الاتحاد

تقارير

قصة خطابين انتخابيين

لقد كان من المفترض للسناتور ''هيلاري كلينتون'' والمرشح الجمهوري ''مت روميني'' أن يغادرا ولاية ''نيو هامبشاير'' الأربعاء الماضي، بعد امتناعها عن دفع سباق ترشيحهما الحزبي لخوض السباق الانتخابي الرئاسي النهائي، غير أن الأمور لم تسر على هذا النحو مطلقاً، فقد خسر ''روميني'' هذا السباق مرتين الآن، أما ''هيلاري'' التي أحرزت المركز الثالث في ولاية أيوا، فقد وجدت في منافسات نيو هامبشاير عراكاً أشد شراسة وحمية مما كانت تتوقع· وربما يفسَّر جزء كبير من هذه المصاعب التي واجهها كلا المرشحين، بما يمكن وصفه بقصة خطابين انتخابيين؛ أولهما الخطاب الذي ألقاه المرشح الديمقراطي ''باراك أوباما''، والآخر هو ذلك الذي كان يفترض أن يلقيه ''مت روميني'' ولم يفعل·
وربما كان الخطاب الأول بين هذين، الذي ألقاه ''أوباما'' عقب انتصاره في انتخابات ولاية أيوا -الأسبوع الماضي- الأكثر إثارة للانتباه والحماس، وعلى رغم التشاؤم الذي يبديه كثير من المحللين، إزاء مصير السباق الانتخابي لهذا السناتور الحديث التجربة من ولاية إلينوي، إلا أنهم اعترفوا له بإلقائه أحد أكثر الخطب إثارة للروح الأميركية، لكونه خطاباً جاء حاملاً لروح تغيير المشهد السياسي والاجتماعي الراهن، ما يضعه في مصاف الخطب التاريخية الشهيرة، المنسوبة إلى كل من الرؤساء والقادة الأميركيين، كـ''جون كنيدي'' و''مارتن لوثر كنج''، و''رونالد ريجان''؛ ففي خطاب ''أوباما'' أمران لهما أهميتهما في هذه المعركة الماضية إلى بلوغ التسونامي الانتخابي الخاص بها، يوم الثلاثاء الموافق الخامس من شهر فبراير المقبل·
أولهما، ما حوى عليه من مناقشة لمسألة العرق، على رغم عدم تعرضه لمفردة العرق بحد ذاتها؛ أما ثانيهما، فيتلخص في احتوائه على ما لم يطرق آذان الناخبين الديمقراطيين ولا الجمهوريين، في أي معركة انتخابية سابقة جرت خلال السنوات الأخيرة من التاريخ الأميركي· هذا هو ما شهد به حتى أكثر المحللين السياسيين انحيازاً في انتقاداتهم ضد خصومهم الديمقراطيين، وليس من مثال أسطع لهؤلاء، من المحلل السياسي الجمهوري ''بيل بنيت'' الذي وصف خطاب النصر الذي ألقاه ''أوباما'' بأنه جاء معبراً عن أهم ما في طبيعة النفس الأميركية؛ وفي عودة أخرى إلى تطرق ''أوباما'' لموضوع العرق، وهو أمر قلما تم التطرق إليه حديثاً في السياسة الأميركية، فقد أظهرت طريقته الذكية، بأنه مرشح رئاسي ذو نزعة قيادية بحق، ذلك أن العرق لا يزال من أكبر المعضلات التي تواجهها أميركا حتى اليوم، وعلى رغم ذلك، فإنه ما من أحد جرؤ على تحديد الخطوط العامة على الأقل، للتصدي لها كمشكلة، طوال السنوات الأخيرة الماضية·
في مقابل هذا الصعود الذي حققته حملة ''أوباما'' في ولاية أيوا، فقد هوت إلى قاع سحيق من الخيبة والفشل، حملة منافسه الجمهوري ''مت روميني''، بسبب عجزه عما يجب قوله في مثل هذه المناسبات، منذ قبل شهر مضى في ولاية تكساس· فمنذ البداية، كان على حاكم ولاية ''ماساشوسيتس'' هذا، التصدي لمشكلة عدم التسامح الديني التي واجهها، فقد أظهرت آخر استطلاعات الرأي العام التي أجريت، أن هناك واحداً بين كل أربعة أميركيين، يتردد في الإدلاء بصوته الانتخابي لصالح مرشح رئاسي، ينتمي إلى الطائفة الدينية المرمونية· بل إن هذا التحفظ يبدو أكثر شدة في أوساط القاعدة الانتخابية للبروتستانت الإنجيليين، على رغم أنها تشكل الجناح الاجتماعي الأكثر ولاءً للحزب الجمهوري· وكان ''روميني'' قد حاول عبثاً محاكاة ذلك الظهور الشهير للرئيس الأسبق ''جون كنيدي'' عام ،1960 أمام حشد من الوزراء البروتستانت، المعادين لفكرة أن يتولى قيادة بلادهم رئيس كاثوليكي· والذي فعله ''كنيدي'' في ذلك اللقاء، هو التعامل المباشر مع المعضلة، وذلك بالطرق على انتمائه الكاثوليكي 14 مرة في خطاب واحد، وبدلاً من أن يفعل ''روميني'' على نحو ما فعل كنيدي، فقد حاول التخفيف من وطأة ثقل انتمائه الديني، فلم يرد في حديثه سوى مرة واحدة فحسب، إضافة إلى الخطأ الفادح الذي ارتكبه، بهجومه الشرس على النزعة العلمانية الإنسانية، وتأكيد انتمائه الديني بوجه عام، اعتماداً على إيمانه بالسيد المسيح· هكذا فعل خطابان انتخابيان فعلهما صعوداً وهبوطاً، في المعركة الانتخابية الرئاسية الدائرة الآن·
تم روتن

كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست''

اقرأ أيضا