الاتحاد

تقارير

المكسيك··· أولوية على أجندة أوباما

قلق بشأن الهجرة وتهريب المخدرات··· والأصابع تشير إلى الجار الجنوبي لأميركا

قلق بشأن الهجرة وتهريب المخدرات··· والأصابع تشير إلى الجار الجنوبي لأميركا

التقى الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما بنظيره المكسيكي فيليبي كالديرون يوم الاثنين الماضي في إطار عادة درج عليها الرؤساء الأميركيون الجدد وتتمثل في لقاء أي رئيس أميركي جديد خلال بداية إدارته بنظيره المكسيكي قبل غيره من زعماء العالم· وهكذا، حظي أوباما وكالديرون بفرصة النظر إلى عيني بعضهما بعضاً، والتحدث حول أهمية العلاقات الأميركية المكسيكية· وهي مناسبة تمثل المعادل الدبلوماسي لشخصين جارين جديدين يلتقيان للدردشة وتناول الشاي·
غير أنه حان الوقت الآن لتجاوز الشكليات والعادات البروتوكولية ومواجهة الحقائق المرة، فالمكسيك في طريقها إلى أن تصبح بلداً سائباً لا يخضع لحكم القانون حيث فاق عدد من قُتلوا فيها العام الماضي -في أعمال عنف مرتبطة بالمخدرات- عددَ من قضوا في العراق، في وقت باتت فيه الأجهزة الحكومية مخترقة من قبل المافيات وعصابات المخدرات التي تعهدت الحكومة بمحاربتها·
ولئن كان الكثيرون يعتقدون أن أصعب التحديات التي ستواجه أوباما بخصوص السياسة الخارجية توجد ربما في أفغانستان أو إيران أو الشرق الأوسط، فإن الواقع يشير إلى أنها توجد جنوب حدود الولايات المتحدة· صحيح أن المكسيك حتى الآن لم تصبح دولة فاشلة بعد، ولكنها مطالبة بقوة بشن حرب أكثر شدة وفاعلية على الجريمة المنظمة، وينبغي أن تتلقى الجرعة المناسبة من المساعدات والمحفزات الأميركية حتى تنجح·
وخلال العقد الماضي، شكل ازدياد تجارة المخدرات وفشل جهود كالديرون في احتوائها مؤشراً على العطل الذي تعانيه ديمقراطية المكسيك· ففي 2007 أدت أعمال العنف المرتبطة بتجارة المخدرات إلى أكثر من 2000 جريمة قتل في المكسيك، وفي 2008 تجاوز العدد ·5000 علاوة على ذلك، تم قبل بضعة أشهر فقط القبض على مسؤولين كبار في وزارة الأمن العام بتهمــة توفير الحماية لأعضاء من عصابات المخدرات المكسيكية·
وكل هذا يشير إلى أن وعود كاليدرون بـ''تنظيف البيت'' لم تحقق نتائج تذكر· وكما قال جورج أورويل، فإن ''النـــاس ينددون بالحـــرب في الوقت نفسه الذي يحافظون فيه على نوع المجتمع الذي يجعلها حتمية ولا مناص منها''·
ومما لاشك فيه أن الرئيس المكسيكي، الذي يريد علاقة ''استراتيجية'' أقوى مع الولايات المتحدة، أخبر أوباما يوم الاثنين بأن مستويات العنف المرتفعة إنما هي نتيجة فاعلية الجهود التي تبذلها حكومته بخصوص محاربة عصابات المخدرات· وبهذا المعنى، فإن ارتفاع جرائم القتل في الشارع هو دليل على القبضة القوية، وليس التراخي والفشل· والحال أن موقف كالديرون يحجب واقع حـــال رئيس يلح على إغلاق عينيه أمام المشاكل المتجذرة والتحديـــات المعقــدة التي تواجــه بــلاده اليوم·
إن الاستراتيجيـــة الحاليــــة -التي تقوم بالأساس على عسكرة المكسيك- غير كافية لإنهاء الفساد الحكومي، ذلك أن تجار المخدرات يمولون السياسيين، والسياسيين يحمون تجار المخدرات، والقضاة يتلقون الرشاوى· ثم إن المؤسسات المالية غير المقيدة بالقوانين تساهم في تسهيل عملية غسل الأموال، والشرطة الضعيفة التي يتقاضى أفرادها رواتب هزيلة باتت سهلة الاختراق· والأدهى أن بنية المكسيك الاقتصادية تعيق النمو والحركية الاجتماعية، مما يرغم المكسيكيين إما على عبور الحدود أملاً في حياة أفضل، أو الانضمام إلى زراعة المخدرات·
ومن جانبه، يتعين على أوباما أن يعترف بالدور السلبي الذي لعبته الولايات المتحدة عبر تجاهل إخفاقات المكسيك -إضافة إلى إخفاقات بلده أيضاً- في محاربة تجارة المخدرات· فـ''مبادرة ميريدا'' التي تبناهـــا بوش منذ عام، والتي تمنح بموجبهـــا الولايات المتحدة المكسيك نحو 400 مليون دولار سنوياً من أجل مساعدتها على محاربة تجارة المخدرات، تعد خطوة ضرورية ولكنها غير كافية، ذلك أن تجار المخدرات المكسيكيين يشترون الأسلحة التي يبيعها تجار أميركيون، ويوفرون الكوكايين الذي يطلبه المستهلكون الأميركيون، وقد أنشأوا لهذا الغرض شبكات توزيع عبر الولايات المتحدة لأنه لا أحد منعهم من القيام بذلك·
إن المكسيك تدفع ثمناً باهظاً جداً اليوم بسبب النهم الأميركي، وعلى أوباما على الأقل أن يعترف بأن أية مشكلة ثنائية تحتاج إلى حلول ثنائية· والأهم من ذلك أنه ينبغي على الولايات المتحدة ألا تبعث بمزيد من المال فقط من أجل مزيد من العسكرة في المكسيك، وإنما عليها أن تطالب بالمحاسبة بخصوص المساعدات التي تقدمها، وتلح على أنه إذا كانت المكسيك تريد مزيداً من المساعدة، فإنه يتعين عليها أن تعمل بجدية على تنظيف بيتها وقبول الحقائق المرة·
وحتى تخوض المكسيك حرباً ناجحة ضد تجارة المخدرات، يتعين على زعمائها أن يبنوا بلداً مزدهراً خاضعــــاً لحكم القانون، لا يقصي أحداً، بلداً حيث لا يضطر المواطنون للانخراط في الأنشطة السرية مـــن أجل البقـــاء على قيــــد الحيـــاة، وحيث لا يُـمنح المجرمون الحماية من قبل الأشخاص الذين يفترض فيهم أن يقبضـــوا عليهم· وبعـــد ذلك فقط ستكون لكالديرون الشرعية للمطالبة بالعلاقات الأعمق التي يريدهـــا من إدارة أوباما والولايات المتحدة، وحينها فقط ينبغي على الإدارة الأميركية المقبلة أن تنظر إلى مثل هذه العلاقة كخيار ممكن·
وبدلاً من اللقاءات الكلاسيكية المهذبة بين المكسيك والولايات المتحدة، على أوباما وكالديرون أن يلتقيا من أجل تغيير الحقائق على الأرض في كلا البلدين فيما يمكن أن يسمياه جرأة تجاوز الشاي والمجاملات·

دنيس دريسر - ميكسيكو سيتي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا