الاتحاد

تقارير

خطاب بوش الوداعي··· وهواجس حُكم التاريخ!

خطاب بوش الوداعي··· وهواجس حُكم التاريخ!

خطاب بوش الوداعي··· وهواجس حُكم التاريخ!

ودع الرئيس بوش الأميركيين مساء الخميس الماضي· ففي خطابه الأخير إلى أمة قادها لثماني سنوات، كانت الثقة التي عرف بها بوش مشوبة بنوع مبطن من الندم والشعور بالذنب حين اعترف بأنه ''عرف بعض الانتكاسات''، مشدداً في الوقت نفسه على أنه إنما كان يعمل لما فيه ''المصلحة العليا'' للبلاد·
وأمام كاميرات القنوات التلفزيونية في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض، تحدث بوش أمام جمهور يضم مجموعة من الضيوف الذين تلقوا الدعوة للاستماع إلى خطابه وشمل عشرات الأشخاص الذين عرف معظمهم لحظات مفصلية من حياتهم خلال فترة رئاسته إذ من بينهم أرامل ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر وآباء جنود قتلوا في العراق وأفغانستان· وقد تباهى بوش بنجاح إدارته في تلافي هجمات إرهابية، والدفع بإصلاح التعليم إلى الأمام، ونشر الديمقراطية في الخارج قائلاً إن رئاسته ''كانت فترة بالغة الأهمية، فترة فريدة من نوعها''·
غير أن حاكم تكساس السابق، الذي عُرف في يوم من الأيام بخطاباته المتعجرفة والحافلة بالتهديد والوعيد، بدا أيضاً خلال لحظات من خطابه ناشداً المصالحة حيث دعا منتقديه إلى النظر إلى نواياه الحسنة، مؤكداً أن التاريخ هو الذي سيصدر حكمه النهائي على فترة رئاسته· وفي هذا السياق قال بوش خلال خطابه الذي دام نحو 13 دقيقة: ''ثمة أشياء كنت سأقوم بها على نحو مختلف لو منحتُ الفرصة من جديد··· غير أنني كنت أعمل دائماً لما فيه المصلحة العليا للبلاد· لقد اتبعت ضميري وفعلت ما كنت أعتقد أنه الصواب''· وأضاف يقول: ''قد لا توافقون على بعض القرارات الصعبة التي اتخذتها··· ولكنني آمل أن توافقوا على أنني كنت مستعداً لاتخاذ قرارات صعبة''·
ويشكل الخطاب آخر ظهور علني لبوش قبل يوم الثلاثاء، حين سيرحب بالرئيس المنتخب باراك أوباما في البيت الأبيض قبل التوجه إلى الكونجرس لتسليم مقاليد الحكم· وقد وصف بوش تنصيب أول رئيس أسود بأنه ''لحظة تبعث على الأمل والفخر بالنسبة لبلدنا بأسره''، معتبراً أن صعود أوباما ''يعكس الوعد والأمل الدائم لبلدنا''· هذا ويشكل خطاب بوش خاتمة شهرين من الجهود التي قام بها في مجال العلاقات العامة بعد أن هبطت شعبيته إلى مستويات قياسية أيضاً بسبب حرب العراق وإعصار كاترينا وانهيار الاقتصاد· وعلى رغم أن معدلات التأييد الشعبي لبوش قد تحسنت قليلاً بموازاة مع استعداده لمغادرة السلطة، إلا أنه يظل مع ذلك واحداً من بين أقل الرؤساء الأميركيين شعبية منذ بدء إجراء استطلاعات الرأي الحديثة·
غير أن بوش سبق له أن أوضح مراراً وتكراراً أنه لا يولي استطلاعات الرأي كبير اهتمام؛ حيث بدا نشطاً ومتمتعاً بمعنويات مرتفعة خلال خطاب مساء الخميس، وظهر بمظهره المعتاد كزعيم قوي لا يخشى اتخاذ قرارات صعبة لا تحظى بالتأييد الشعبي في كثير من الأحيان، خلال الأوقات العصيبة· كما تطرق في خطابه لهجمات الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها، مرجعاً الفضل في عدم حدوث هجمات جديدة على التراب الأميركي لجهود إدارته· وفي هذا السياق قال بوش: ''إذا كان معظم الأميركيين قد استطاعوا العودة إلى حياتهم كما كانت قبل الحادي عشر من سبتمبر، فإنني لم أستطع··· لقد تعهدت بالقيام بكل ما في وسعي من أجل حمايتنا''، مشيراً إلى أن البرامج المثيرة للجدل التي تبنتها إدارته بخصوص الاعتقال والاستنطاق العنيف والمراقبة كانت أساسية من أجل أمن الأميركيين وسلامتهم·
وتعليقاً على خطاب بوش الوداعي، قال المستشار السياسي إيد جليسبي، للصحفيين في البيت الأبيض إن القصد من هذا الخطاب هو أن يشكل ''نهاية، أو علامة ترقيم'' لسلسلة من الخطابات والحوارات التي ألقاها بوش ونائبه تشيني ومسؤولون كبار آخرون في الإدارة أو خصوا بها الصحفيين خلال الأسابيع الأخيرة·
والجدير بالذكر أن بيل كلينتون ورونالد ريجان ألقيا خطابين مماثلين خلال أيامهما الأخيرة في البيت الأبيض، وإن كانا قد ألقيا خطابيهما في المكتب البيضاوي وبدون جمهور، في حين ألقى جيمي كارتر خطاباً خاصاً حول ''حالة الاتحاد'' أمام الكونجرس في نهاية ولايته الرئاسية· أما الاستثناء الوحيد خلال السنين الأخيرة، فقد كان جورج بوش الأب الذي قرر ألا يلقي أي نوع من الخطابات الوداعية بعد هزيمته أمام كلينتون·
وعلى غرار الرؤساء الذين سبقوه، ضم خطاب جورج بوش الأخير جرعة كبيرة من التفاؤل، ومن ذلك دعوته إلى مواصلة الانخراط مع بقية العالم والإشادة بالولايات المتحدة كقوة للدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان· غير أنه إذا كان كلينتون وريجان قد استطاعا الإشارة في خطابيهما الوداعيين إلى تحسن واضح في الاقتصاد والشؤون الخارجية خلال عهدهما، فإن مهمة بوش كانت أصعب بسبب استمرار الحرب في أفغانستان والعراق والانهيار المالي الذي يعد الأسوأ منذ الكساد الكبير·
وقد وصف بوش أفغانستان باعتبارها ''ديمقراطية ناشئة تحارب الإرهاب''، والعراق بأنه ''ديمقراطية عربية في قلب الشرق الأوسط، وصديق للولايات المتحدة''· أما بخصوص الاقتصاد، فقد اعترف بوش بـ''التحديات التي تقف أمام رخائنا وازدهارنا''، ولكنه قال إنه اتخذ ''التدابير الحاسمة'' التي ''ستعيد اقتصادنا (في نهاية المطاف) إلى طريق النمو''· ويجادل بوش ومدافعوه بأن الزمن سيثبت صحة كثير من قراراته المثيرة للجدل، مثل غزو العراق، مشتكين من أن استمرار الجدل بشأن سياساته الأمنية والدفاعية يحجب ويغطي على بعض من أبرز إنجازاته ونجاحاته مثل برامج محاربة الإيدز في العالم وبرامج إصلاح التعليم·
وقال بوش، بعد أن أشار إلى بعض من التحديات والتهديدات التي تواجه إدارة أوباما المقبلة، ''لقد واجهنا الأخطار والاختبارات، وما زال ثمة الكثير أمامنا··· ولكن بفضل شجاعة شعبنا والثقة في مُثلنا، فإن هذه الأمة العظيمة لن تكل أبداً، ولن تتعثر أبداً، ولن تفشل أبداً''·

دان إيجن- واشنطن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا