الاتحاد

دنيا

كليوباترا بين التاريخ والأسطورة

وفاء العلي:
ما زال سحر كليوباترا يخلب الألباب بعد مرور 20 قرناً على رحيلها على الرغم من أن أحدا لا يعرف ملامحها على وجه القطع· هذه الشخصية كانت مصدر الهام لكثيرين من الكتاب مثل شكسبير وبرناردشو وأحمد شوقي، وعنها أنجزت مجموعة كبيرة من المسرحيات والأفلام التي رسمت لها صورة خلابة لا تخلو من الإغواء أو تصويرها كامرأة فاتنة تدير رؤوس الرجال وتسحرهم بجمالها وأنوثتها الباذخة·
وكان هذا الجمال الغامض مبعث تساؤل لدى كل المهتمين بشخصية الملكة الأكثر شهرة في التاريخ، وظل يدور في أعماقهم سؤال: هل كانت كليوباترا ملكة جميلة؟
هذا السؤال المحير لا يفتأ العلماء يثيرونه بين وقت وآخر طمعاً في فك الألغاز التي تحيط بهذه الشخصية المثيرة والغامضة··· لكن ما لم يفطنوا إليه وهم ينشغلون بالبحث عن إجابة لهذا السؤال هو أن 'مقياس الجمال' الذي يحاكمون به كليوباترا هو مقياسهم هم، وليس مقياس البشرية في كل زمان ومكان!
من هنا، يبدو من الطبيعي أن تختلف أقوالهم بين من يرى كليوباترا نموذجا للجمال الفتان وأن جمالها هذا كان السر في سطوتها، وبين من يرى أنها كانت بدينة ولم تكن جميلة معتمداً على نموذج الجمال الغربي الذي يعتبر النحافة شرطاً أساسياً من شروط جمال المرأة، وهو النموذج الذي تم تكريسه حالياً في كل العالم عبر عروض الأزياء وصناعتها، ونجمات السينما وصرعات الموضة وغيرها من المظاهر التي سعت وتسعى إلى تكريسه، كنموذج الجمال الأوحد ؛ رغم أن الجمال ليس سلعة وليس ذوقًا استهلاكيًا ليتم إخضاعه لقوانين العولمة·
كليوباترا التي يشغلهم جمالها، امرأة مصرية عاشت في زمن غير زماننا، وعرفت مقاييس للجمال غير التي نعرفها نحن اليوم، لهذا من الصعب تطبيق 'مثالنا الجمالي' على زمنها ذاك، تماما كما أنه من الصعب محاكمة أي امرأة عربية تعيش في زماننا وفقًا لموديل عارضة الأزياء أو ملكة الجمال الغربية؛ فالمقاييس الجمالية متغيرة ومختلفة بتغير المجتمعات والثقافات والمناخات، ولونظرنا إلى أوروبا ذاتها لوجدنا أن مقاييس جمال المرأة عند الرومان كانت تكرس للبشرة البيضاء والبدانة؛ وهو ما يرفضه الإيطاليون حاليًا·
وقد تنبه أفلاطون منذ زمن بعيد إلى فكرة تنوع 'الجمالات'، والتفت أطباء التجميل في عصرنا إلى أن 'التناسق' هو سر الجمال الجسدي، بغض النظر عن محاولة تسييد نمط جمالي بعينه، وأوجد هؤلاء الأطباء قوانينهم الخاصة؛ فهناك قانون الأثلاث الذي يرى أن أبعادًا ونسبًا معينة تخلق تناغمًا في ملامح الوجه، وقانون الأخماس الذي يوضح أن قاعدة الأنف تكون متناسبة مع المسافة بين العينين في الوجه الجميل· وقديمًا قال الفنان ليوناردو دافنشي: 'إن مستوى سطح الجبهة العمودي يفضل أن يتناسب مع الشفة السفلى والذقن'·
وبالرجوع إلى التاريخ لتقصي مبدأ 'خصوصية الجمال' نجد أن الحضارة المصرية القديمة استطاعت أن تفرز فلسفتها الخاصة في الجمال والتجميل والأزياء؛ فهناك نقوش تصوّر سيدات ذوات شعر طويل منسدل، وأخرى تصورهن ذوات شعر قصير، وثالثة تصورهن ذوات شعر ملموم ومرفوع إلى أعلى الرأس ليأخذ شكل التاج، أو ملموم إلى الخلف بطريقة الموضة المعروفة حاليًا باسم 'شينون أو سبانيش'· كما أن الأناقة الفرعونية تقتضي التحلي بعشرات الأنماط من الأقراط والعقود والأساور والخلاخيل والأحزمة وخلافه، واستخدام أنواع عديدة من مساحيق التجميل، فضلاً عما تشبكه المرأة في شعرها من دبابيس وأمشاط وورود وأزهار·
ما أريد قوله هنا، هو أنه لا يوجد شكل محدد لفاتنة النيل التي جسدتها على الشاشة الفضية نجمات السينما العالمية من أمثال اليزابيث تايلور وصوفيا لورين وفيفيان لي ومونيكا بيلوتشي، ومن النجمات العربيات فاطمة رشدي التي مثلت دور كليوباترا في مسرحية أحمد شوقي الذي قال إنه كان يقصد بمسرحيته هذه تبرئة كليوباترا وتأكيد حبها لبلادها، ويسرا التي أجادت في أداء الشخصية في فيلم يوسف شاهين 'إسكندرية كمان وكمان'·
لكن من هي كليوباترا؟
إنها كليوباترا السابعة ابنة بطليموس الـ12 الذي عرف ببطليموس الزمار لأنه كان يحب العزف على المزمار وقد عرف عنها الذكاء وسعة الحيلة وقوة الشخصية وقد ولدت في الاسكندرية في عام(70 ق·م) وانتهت حياتها نهاية مأساوية في(30 ق·م) فقد أقدمت على الانتحار بعد هزيمتها علي يد أوكتافيوس واعتقادها بوفاة حبيبها أنطونيو ولم يتم العثور على مقبرتها حتى الآن وإن كانت الاحتمالات تدور حول غرق مقبرتها في البحر بفعل الزلازل التي تعاقبت على مدينة الإسكندرية·
لقد عاشت شخصية كليوباترا بين التاريخ والأسطورة، ويجمع الباحثون على أن أحدا لم يكن ليستطيع أن يقاوم سحرها، وأنها كانت تمتلك طلة منيرة، وكان لها صوت عذب لا مثيل له· لكنهم يختلفون حول دورها حيث يذهب بعضهم إلى أنها ليست سوى امرأة لعوب، تستهويها السلطة وتملك قلوب الرجال، في حين يذهب بعضهم إلى أنها كانت بطلة انتحارية وسياسية لا تهاب شيئا، وليس فقط معشوقة يوليوس قيصر ومارك أنطونيو· في حين يورد آخرون تفاصيل أخرى منها: أنها كانت أماً لأربعة أطفال و قاتلة لأشقائها، وكانت باحثة تتحدث تسع لغات، ومليئة بالمتناقضات التي حيرت كتاب المسرح والرسامين من جميع أنحاء العالم على مدى ألفي عام· رغم كل ذلك، ومهما كان الشك الذي يحيط بهذه الشخصية فالشيء الأكيد أنها كانت امرأة مذهلة، وأن هناك الكثير من الأساطير التي تنسج حول هذه الملكة اللغز حتى أن الباحثين الأكاديميين يصارعون لرسم صورة دقيقة لها فلا تزداد إلا غموضاً وإثارة·

اقرأ أيضا