أن يخرجها من جراء هكذا مزج لولبي مفتوح للنصوص؟ ** أردت أن أختار مما لا يزال مضيئاً من قصائد وشقائق. بعبارة أخرى؛ أردتُ أن أحرّر ما كتبته خلال أربعين عاماً، من زمنيّته المسجّلة في طبعات أولى؛ وذلك بضرب الترتيب الزمني لظهور القصائد في الماضي، أي من خلال وضع قصائد متأخرة في أول الصفحات، وقصائد من المرحلة الأولى في منتصف الكتاب أو نهايته، كما قمت بتنظيف القصائد من النعوت وحروف الجر ومن الزوائد الشعرية على اختلافها. ليس من مهماتي التأرخة لما كتبته هنا، فتلك هي مهمة المختصّين في هذا المضمار. لهذا أقول إن كتابي هذا ليس استعادة لتجربة، أو ترداداً لما سبق وتمّ تسجيله ونشره، بقدر ما هو عبارة عن مسألة نبش واسترداد لما كان مخفياً بين السطور. * صُنّفت مجلة «الرغبة الإباحية» التي أصدرتها في باريس سنة 1973 بأنها أول مجلة سوريالية عربية، وأعقبتها فيما بعد بمجلة: «النقطة».. ثم بمجلة «فراديس».. وهذا، دونما شك، شكّل فتحاً ثقافياً مقتدراً في مشهد الحداثة الشعرية العربية وقتها.. والسؤال الآن: لو قُيّض لك استئناف إصدار واحدة من هذه المجلات الآن، فهل تفعل، أم ترى أن لكل مجلة أدبية زمنها، أو مرحلتها التاريخية وقد أدّتها، ولا يمكن بالتالي إعادة النفخ فيها، مهما حصل، في زمن آخر؟ ** لكل فعل لحظته الزمنية؛ رحلته إلى كهف الأبدية. لكن إن المنطلقات الأساسية لهذه المجلات تمثلت في: نقد الحياة اليومية، نقد التصعيد الثقافي للصبوات الفردية، نقد الأخلاق البائدة، النضال من أجل علمانية يحقّ فيها للفرد ألاّ يكون غيبياً، وأن يكون حراً في التمرّد على الماضي وعبادته وعلى جميع القيم والحماقات السائدة؛ فضلاً عن التحريض على تحرير ثقافة الجسد بتحقيق الحب، بإعطاء السلطة للخيال... الخ. كلّ هذا لا يزال في نظري، راهناً في المجتمع العربي، وأكثر من أي يوم مضى، ولذلك أستطيع أن أقول لك إنها مستمرة، خصوصاً في ما أكتبه من مقالات مختلفة في صحيفة «إيلاف» الإلكترونية. * ما معنى أن تُصنّف بأنك شاعر سوريالي اليوم؟ أليست السوريالية مرحلة شعرية انتهت، أو استنفدت أغراضها وأسئلتها الإبداعية، وأن النسج على منوالها بالتالي، حتى ولو بالتصوّر التجاوزي والمغاير لاحقاً، يُعتبر خوضاً في الكلاسيكيات، وإعادة إنتاج مثل هذه الكلاسيكيات في لغتها نفسها وفي لغات أخرى؟ ** أنا أول من قوّض هذه الصفة؛ وذلك في نص وُزّع في فروع الأممية السوريالية في منتصف الثمانينيات، وكنت نشرته في العدد الرابع من المجلة الإنجليزية التي كنت أصدرها في باريس GRID. وقد أحدث وقتها انشقاقاً مع الفرع الأميركي المعروف بسلفيته الإيديولوجية المنقودة في النداء! وترجم إلى العربية ونشر في العدد السادس من «فراديس» - 1992، أُطالب فيه بالكفّ عن استخدام نعت السوريالية. وإليك ما جاء فيه: «ما إن يصبح كل ما جاءت به السوريالية من ابتكار نهجاً تقليدياً، حتى يتحوّل، ليس فحسب، إلى مادة مومسة يُحسن ويُساء استعمالها، بل إنه أيضاً يعمي بصيرة المرء عن رؤية العنصر الحيّ الكامن في الابتكار، وهكذا يبتر استمرارية الطبيعة الإبداعية والتأويلية المتأصّلة في التناول السوريالي للمواد المعطاة! هذا لا يعني أنه تمّ طمره تحت التراب منذ زمن بعيد، حتى وهو لا يزال فعالاً في السوريالية؛ ذلك أن الرغبة في إحيائه تحتاج إلى شباب متجدّد ومتحرّر من التمسّك «الديني» بالمبادئ، ومستعدّ للشكّ، حتى في المُثل العليا التي ناضلَ أسلافنا من أجلها، أي شباب قادر على قتل الأب، له عين لا تزال في وضعية الخام وأكثر افتراساً من آكلي لحوم البشر، عينٌ بلا ذاكرة، تقوى على تحريرنا من أية هالة تحيطُ بالتراث والأمكنة القديمة، وإلاّ فإننا أسرى جمال الماضي المزيّف، الذي يتّخذ شكل بيت عنكبوت ننظر منه، في غالب الأحيان، إلى غدٍ جوّال». * هل خوَّضت، وأنت المهتمّ بالقطيعة مع تقليديات الماضي، في شعرية ما بعد الحداثة؟ وكيف تفهم مثل هذه الشعرية، التي تضرب بالكليّات الأدبية والسياسية والفكرية والنظرية السابقة كلها، وعلى رأسها السوريالية. لماذا لم تنخرط في السؤال ما بعد الحداثي، والذي بات هو الآخر كلاسيكياً، على حد تعبير الشاعر الأميركي الشاب غاري تيد كرفر؟ ** لا يوجد شيء اسمه شعرية ما بعد الحداثة أو ما قبلها. هناك شعرية واحدة؛ وكلّ شاعر له خصوصيته وموئله في الوصول إلى لبّ الكلمة. كلُّ «ما قبل...» هو جذر كلّ «ما بعد...». أحيانا يَحدث قطعٌ، فتبدأ النبتة بالنمو عينه. لا نكوص ولا تجاوز في الشعر. ثمة حدّان لكل حركة إبداعية: تاريخي وأبدي. السوريالية انتهى حدّها التاريخي. أما حدّها الأبدي فهو «لا يزال يساعد على معرفة الخصائص الحُلمية كلها، وعلى التمتّع بها، ويُمكّن الحلم من أن يكون في الحياة العملية عنصراً ضالعاً في تقرير مصائر البشر»، كما جاء في بيان حلّ الحركة السوريالية، في العام 1966. إرهابي الشعر * يقال إنك «إرهابي» الشعر الحديث.. يخشاك العديدون من شعراء جيلك العرب، وحتى ممن سبق من شعراء.. بماذا تعلق؟ ** تذكّرني بسؤال طرحه عليّ صحفي من قبل ومفاده: «ما إن يُذكر اسم عبدالقادر الجنابي، حتى يُـستـفـز المستمعُ»؟ وكان جوابي على هذا النحو: «ثمة مستمعان على ما أرى: الأول يجهل كل شيء عنّي، بل لم ير، حتى كتاباً واحداً لي.. ثقافته سمعية، يستمدّها مما يقرأه في الصحافة العربية، أو مما يسمعه من هذا أو ذاك؟ الثاني يتابعني عن كثب، يقرؤني في السر، فأشكّل بالنسبة إليه بعبعاً، كما لو أني أزاحمه في مهنة الكتابة، مع علمه التام بأن الكتابة في نظري ليست مهنة، بل هي الهواء الطلق عينه في عالم مؤكسدٍ بالأكاذيب. إذاً، كِلا المستمعين يُشكّل صورة زائفة لمفهوم الكتابة والثقافة، صورة ما زلت أنا مستمراً في إماطة اللثام عنها، واختزالها إلى ما هي طابور خامس في خدمة الوضع السائد!! أنا أعيش لأكتب، ولا أكتب لأعيش. وهذا ما يدفعني في الجوهر إلى أن أتصارع مع واقع يقف قبالتي، ويصدّني عن تحقيق ما أصبو إليه، وأدعو له في كتاباتي: بلورة الحرية دفاعاً عن أعظم حاسّة يمتلكها الإنسان: الحاسّة الشعرية.. هذا الحدس المشكّك بمناهج الأحزاب من كل طائفة وطين. الاستفزاز إذاً، نتيجة طبيعية لكل فعل كتابي حر؛ ولا تنس أن الفكر البشري لم يتطوّر إلاّ عبر استفزاز الوقائع الثابتة والأسماء المؤسسة. الاستفزاز إحدى وسائل الفكر لاستبطان الواقع المحيط. جرّب يا صاحبي أن تستفزّ أي واحد من هؤلاء الذين تظنّهم رفاق درب لك، وستراه على الفور، يكشف، وبكل صلف، عن «تنكه» المجتمعي الصدئ. شخصياً، لم أستفز أحداً رغبة بالاستفزاز، وإنما هذا الأحد بعينه يشعر بأنني أستفزه، ما إن أسميه باسمه الحقيقي؛ فإذا كان – مثلاً - هذا الناشر تاجراً سميناً، أو ذاك الشاعر الكبير مجرد إنسان صغير، فأنا مضطر إلى أن أعاملهما معاً بما يستحقانه: الناشر كتاجر سمين والشاعر كإنسان صغير.. لا أكثر ولا أقل! جيل الستينيات العراقي * يقول الشاعر العراقي الصديق زاهر الجيزاني، «إن ما تركه شعراء الستينيات وأوائل السبعينيات في العراق من تجدّد، باستثناء عبد القادر الجنابي، لا يتعدّى البيانات الصاخبة والخطابات الثوروية التي تحرّض على التجديد، وتحثّ على تجاوز الشكل التفعيلي، لكنهم عملياً التزموا بشكل القصيدة التي فرضها الرواد فنياً «.. لا بأس، ألا ترى معي أنه ظلم هنا شعراء مثل سركون بولص وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي وغيرهم.. وغيرهم؟ ** قبل أن أفتح ملف الستينيات في مجلة «فراديس»، ثم في كتابي «انفرادات الشعر العراقي الجديد» (1993)، لم يكتب أي من كل الذين تراهم اليوم يعيشون على بضاعة جيل الستينيات مقالة تذكر، وإذا وجدت شيئاً قبلي، فإن معظمه قدح بهذا الجيل، فمثلاً فاضل العزاوي كتب في منتصف السبعينيات مقالة في «طريق الشعب» تدين جيل الستينيات كأفكار برجوازية صغيرة. المهم، لم يبقَ من هذا الجيل سوى أعمال شعرية عادية، وهذه هي علّة الشاعر العراقي، أي أنه يبقى صاحب مبادرة من دون أن يأخذ بها إلى نهايتها؛ يبقى دوماً شاعراً واعداً من دون أن يلبّي الوعد، وربما يعود السبب إلى ظروف العراق السياسية. إن الهدف الأساسي وراء فتحي ملف جيل الستينيات بهذا الشكل الواسع عام 1991 في العدد الرابع والخامس من «فراديس»؛ ثم إعداد أنطولوجيا تحت عنوان «انفرادات الشعر العراقي الجديد»، لم يكن لترويج شعر الستينيات على أنه ثورة شعرية... كلا! كان هدفي نبش الماضي نبشاًلا يخافُه إلاّ الذين أسهموا في جعله كابوساً، نبشاً يشرح لنا نحن العراقيين لماذا حلّ بالعراق هذا المصيرُ الذي نعانيه كلنا اليوم، وبالتالي محاولة للتأكيد على أن ما يسمى بجيل الستينيات كان في إمكانه إنتاج العمل الإبداعي المطلوب لولا انقلاب تموز 1968 ونموّه الاضطهادي. لم يأت هذا الجيل بأي شيء يُذكر، حتى أن بعض أفراد هذا الجيل راحوا يكتبون أفضل قصائدهم اليوم، وتحت ظروف مختلفة كلياً. أنا كنت أدافع بالأخص عن سلوك وتصرفات تعبر عن روح متمردة، عن جمر اللامكتوب، لكنك كنت تشعر بشراراتها الخلاّقة في المقهى، في الحانة، في الطريق، في السلوك اللاأخلاقي، في صالات السينما. في نظري، جيل الستينيات لا يوجد إلاّ كسلوك بوهيمي يومي يتصدّره جان دمّو، منعم حسن وقتيبة عبدالله... وهؤلاء لم يكتبوا، وإنما كانت أساليب حياتهم أكبر إلهام للآخرين، على الأقل بالنسبة إليّ آنذاك وحتى اليوم. نعم، صديقي زاهر الجيزاني محق في كلامه. ليس هناك أي ظلم بحق أي شاعر، فالأسماء التي ذكرتها لم تقدم كتابة فعلية، إلاّ في السنوات الأخيرة. خطر الخبرة * هل من خطر للخبرة الشعرية، والتمكّن آلياً من توظيف تراكمها في الذات على الشاعر وقصيدته المقبلة في استمرار، إذ على هذا الشاعر أن يتحرّر، حتى من غِرار الخبرة عينها، وعلى القصيدة دوماً أن تبتكر ما هو الشعر؟ ** القصيدة تولد دائماً للمرة الأولى، وفي كلّ مرّة يشعر الشاعر الحقيقي، وكأنه نسي كيف يكتب قصيدة. الخبرة يحتاجها الناظم لتضبيط ساعة قصيدته. الشعر ليس خبرة بقدر ما هو اصطياد ومصادفة. يكفي أن ينسى الشاعر الشاب كل المساطر والقواعد، وأن يسمع نَفَسَهُ، فالشعر هو نَفَس الإنسان، وأن يستمع إلى النبض الثائر للحظته الحاضرة، حتى يرى أنه منتصب في سدرة الشعر، يتلذذ بأكل فاكهة محرّمة ثقافياً: القصيدة الجديدة. * يقول أنسي الحاج: «إن قصيدة النثر هي اللغة الأخيرة في سلّم طموحه، وسوف يظل يخترعها».. كيف ينعكس عليك هذا القول؟ ** هذا هو ديدن الشاعر الحقيقي. * إلى أي حدّ أنت متحرّر من نرجسيتك؟ ولماذا يتعيّن على الشاعر أن يشعر دوماً بضرورة أن يكون موضع إعجاب الآخرين، وأن يتولّد لديه هذا الوهم المفتوح بأنه شاعر متميّز وفريد، لا يضاهيه شاعر آخر؟ - يعرف الجميع أنني الوحيد الذي يُبدّد طاقاته من أجل الآخرين، وقليل الاهتمام بنفسه ونتاجه. لا، ليست غايتي أن أكون موضع إعجاب الآخرين؛ لكن، نعم، أنا أريد من الآخر أن يكون موضوعياً ويُقيّم ما آتي به من جديد، ومنه مثلاً: إعدادي لأكبر أنطولوجيا عالمية لقصيدة النثر الحقيقية، وترجمتي لوليم كارلوس وليامز، (صدرا مؤخراً عن دار التنوير- بيروت) وكتابي الضخم: «النضال ضدّ عبادة الماضي: الحركات الطليعية الروسية»، والذي أصدرته عن «المركز القومي للترجمة» في القاهرة.. هكذا ما أودّه هنا، هو التنويه بالجهد المبذول ليس إلاّ، طبعاً مع تقبّل أي نقد جدّي لما أقوم به وأضطلع. كتابة القصيدة، لديّ، ليست لأجل خلق وهم يؤكد تميزي وفرادتي. هذا شعور مَرَضي يعتري الأغلب الأعمّ من الشعراء العرب. إنني أكتب كي أشعر بأنني لا أختلف عن الشاعر الآخر، وبأنني جزء من فيلق شعراء المسؤولية. * ما انفكت الأحاديث تترى عن «موت الشعر» في العالم، أو في أحسن الأحوال، إن الشعر الجديد بات لا «اجتماعياً» ولا «ثقافياً»، وغير قابل للعِشرة، وأنه شعر الأفكار والتجريد والتشتّت لذاته.. ما تعليقك؟ ** هذه اعتبارات قلّما تمر في خلد الشاعر الحقيقي، لأنه مشغول جداً في إشكالية الخروج من القصيدة بقصيدة أخرى، كما أن الشعر، كما أفهمه طبعاً، لم يكن يوماً اجتماعياً أو ثقافياً، وإنما هو لغة لا أكثر ولا أقل. الشعر يريد أن يَحدُث فحسب. * هل يمكن أن تتصوّر نصّاً شعرياً يحذف القارئ من شرطه؟ ** مهما كان النص الشعري تجريبياً ومعقّداً، لا مناص له من ذاك القارئ المتربّص في أعماق الشاعر نفسه. إنه يولد مع القصيدة.. لا وقت للتفكير في القارئ العام، كما أن القصيدة حين تولد، فإنها تعود في ملكيتها إلى القارئ. * كثيراً ما تعتبر الترجمات الشعرية إلى العربية سيّئة، لماذا؟ ** ليست هناك جريمة ذهنية مثل تلك التي تعكس نفسها في التراجم العربية السيّئة لأدب الآخرين، بل يمكننا الزعم بأن للترجمة هذه حصة كبيرة في دواعي تدنّي الوعي العربي العام، وتعميق كراهية الذات العربية للآخر، فالقارئ الذي يجهل لغات أجنبية، ولديه رغبة في الإطلاع على ما يُكتب خارج حدود اللغة العربية، سرعان ما يُكوّن أفكاراّ خاطئة، ستَتَصَلّد في إدراكه، عن هذا الآخر: وهكذا تعود مصطلحات الآخر الفكرية ألغازاً في ذهن هذا القارئ وألفاظاً مشوشة لا تساعده على الانفتاح، ولا على إضافة أفكار جديدة إلى ترسانته (ترسانة الآخر) الثقافية، وإنما، على العكس، تُعمّق فيه الانغلاقَ على المصطلح الاتباعي، لأنه يفهمه، وليس لديه سلاح فكري آخر سواه، وهنا يكمن بعض الجواب لـ«لماذا» تحوّل فكرُ الآخر الأجنبي إلى بعبع ووخزٍ لضمير الأنا الجمعي، بل أستطيع القول إن القارئ يفكّر خطأً، لأنه يقرأ خطأً. أما القارئ العربي المطّلع على الأدب الأجنبي عن كثب، وبلغته الأصلية المكتوب بها، فقلّما تجده، في المقابل، يقوى على استكمال أو تتمة نصف صفحة من هذه الكتب الأدبية الأجنبية المُترجّمة إلى العربية. أليس غريباً، أن القارئ العربي ليست لديه ترجمة واحدة صحيحة لرامبو وبودلير وكيرواك حتى الآن؟! الموت في جنوب العزلة شعر: عبد القادر الجنابي إلى نبأ رحيل محمود البريكان كان عليك أن تدفع بنفسك بعيداً عن الصيف أو الشاشة لم يكن أمامك مفرّ: كطيور الأعشاش الأولى بين الفروع العالية كمنبت للدمع كانت العزلة تتجمّد مثل الدهان نقطة في فجوة متلألئة يحتفظ بها الظلام لم يكن أمامك مفر الأبد لمحَكَ في صمت الاستلقاء على الأرض فأضاءت لك عيناه مدّ البصر كم هي شفيفة جثة الشاعر تسبح في نهر سكوتها الأبدي تتأرجح في راحة وهدوء قصائد منفرجة في وهج الشمس قصيدة مجهضة لكن... هناك ما وراء المرايا الجماعية جسد الوعي مسجى فوق طاولة اللاوعي والارتياب يرشّ على بدنه فيجففه الاضطراب هناك في الماوراء مجون ذاكرتي طفل يُحرج الحاضرين بوقاحته حتفه ذلك الصباح ارتطم بالأعماق كافر أنا أصلّي بحرارة مآثر ستروي الأوراق نزولك على الأرض ستفتح الشمس فجرك المنتفش بالحركة وتجري الرياح بأشرعتك إلى اللجّة الأولى فيطوف بك البشر حول الرخام الأبيض وتجثو النجوم ببابك وعندما تشربك المياه في شفوف الليل الزرقاء سيخلد الموتى إلى قبرك المفتوح رائحة الكتابة ممدودة هي الصرخة في منبثق الأشياء حيث الفجر يذهب بتباشيره مدّاً وجزراً لأن المعنى يَذرُ الحروف ترفل في حلل الكلام لأن طيور الدماغ تغرد وكأن للورقة أفئدة وأجراسا لأن القصيدة ليل أشقر تفتحت القبور النبات يستنشق الهواء وإلى الضحية يضيء القمر القتلة. ضربٌ من الناس كل ليلة ينام وحده كل يوم يعيش وحده رجل يحلم مثلما يأكل يشرب مثلما يخرج إلى السوق يفتح أبوابه لعواصف المطر مثلما يغلق الآخرون نوافذهم في وجه الليل وقد صوّر لنا أنه رجل يؤمّن الضروري للحياة الماضي العالم العتيق بهالةِ دُخان يمشي دائريّاً يُفرغ كلّ ما فيه من آلهة ومجانين مرضى ومشرّدين جبابرة وعقلاء جبال وطبقات علّ زِبلَهُ يُصلحُ ما تبقى فيه! ........................................... مقاطع من ديوانه : «ما بعد الياء.. أعمال شعرية وشقائق نثرية». جيل بوهيمي جيل الستينيات الشعري في العراق لا يوجد إلا كسلوك بوهيمي يتصدّره جان دمو، منعم حسن وقتيبة عبدالله.. وهؤلاء لم يكتبوا وإنما كانت أساليب حياتهم أكبر إلهام للآخرين. نقاط ضعف نقطة الضعف الوحيدة لديّ، هي الشعور أحيانا بأنني من الأسلم ألاّ أكون صريحاً في مجتمع، يتقاسم فيه كتّابُه وشعراؤه الكذب. هذا الشعور ينتابني أحياناً، لكنني، ولحسن الحظ، غالباً ما أتغلّب عليه.