الاتحاد

مواجهة الإدمان

من الطبيعى أن يبتعد المرء عن أي خطر يحدق به، لكن من الغريب أن يقبل المرء على قتل نفسه وتشريد عقله واضطراب حواسه بسيف الإدمان القاطع. إن الإدمان ينتشر في الكثير من المجتمعات بسرعة شديدة كما أظهرت الدراسات تزايد انتشاره في الدول النامية بصورة أكبر من نظيراتها المتقدمة.

ويلعب مستوى المعيشة والبطالة دورا كبيرا في ذلك مع تأثير البيئة المحيطة في تفشي هذه الظاهرة، ولا يرحم الإدمان فئة عمرية معينة فهو قتل بطيء للنفس وأول طريق الادمان السيجارة التي تقذف بصاحبها بعد ذلك في بئر التعاطي الذي اختلفت أشكاله بطريقة عجيبة فلم يقتصر على المخدرات فقط بل أصبح يشمل العقاقير والمشروبات الكحولية المتعددة. إن الانهيار النفسي الناتج عن الظروف الاجتماعية وقلة الوازع الديني أو زيادة مستوى الرفاهية مع ضعف الرقابة وعدم المشاركة في اختيار الأصدقاء وإبداء وجهات النظر كل ذلك يؤدي للانهيار والاضطراب النفسي خصوصا في حالة التفكك الأسري وحرمان الأبناء من أحد الطرفين مع حدوث التغير الفسيولوجي في مراحل العمر المختلفة وعجزهم عن إيجاد أذن صاغية لمناقشة أفكارهم وتصحيح آرائهم نتيجة للانفصال والانشغال عنهم. كل ذلك يقود لطريق الإدمان ومن هنا يحدث الانهيار الاخلاقي والاجتماعي والتشوش الفكري لفقدان الانسجام والاستقرار بين النفس والمجتمع، فالإدمان معنى كبير يبدأ بكلمة بسيطة اسمها «العادة» فأي عادة يتم تكرارها بصورة استثنائية وغير طبيعية تصير إدمانا فالعادة بكثرة التكرار تصبح سلوكا وأخلاقا. وأشكال الإدمان معروفة يظهر أثرها السلبي بطريقة مخيفة منها الاضطراب والتشوش الفكري والعاطفي وفقد الرؤية الصحيحة في علاج الأمور الشخصية مع الإقبال على ارتكاب الجرائم بسبب الدخول في مرحلة اللاوعي فضلا عن قائمة الأمراض العضوية من جلطات قلبية وتلف الأعصاب وأمراض الكبد وضغط الدم وتغيرات في الشكل والبنية كنتوء العين وضعف البنية والتخبط اللاإرادي، كما أن الأرق والاكتئاب من العلامات المميزة للمدمن. ويلتصق لفظ الإدمان دائما بالمفهوم السلبي فهل هناك إدمان إيجابي؟ إن كان لنا أن نعتقد في صحة ذلك، فعلينا أن ندرك أن خروج العادات الإيجابية إلى طور الإدمان يحولها الى سلبية، بسبب الخروج عن المألوف والإفراط فيه فيصير ضررها أكبر من نفعها كإدمان «الانترنت» لإثراء الثقافة الشخصية بالمجالات المفيدة والاطلاع على كافة القضايا والشؤون العالمية والمحلية. هذه العادة وإن بدت إيجابية لكن بالإفراط ووصول مرحلة الإدمان تصير سلبية لانها تؤدي لضعف البصر واستهلاك الوقت وأمراض تتعلق بالجلوس لفترات طويلة أمام الكمبيوتر وقس على ذلك إدمان القراءة والأبحاث والانشغال بهما عن أداء الواجبات الاجتماعية والأسرية ومنه أيضا إدمان الخوف على الحب فإفراط الزوجة في الغيرة على الزوج والخوف من ارتباطه بأخرى يأتي بنتيجة عكسية وقد يرتبط بأخرى هروبا من الملل واحتكار الزوجة لرغبتها في الاستحواذ على العاطفة بشكل مبالغ فيه. ولكن يمكن اعتبار الإدمان ايجابيا إذا حقق التوازن والفائدة المطلوبة دون إفراط أو مغالاة سواء كان في أمور الحياة أو العلم أو في العبادة أو الملبس والمأكل. وعلى المدمن أن يدرك أنه في مشكلة حقيقة لأن وجود هذا الشعور يدفعه للعلاج، فعلاج المخدرات بأنواعها لابد وأن يكون بعناية طبية من خلال المستشفيات والمراكز المتخصصة قبل فوات الأوان. وإذا استطعنا تحجيم الرفاهية مع شغل وقت الفراغ بما يفيد كممارسة الرياضة وأشكال الإبداع العملية أو خوض سوق التجارة لقضينا على أحد دعائم الإدمان.

محمد زكريا النجار

اقرأ أيضا