الاتحاد

دنيا

جبّار خمّاط حسن: المسرح الإماراتي يتطور بيقين ثابت


الشارقة ـ عبد الجليل علي السعد:
يعد الدكتور جبار خماط حسن وجها مسرحيا عراقيا وعربيا معروفا بنشاطاته المسرحية المكثفة، ورؤيته الشاملة في النقد المسرحي التي حاز عنها درجة الدكتوراه من جامعة بغداد· كما أن له الكثير من الكتابات والقراءات في الكثير من الدوريات الأدبية والمسرحية؛ فهو كاتب ومخرج مسرحي له رصيده الكبير من الأعمال والنشاطات في المهرجانات المسرحية العربية، وناقد متمكن من أدوات لغته وفنه اشتهر بتميزه بنقده الحاد القوي المباشر الذي يتبصر كافة مراحل وظروف المسرح العربي في توهجه وانكساره أو قوته وضعفه· وهو فنان أكاديمي حيث حصل على بكالوريوس فنون مسرحية من جامعة بغداد، وماجستير فنون مسرحية في (التمثيل)، ودكتوراه فنون مسرحية في (الأدب والنقد المسرحي) من نفس الجامعة· كما أنه عضو نقابة الفنانين العراقيين، وعضو جمعية النقاد المسرحيين العراقيين· وألف وأخرج العديد من المسرحيات من بينها 'رؤيا الفردوس' و'أيام رباعيات الخيام'· وكتب مسرحيات عدة منها 'الناس والعاصفة' و'ألم أو امرأة لم تحب لكنها أحبت بعنف'· وشارك في مهرجان الجامعة اللبنانية الأميركية ببيروت ومهرجان أيام عمان المسرحية ومهرجان عمون المسرحي ومهرجان المسرح الأردني وأيام الشارقة المسرحية حيث كانت لنا معه هذه الوقفة التي تحدث فيها بشفافية حول هموم المسرح العراقي والخليجي والإماراتي·
؟ مر العراق بمراحل سياسية حياتية مختلفة منذ العام 1964 حتى العام ،1973 حتى حرب الخليج الأولى والثانية، فهل كان المسرح في العراق نسيجا وحيدا متماسكا أم كان متنقلا ما بين افرازات هذه المراحل وسياساتها وظروفها الأدبية والاجتماعية؟
؟؟ مر المسرح العراقي بمراحل أسلوبية في حياته، بداية من مسرح الرواد ذو الاتجاه العلمي الأكاديمي التثقيفي، وكان من رواده: إبراهيم جلال ويوسف العاني وقاسم محمد، وهي أسماء مهمة في الحاضر المسرحي العراقي وأسست علاقة وثيقة مع المسرح بوصفه خطابا تغييريا، كونهم عاشوا وضعا سياسيا محتدما وتيارات فكرية مختلفة داخل الوسط العراقي· وكونت هذه المجموعة تصورات مختلفة للمسرح وضرورته الاجتماعية والتغييرية والتنويرية، ومن خلال هذه العلاقة ظهرت أسماء اتخذت مناهج وأساليب تعبر عن هذه الأفكار بطرائق مسرحية تتخذ مسارات تتوازن مع المنطلقات الفكرية التي يراد إيصالها للمتلقي· هذه المجموعة الأكاديمية التي تتخذ من العلم أساسا في العطاء المسرحي أعطتنا - كأجيال - ثقة في ضرورة المسرح إزاء حركة المجتمع من خلال الدرس الأكاديمي والاحتدام الفكري بين الأستاذ والطالب الذي يسمح لنا بذلك، إذ لم نجد تباينا أو طبقية في نظرة الأستاذ إلى الطالب الذي يحثه على أن يجادل ويعطي ويكتسب هوية التجريب بوصفه خطا بيانيا تصاعديا وصولا إلى ما يعرف بالتميز في العطاء المسرحي·
مسرح الحرب
من جهتها عندما أخذت هذه الأجيال ناصية العلم والخبرة الأكاديمية من الأساتذة، تطورت بذاتها مع حركة المجتمع وظهر لدينا مسرح آخر هو مسرح الحرب،· حيث كنا نعيش حالة الحرب في الشارع والبيت ووسائل الإعلام والجبهات التي انعكست علينا اجتماعيا ونفسيا؛ فالمسرح لا ينظر إلى الحرب بوصفها حالة عالية الجمال أو يقدمها على مستوى إعلاميا،· وإنما يدرس الحرب بوصفها انعكاسا سلبيا على المجتمع وعلى تصورات المجتمع بالكامل· وبالتالي ظهر نص مسرحي يعالج فكرة الحرب؛ مما استدعى وجود ضرورات مسرحية جديدة في رسم المشهد، وفي علاقة الجمهور بالعرض المسرحي· وظهر لدينا ما يعرف بالنسيج العاطفي ما بين الصالة وبين ما يقدم على الخشبة، وكل هذا خلق تعاطفاً مشتركاً ما بين الشخصية المقدمة على المسرح والجمهور، ذلك أن الشخصيات لم تكن بعيدة عن حركة المجتمع، فكان مسرح حرب متحرك وجدلي ظهر مع جيل التسعينيات وصولا إلى الآن، وهو مسرح الاختبار والمسرح الجمالي، ويمكن القول المسرح التجريبي، ففيه قنوات مختلفة بدءً من النص والمعالجة وانتهاء بالعلاقة مع الجمهور·
لقد ظهر لدينا نص تجريبي في المعنى، وهو نص ليس دراميا بالمجمل وأسميه تناص درامي مع أجناس أدبية أخرى· وظهر نص دراما القصيدة، و دراما الرواية، ونص الدراما المفتوحة· وهذه الأجناس الدرامية الأدبية التي ابتكرها المؤلف والمخرج، أوجدت حرية في التعبير وحرية في المعالجة المسرحية، فهناك خرق في مألوفية المكان حيث تجاوز المخرج العراقي العلبة الإيطالية ووحدة المكان فاستثمر البيت والحديقة والمقهى· هذه التعددية أغنت التجربة المسرحية العراقية وأوجدت علاقة جديدة ما بين المتفرج والعرض المسرحي، علاقة مفتوحة وحميمية لا يقطعها الظلام أو الضوء الموجود لدى المشاهد والعرض، وهذه العلامات تثبت أن المسرح العراقي حيوي وجدلي ويتداخل مع بعضه البعض في قراءات تثقيفية متكافلة تجعلني أتوقع أن المسرح العراقي الحاضر لا يتقهقر في عطائه الجمالي وإنما سوف يتقدم بقراءات جديدة مغايرة، بشرط عدم نسيان أصولنا الثقافية التي يجب أن نجد لها بيئة ومحيطا وتصورا يلائم الذائقة المسرحية للجمهور، حتى لا نخلق علاقة مرضية، بل علاقة ايجابية حتى نحول المسرح بالمحصلة حالة ثقافية حضارية، كما كان سائدا في حركة الرواد فيكون لسان حال الناس حين يتحاورون وضرورة حياتية ثقافية مثل باقي الضرورات·
تداخل مرجعيات
؟ كيف ترى حركة النقد المسرحي، ومن هم روادها؟
؟؟ النقد المسرحي العراقي جمع ما بين النقد الأكاديمي والنقد الذي ظهر مع أسماء تمرست في نقد الأجناس الأدبية الأخرى، فهناك النقد الأدبي في قراءة النص المسرحي على سبيل المثال، وهنالك النقد المسرحي الذي ينطلق من واقعة العرض المسرحي، وهنالك مرجعيات نقدية تتداخل مع العرض بحسب مستويين، الأدبي المتمثل في النص، والجمالي المسرحي المتمثل في العرض، وهذه الحركة النقدية تباينت في عطائها، فهناك النقد الجاهز وهنالك النقد الموضوعي، النقد الجاهز هو ما يدفع بالناقد لأن يأتي للعرض ولديه تصور جاهز عن العرض، فإن توافق العرض مع تصوره أصبح هذا العرض ناجحا، وإن لم يتفق أصبح فاشلا، أما النقد الموضوعي فهو ينطلق من موضوعة العرض أو من الفرضية الأسلوبية التي أوجدها المخرج كمعادل موضوعي جمالي لمقولة النص المركزية، هذا النقد نحن بحاجة إليه، ولدينا أسماء في العراق مثل الدكتور باسم الأحسم وعبد الخالق قيطان، كما أن لدي شخصيا بعض الدراسات في هذا الشأن، فلدينا في العراق كما هو الحال في الوطن العربي مسرحا ونصوصا ومخرجين وجمهور، لكننا نفتقد الناقد الحقيقي وحلقة الوصل الموضوعية ما بين العرض المقدم والجمهور، وفي تصوري هنالك أزمة نقد عربية، بمعنى أن النقد العربي باتجاهه المغاربي (أي في بلاد المغرب) واتجاهه المشرقي (أي المشرق العربي) يتخذ مقولات لا تصلح للعرض المسرحي، مقولات تختص بالرواية والشعر في النقد الأدبي المعاصر مثلا، وهذه الروايات والقصائد تدخل قسريا على العرض المسرحي فتخلق علاقة هجينة وتداخلا غير عملي في النص، في حين أن العرض المسرحي له كينونة مستقلة، وبالتالي علينا أن نعالج هذه البنية بضرورات ومصطلحات نقدية مسرحية ولا نعالجها بأطر نقدية من أجناس أدبية أخرى ما لم تتكيف وتتجانس مع ضرورة العرض المسرحي، فالمصطلحات والأطر الأكاديمية النقدية المسرحية منذ أرسطو وحتى اليوم تطورت نقديا، وهذا يشترط فهم البنية المسرحية والخطاب الجمالي العربي والخطاب الأدبي النفسي الاجتماعي للعرب، هذه العناصر الثلاثة إذا ما تبناها الناقد ووضعها في العرض يمكننا أن نؤكد تمكنه من أدواته النقدية، وقد طالبت في لقاءاتي الصحفية والتلفزيونية بإيجاد ورش نقدية أسوة بورش التمثيل والإخراج والديكور وغيرها، مع اختيار أسماء مهمة ومعروفة من النقاد لإدارة هذه الورش، لتتحقق للساحة المسرحية فائدة كبيرة من حيث تأسيس حالة نقدية جيدة في الخطاب العربي الثقافي·
المسرح الخليجي
؟ هل تكونت لديك بشكل من الأشكال أي علاقة بالمسرح في الخليج، وكيف تراه اليوم؟
؟؟ لا أمتلك علاقة مباشرة بالمسرح في الخليج إخراجا أو كتابة أو غيرها، لكني متابع لكل الأدبيات والقراءات والدوريات الصادرة، ولي علاقات شخصية مع بعض المبدعين المسرحيين في الخليج عبر المهرجانات العربية التي أدعى إليها، وأرى أن المسرح في الإمارات، كمثال، فيه صراع جميل لاكتشاف هوية إماراتية ضمن التداخل الحيوي ما بين الأساليب، وهذا يعطيني الانطباع بأن المسرح في الإمارات يتطور بيقين تدريجي ثابت وليس انفعالي، وذلك ضمن عروضه المتباينة في جودتها وتمكنها من اللعبة المسرحية، هنالك مسرح ناضج يمكنه أن يمتلك بصمة في ناصية الخطاب المسرحي العربي·
المسرح في الخليج يمتلك من ثقافة الداخل جانبين، الأول ثقافة البحر والثاني ثقافة البر، مما يفرض على المسرح أن يوظف التداخل بين الجانبين بوعي وإدراك، كما يجب استشراف ما بعد البحر والعلاقة مع العالم، والتي ستعطينا موضوعات جديدة وناضجة ومتحركة نحن بحاجة إليها، كما يمكننا أن نأخذ من النصوص العالمية، لكن من دون أن نغفل الثراء الموجود لدينا من الموضوعات الخليجية التي يمكننا أن نستفيد منها· فقد وجدت الحركة الأدبية والمسرحية في الإمارات من أشاد بها وبما قدمته خلال السنوات الماضية، ويبقى أن نثق بأنفسنا دون أن يستهوينا الثناء، فمن لا يحافظ على ما لديه يموت ويذوي، أما من يرعاه ويسقيه من روحه فسينمو معه ويزهر وتملأ الفاكهة أغصانه ليعطي من ثمره الجميع·

اقرأ أيضا