الاتحاد

تقارير

السودان على مفترق طرق

كل يوم يمر يقربنا من اليوم الموعود. إنه يوم تقرير مصير السودان المعروف منذ نحو قرنين، هل يبقي كما هو بحدوده الحالية، وعلى رقعة من الأرض مساحتها مليون ميل مربع، أم ينقسم إلى شطرين يساوي أحدهما ما يقارب خمسي المساحة الكلية؟ وهو ما يعرف بالسودان الجنوبي، أو بتعريف آخر كل الجزء الواقع جنوب خط العرض العاشر بالتقريب.

فما الذي أعددناه لذلك اليوم الموعود؟ وهل ستكون نتيجة الاستفتاء عندما يجري في عام 2011 استمرار الوحدة أم حدوث الانفصال؟ نعود إلى الأساس الذي ينبغي أن يلتزم به أهل الأمر المسؤولون عن الموقف. إنه اتفاقية السلام التي أنهت الحرب الأهلية قبل نحو أربعة أعوام ووقع عليها الطرفان اللذان يحكمان الأمر في السودان، وهما المؤتمر الوطني الممثل للإسلاميين الذين استولوا على الحكم بانقلاب عسكري قبل عشرين سنة، والحركة الشعبية لتحرير السودان التي تمثل جنوب السودان والتي قادت التمرد الذي أدى إلى الحرب الأهلية منذ اندلاعها عام 1983. إن تلك الاتفاقية تقول صراحة وبوضوح إن على الجانبين الموقعين عليها، الالتزام التام بالعمل على جعل الوحدة بين شطري القطر جاذبة. وباستعراض ما جرى خلال الأعوام التي تلت توقيع الاتفاقية، فسنجد للأسف أن لا هذا الطرف التزم بجعل الوحدة جاذبة، ولا ذاك الطرف الآخر فعل شيئاً مماثلاً. إن قادة الطرفين يدعون غير ذلك في تصريحاتهم، لكن القول شيء والواقع شيء آخر. ولنبدأ بالمؤتمر الوطني، فهو الأقوى والأكبر بين الشريكين، وسنجد أن من أول ما أقدم عليه من عمل مضاد للوحدة، سماحه لجماعة كانت من قادته بإصدار صحيفة يومية همها الأول والأخير الدعوة لانفصال الجنوب، بل هي تدعو لانفصال الشمال عن الجنوب حتى قبل أن يحين موعد الاستفتاء. وبعد ذلك، فالسجل حافل بما يضعف دعوة الوحدة ويقوي الانفصال. هناك الخلاف حول حدود الشمال والجنوب وقضية أبيي التي مازالت في انتظار رأي المحكمين الدوليين الذين سيصدرون قرارهم قبل نهاية هذا الشهر. وهناك عدم الاتفاق على ما يجعل الانتخابات تجري في جو حر ونزيه ومحايد، ومجموعة القوانين التي يرفض المؤتمر الوطني إلغاءها أو تعديلها. وما أكثر محاولات التوافق والتفاهم بين الشريكين دون جدوى، وكان آخرها مؤتمر عقد في الأسبوع الأخير من يونيو المنصرم فكان فاشلاً. الحصيلة النهائية أن الإسلاميين لا يريدون ولا يؤمنون بأن تحل دولة "المواطنة" محل الدولة الحالية في السودان، ويتمسكون برؤيتهم الثقافية والدينية ولا يقدرون أن وحدة السودان عزيزة تستحق التضحية من أجلها ببعض الشعارات التي لم يكسب السودان من ورائها إلا التراجع والتخلف. هذا باختصار موقف المؤتمر الوطني من الوحدة. أما الجانب الآخر، وهو الحركة الشعبية لتحرير السودان، فالواضح أن غياب قائدها ومؤسسها جرنج، وهو الداعي القوي لوحدة السودان والذي كان أول قائد جنوبي يؤمن بالوحدة ويقاتل من أجلها عشرين سنة، كان له أثره في تراجع دعوة الوحدة حتى بين القادة الذين خلفوه في القيادة. ورغم أنني لا أملك دليلاً قاطعاً لما أدعيه، فإنني أقدر أن قادة الحركة الشعبية أو عدداً لا يستهان به منهم قد شعروا بأن الرأي العام الجنوبي أقرب إلى الانفصال، فآثروا أن يكونوا معه على السباحة ضد التيار. ثم كانت سياسات الشريك الشمالي (المؤتمر الوطني) غير مشجعة مما قوى حجة الداعين للانفصال. ولأن للأمر جوانب أخرى متعددة، خصوصاً على افتراض نجاح الانفصال، فإنني سأواصل الكتابة في هذا الأمر البالغ الحيوية والأهمية.

محجوب عثمان

اقرأ أيضا