الاتحاد

دنيا

صناعة علب الصدف

وضع الصدف داخل الخشب

وضع الصدف داخل الخشب

أثبت الواقع العملي، أنَّ معظم الصناعات والأنشطة الاقتصادية، يمكن تعلمها عن طريق القراءة والدراسة والممارسة، وذلك في حال توافر عزيمة قوية للشخص الذي قرر تعلمها، ولكن الوضع يختلف بالنسبة لصناعة علب الصدف، أو بمعنى أدق لفن علب الصدف.
فهنا نتكـــــلم عن فن ثم هواية ثم حرفة، وكأننا نريد أن نقوم بتعليم شخص ما، كيفية كتابة الشعر أو الغناء بصوت جميل، أي أنَّ المهمة هنا هي شبه مستحيلة، ولكن مع الإرادة القوية والتصميم لن يكون هناك مستحيل. إن الأصداف التي نراها تزيّن العلب، هي عالم آخر مملوء بالقصص والحكايات والمهارات أيضاً، ويؤكد معظم شيوخ المهنة أنَّ الأمر يجب أن يكتسب في سن مبكرة، وذلك لأنَّ عملية التزيين بالصدف تمر بمراحل عديدة، وفيها تقسيمات في العمل، مثلها مثل إدارة أي مشروع كبير، لذلك فإنَّ تعلمها يحتاج إلى حب الأعمال الفنية، وإلى إرادة حديدية، حتى يكون بوسع المتعلم أن يصمد أمام صعوبة التعامل مع الأصداف، وتنوع أذواق المستهلكين. هناك طريقتان لتطعيم الخشب بالصدف، ويقع تفضيل أي من هاتين الطريقتين على المزخرف نفسه، ومدى مهارته وربما تعوده.
الطريقة العربية
الطريقة العربية القديمة هي أصل الطرق المتبعة في التصديف، وتحتاج إلى أيدٍ عاملة ماهرة، وتتلخص هذه الطريقة بعمل القطعة كاملة من قبل النجار، ثم يأتي الرسام ليضع النقشة المرغوب فيها، ثم عامل دق القصدير الذي يحفر مكاناً للخيوط القصديرية، ويثبتها وبعدها يثبت عامل الصدف القطع المقطوعة حسب الرسمة، ويمكن استخدام النحاس والحديد داخل الصدف لتطعيمه، كما يمكن إدخال خيوط الفضة في القطع الثمينة الغالية الثمن، ولا تتخيل مدى المجهود المبذول من أجل إخراج القطعة المزخرفة بالشكل المطلوب، وذلك عبر كوكبة عمل مكونة من فنانين قبل أي شيء، يهوون هذه الحرفة ويتقنونها.
الطريقة المصرية
أما الطريقة المصرية السهلة، فهي ليست سهلة بدرجة كبيرة، ولكن سهولتها جاءت بالمقارنة مع العمليات المعقدة التي تحتاجها الطريقة العربية، تعتمد الطريقة المصرية على رصف الصدف بجانب بعضه بالشكل المراد، ويملأ الفراغ بمعجون فيظهر بشكل متناسق، ولعلنا نجد معظم المشغولات الصدفية مصنوعة بهذه الطريقة، حيث يكثر وجودها في أثاث البيوت القديمة. إن أهم عناصر الإبداع في هذا الفن، هو كيفية إبراز الفكرة ودراستها، ومن ثم تنفيذها عملياً، فالنقوش الإسلامية والزخرفية تتميز بها دول عربية، مثل سوريا ومصر إضافة إلى العراق، وهذه الزخرفات تكون متداخلة وبأشكال هندسية مختلفة، تحتاج إلى حرفيين متخصصين في هذا المجال. وعلى الرغم من يدوية العمل في حرفة التطعيم الصدفي، ترتفع أسعار كل قطعة منجزة بحرفية وفن واضحين، في ازدياد يتناسب وحجم الدقة وروعة التداخلات الفنية.
مراحل تصنيع الصدف
تقوم الورش المتخصصة في تقطيع الصدف الطبيعي، بعمل قطع صغيرة وكبيرة على حسب الأشكال المطلوبة، وهنا يجب الأخذ بعين الاعتبار، نوع القطعة وحجمها، فكلما كانت القطعة المشغولة أكبر، كان تطعيمها أسهل، وكلما صغر حجمها كان الشغل فيها أدق وأعمق. بعدها يتم تثبيت كل قطعة صدف بمادة لاصقة (غراء طبيعي) ويراعي في هذا أن تكون في مكانها الدقيق من دون الخروج عن (الرسمة) وهذا يبرز من جمالية العمل عند اكتماله كلياً. ويمكن إنزال هذه القطع على الخشب، وتشكل العلبة حتى يصبح الصدف بالوسط في وجه العلبة، فيعطي رسماً هندسياً عفوياً، حيث لا يتم تحديد الرسمة، وإنما فقط يتم تحديد الوسط ثم يتم تدريجها، وحسب ما يتفتق ذهن المزخرف تنتج الرسمة الصدفة، ولذلك نادراً ما تتشابه الرسوم والزخارف بين العلب المصدفة، وعادة ما يفضل الفنانون وجود هذا الاختلاف في الأبعاد والرسومات والاتجاهات لتحقيق التميز بل التفرد. يذكر أن من يقوم بهذه العملية، هو أكبر شخص في الورشة، لأنها تحتاج إلى خبرة كبيرة، لا يمكن لأي «صنايعي» صغير، الحصول عليها بسرعة أو إجادة العمل فيها، حيث عادة لا تقل خبرة من يقوم بعملية اللصق هذه عن 10 سنوات. بعد أن تنتهي مرحلة تنظيم الصدف على العلبة، تأتي مرحلة أخرى تسمى، مرحلة التسوية من خلال جرد الصدف بالمبرد حتى يصبح بمستوى واحد، ويصبح سطحه أملساً مثل الرخام، ثم يقوم الحرفي بتنعيمها بورقة معروفة في هذه المهنة بـ»سمادش» حتى تصبح ناعمة للغاية، وبعد ذلك تفتح العلبة وتشق من كل أطرافها، ويتم دهانها بزيت معدني، وينصح شيوخ المهنة بوضع هذا الزيت المعدني من دون غيره، لأنه يعطي العلبة لمعاناً يدوم لفترة طويلة. كما يبقى الصدف محافظاً على ألوانه على عكس أنواع الدهانات الأخرى التي قد تغير من لون الصدف الأصلي.
ألوان الصدف
عادة ما يتساءل المبتدئ في هذه المهنة عن ألوان الصدف الطبيعية، بعيداً عن الألوان الصناعية، وهناك ألوان متعددة للصدف منها: الزهري والأبيض وقوس قزح، والأخضر بألوانه المتعددة، والأسود والأصفر، ويختلف سعر القطع المصدفة حسب حجم وشكل القطعة، والوقت الذي استغرقته حتى انتجت، والجهد المبذول ونوع الصدف المستخدم في الزخرفة. ومن الواقع العملي لبيع هذه القطع الصدفية، فإن القطع الصغيرة ذات الأشكال الهندسية، يصل ثمنها إلى 250 دولاراً، ويرتفع الســـــعر مع كبر حجم القطعــــة، ليصل إلى ألف دولار، وهذا السعر يناسب القطع الكبيرة المسجرة كالصناديق والكراسي وغيرها.
أدوات خاصة بالتصديف
تتعدد الأدوات المستخدمة في فن التصديف، ومنها: الأزاهير العادية لأعمال الدق، والأزاميل الأوروبية للتقريط والكف، وهذه الأزاميل ذات مقابض خشبية وأظفارها متنوعة، منها المنبسط والمستقيم، ومنها المحدب بفتحات مختلفة أيضاً، وهناك المبارد الخشنة والناعمة، وفراطة الصدف والملاقط لمسك الصدف الناعم الصغير، ويكثر استخدام الغراء العربية في هذه الحرفة، وهي مكونة من عظام الحيوانات، وتعد لاصقاً قوياً وأفضل من الغراء الأبيض المنتشر بكثرة في الأسواق. الحرفيون الماهرون في هذه المهنة معروفون بالاسم، حيث يعرفهم عشاق الأعمال اليدوية، باعتنائهم بصنعتهم. وقد يكون الحرفي أمياً ولكنه ذكي يلمّ بالهندسة والمساحة والحساب والمقاييس، وهو يعمل بيديه، والآلة عنده وسيلة لأنه يؤمن بأن هذه الآلة الأداة مهما كان نوعها، لا يمكن أن تحل محل الإبداع والعبقرية، وهو يدرك بأن بضاعته تباع لما بها من شغل يدوي.

اقرأ أيضا