الاتحاد

تقارير

العراق وآمال ما بعد الانسحاب الأميركي

قد يبدو الأمر غريباً بالنسبة للأميركيين وهم يوشكون على الاحتفال بذكرى الاستقلال، مشاهدة العراقيين يطلقون الألعاب النارية فرحين بانسحاب الجنود الأميركيين، فنحن لم نتعود أن ينظر إلينا كقوة استعمارية سابقة على غرار بريطانيا، ومع أن الالتباس مازال سيد الموقف في العراق ولم يتضح بعد الطريق الذي سيسلكه العراقيون في بناء دولتهم، إلا أنه لا يمكن إغفال ما تحقق من إنجازات. فالانسحاب الأخير للقوات الأميركية لا يمكن إدراجه في إطار الحسم العسكري الواضح ولم يعد بمقدور وحداتنا العسكرية القيام بعمليات انفرادية، لكن باستثناء بغداد والموصل اللتين حافظتا على وجود أميركي ملحوظ، فقد انسحبت القوات الأميركية من باقي المناطق حتى قبل الموعد المحدد لذلك ليقتصر دور الجيش الأميركي في المرحلة القادمة على تقديم الدعم والمساندة للقوات العراقية بعد توليها للمسؤولية الأمنية كاملة. ورغم الهجمات الأخيرة التي كان وراءها تنظيم «القاعدة في العراق» خلال الأيام الثلاثين السابقة على الانسحاب، لتوليد الانطباع بأن القوات الأميركية أجبرت على الخروج من العراق، فإنه، وكما قال أحد مسؤولي الإدارة الأميركية، «لم يتمكن (القاعدة) من إطلاق حملة متواصلة، وحتى في ظل دموية الهجمات، مازال (القاعدة) ضعيفاً وفي تراجع». لذا يشكل تولي القوات العراقية للمسؤولية الأمنية وانسحاب الجيش الأميركي خارج المدن، وإن كان بعيداً عن الحسم العسكري، منعطفاً مهماً يثبت نجاح استراتيجية كانت إلى وقت قريب يُتوقع لها الفشل وهي قائمة على «تخفيف وجودنا كلما تعزز وجودهم».
فنجاح هذه الاستراتيجية يُعد انتقالا حقيقياً من وضع إلى آخر لم تشهده الحروب الأميركية من قبل، فبعد فترة مخيفة من العنف المتصاعد والانتظارات الخائبة التي ميزت عامي 2006 و2007 ووصول الرأي العام والكونجرس الأميركي إلى قمة الإحباط والتصورات القاتمة كما عبر عنها السيناتور «هاري ريد» بقوله: «هذه حرب خاسرة»، بل ذهب البعض الآخر مثل الرئيس أوباما الذي كان وقتها سيناتوراً إلى المطالبة بانسحاب فوري للقوات الأميركية، فبعد كل ذلك طرأت مجموعة من المتغيرات المترابطة، لكن غير المتوقعة التي غيرت مجرى الحرب في العراق رأساً على عقب. ومن تلك التطورات المهمة، القرار الذي اتخذه الرئيس بوش بإرسال قوات إضافية إلى العراق، وكان له أثر بالغ في كسب سنة كاملة من الوقت أتاحت تعزيز قدرات القوات العراقية ووفرت الأمن للمدنيين، فضلاً عن تمتين التحالفات القبلية واستئصال زعماء «القاعدة». وفي تلك الفترة أيضاً، انضم ما بين 50 إلى مائة ألف من عناصر قوات الصحوة في الأنبار إلى الجانب الأميركي، وهو ما وفر معلومات قيمة حول طريقة عمل حركات التمرد وكشف العديد من التفاصيل المرتبطة بها، بالإضافة إلى الحملة التي قادها رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو الذي تم انتخابه من قبل المتشددين الشيعة، ضد الميلشيات الشيعية التي تدعمها إيران في البصرة، فارضاً نفسه كزعيم وطني وليس مجرد قائد طائفي، هذا فضلاً عن انخراط السنة في العملية السياسية التي استوعبت الكثير من الطاقة وحالت دون تسربها إلى الشارع. وبالطبع، ليست تلك الإنجازات كاملة، لكن فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فإن أفضل طريقة لتقييمها هي مقارنتها مع غيرها وليس بإخضاعها لمعايير مطلقة، والمقارنة هنا مع انسحاب أميركي قبل عامين والذي لو تم كان سيقترب كثيراً من فيتنام أخرى أو ربما أسوأ منها، بحيث كان «القاعدة» سيسيطر على مناطق شاسعة من العراق بعدما نجح فعلاً في إيجاد موطئ قدم له في محافظة الأنبار، وبمساعدة إيران كان شيعة العراق سيخوضون حرباً شرسة ضد «القاعدة»، وربما وجدت الدول السنية المحيطة نفسها مضطرة للتدخل ليتحول العراق إلى ساحة حرب بالوكالة، ناهيك عن المجازر التي كان سيتجرعها الشعب العراقي، لتفشل بذلك أميركا ليس على أرض آسيوية بعيدة كما كانت الحال في فيتنام، بل في قلب الشرق الأوسط الذي يعتبر مركز المصالح الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية. فما الذي تحقق بعد كل التضحيات والصبر والموارد التي استهلكها العراق؟ الحقيقة أنه لو نجح العراق في تحمل أعباء السيادة، فإنه سيتحول إلى إنجاز تاريخي، فمع أن الديمقراطية الجفرسونية لم تكن أبداً مربط الأمل في العراق ولا كانت مطلباً قريب المنال، إلا أنه لو تمكن الشيعة والسنة والأكراد من الاتفاق على هدف واحد عبر الآلية الديمقراطية، سيغدو العراق نموذجاً لمنطقة تبحث عن صيغة ناجحة للاقتداء، ولا ننسى أن ظهور حليف أميركي مستقر في الشرق الأوسط يحارب الإرهاب سيكون إنجازاً جيوسياسياً هائلاً بالنسبة لأميركا. وحتى لو انتكس العراق وسقط في الهزال السياسي الذي يسود المنطقة سيبقى الوضع أفضل مما كان عليه قبل سنتين، فلو كانت أميركا انسحبت وقتها لشكل ذلك فشلاً ذريعاً لعزيمتنا ولمجهودنا العسكري، غير أننا لم نفشل، وتمكن الجيش من التأقلم، فيما حافظ قادتنا على وحدة البلاد وتماسكها، كما أعطينا العراق ما كان يستحقه منا، وهي الفرصة الملائمة لتحقيق النجاح، أما إذا فشل العراقيون، بعدما رفعنا عنهم أيدينا وأعدنا لهم السيادة، فذلك سيكون مسؤوليتهم الخاصة.

مايكل جيرسون
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا