الاتحاد

الاقتصادي

صعود أسعار النفط رهن بنجاح خطط إنقاذ الاقتصاد العالمي

اتسم عام 2008 بهشاشة وتقلبات أسعار النفط بعد أن بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق في الثالث من يوليو الماضي الى 147 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع الى أدنى مستوياتها طوال فترة أربع سنوات·
لذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن أصبح يتمحور ، ما الذي يمكن أن يحدث للأسعار في مستقبل الأيام؟· فلقد ظل الطلب على النفط الى ارتفاع بوتيرة يصعب كبح جماحها بسبب التنمية والتطوير المتسارع في دول مثل الهند والصين·
ثم جاءت الأزمة المالية العالمية لكي تسفر عن تغير دراماتيكي في هذه المسيرة حيث شهد الطلب انخفاضاً ملحوظاً أثناء الفترة الأخيرة من عام 2008 في ذات الوقت الذي ازداد فيه حجم المخزون العالمي·
ففي الربع الثالث من العام تراجع الاستهلاك الأميركي للنفط بمقدار بحوالي مليون برميل يومياً، أي بنسبة 5 في المائة تقريباً بينما لا يزال من المرجح أن يشهد المزيد من التراجع والانخفاض في الربع الرابع من العام·
ومن أجل المحافظة على توازن السوق عمدت منظمة الدول المصدرة للبترول ''أوبك'' الى خفض الإنتاج عندما وافقت المنظمة التي تستحوذ على 40 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط على اعتماد أكبر انخفاض لها في الإنتاج منذ تأسيسها وبشكل أدى الى تراجع إجمالي في حصص الدول الأعضاء في النصف الثاني من عام 2008 بمقدار يصل الى 4,2 مليون برميل يومياً·
إلا أن هذه الخطوة قد فشلتا أيضاً في توفير الدعم للأسعار التي استمرت الى انخفاض بنسبة 10 في المائة تقريباً في الجولتين اللاحقتين·
ولعل هذا التراجع والانخفاض في الأسعار يعود الى سببين رئيسيين أحدهما يتعلق باستمرار تدهور مستوى الطلب كنتيجة طبيعية لوقوع الاقتصاد العالمي في هوة الكساد العميق، بينما يختص السبب الثاني بالشكوك التي تساور السوق بشأن ما إذا كانت الدول الأعضاء في منظمة أوبك سوف تلتزم بالحصص الجديدة المقررة، خاصة بعد تواتر أنباء تشير الى أن 85 في المائة فقط من حصة الخفض السابقة بمقدار 1,5 مليون برميل قد جرى تنفيذها· ولما كان الخفض الأخير المحدد بمقدار 2,2 مليون برميل يومياً سوف يبدأ العمل به ابتداء من الأول من يناير الجاري فما زال محللون غير متأكدين من أن الدول الأعضاء سوف تلتزم وتتمسك بحصص الإنتاج المقررة· لذا فقد ظلت تسود حالة من الغموض وعدم وضوح الرؤية بشأن إمدادات النفط خلال فترة الأشهر القليلة القادمة·
ثم هناك روسيا ثاني أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم· ولطالما ظلت منظمة أوبك تأمل من هذه الدول الانضمام إليها على الأقل في مسألة التنسيق في خفض الإنتاج· وبالفعل فقد سارعت روسيا الى إرسال وفد على أعلى المستويات لحضور اجتماع أوبك في ديسمبر الماضي غير أنها ذكرت لاحقاً بأنها لن تسطيع تبني الخطوات التي اتخذتها أوبك·
ولربما كانت هناك ضغوط أميركية وقفت خلف القرار الروسي بعد أن أشار بعض المحللين الى أن الكونجرس قد حذر روسيا من إخراجها من مجموعة دول الثماني الكبار في حال تعاونها مع أوبك·
وهنالك سبب آخر يكمن في أن ارتفاع أسعار النفط بات ينعكس في تراجع قيمة الدولار· ففي الوقت الذي ظلت فيه العملة الخضراء تشهد الضعف والانخفاض، اندفع المستثمرون في شراء الموجودات المقيمة بالدولار كإجراء تحوطي ضد التضخم، وهو الأمر الذي أدى بدوره الى ارتفاع أسعار النفط الى مستويات تقترب من 150 دولاراً للبرميل·
وعلى كل فإن التدهور الذي لحق بالاقتصاد العالمي جعل المستثمرين يسارعون الى استعادة واسترداد هذه الموجودات بعد أن أصبحت تنطوي على مخاطر·
أما الآن فقد بات من المرجح أن تشهد أسواق العملة في عام 2009 الكثير من التأرجح والتقلبات وبشكل يصعب من خلاله التنبؤ أو التوقعات· وإذا ما قدر للدولار أن يحافظ على قوته فإن أسعار النفط سوف تبقى لا محالة في مستوياتها المتدنية· ولكن الاحتياطي الفيدرالي قد عمد مؤخراً الى خفض أسعار الفائدة الأميركية، كما أشار الى إمكانية اللجوء الى طباعة المزيد من الدولارات في محاولة لإيقاف الكساد من أن يتحول الى انكماش·
لذا فإن العديد من المحللين أضحوا يتوقعون أن يؤدي هذا الأمر الى تقليل قيمة الدولار والذي بدوره سوف يؤدي الى رفع أسعار النفط مجدداً·
ولكن وفي نهاية المطاف فإن ما سيحدث لأسعار النفط سوف يعتمد بشدة على ما ستتمخض عنه الحزم التحفيزية المالية التي تم ضخها مؤخراً·
وإذا ما نجحت في تحسين حالة الاقتصاد واستعاد الطلب عافيته فإن ذلك سوف يؤدي بلا شك الى ارتفاع أسعار النفط· أما إذا ما انتهى المطاف بهذه الحزم التحفيزية الى الفشل فسوف تصبح الرؤية معتمة وحالكة بالنسبة لأسعار النفط· علماً بأن العدوى الاقتصادية في الغرب قد امتدت لكي تضر بشدة قاعدة الصناعة في الصين·
ويشار أيضاً الى أن فرانسيسكو بلانش محلل النفط في مؤسسة ميريل لاينش كان قد توقع في أوائل ديسمبر الماضي أن أسعار النفط يمكن أن تتراجع الى مستوى 25 دولاراً للبرميل في عام 2009 إذا ما وقعت الصين في هوة الكساد·
ولكنه عاد ليقول إنه في عودة النمو الاقتصادي العالمي فإن الساحة سوف تشهد مجدداً نقصاً مريعاً في إمدادات الطاقة ما جعله يتنبأ بأن أسعار النفط سوف تصل الى مستوى 150 دولاراً للبرميل خلال عامين أو ثلاثة من الآن· وفي الحقيقة فإن العديد من المحللين يرجحون أن تبقى أسعار النفط متدنية على المدى القصير· إذ يقول مايكل لويس المحلل في دوتشه بانك إن أسعار العديد من السلع سوف تستمر الى انخفاض كنتيجة لأسوأ تباطؤ اقتصادي يشهده العالم منذ الكساد العظيم ·
وكذلك على المدى الطويل فإن أسعار النفط باتت مرشحة لكي تعاني من المزيد من التراجع أيضاً بسبب توقف الاستثمارات في اكتشاف الموارد الجديدة مثلما حذر جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني مؤخراً عند مخاطبته لمؤتمر وزراء الطاقة الذي عقد في لندن من أن اتجاه الدول الى خفض الاستثمارات في إنتاج النفط سوف يؤدي الى تجاوز الطلب في نهاية المطاف لمستوى المعروض مجدداً وبشكل يجبر الأسعار على الارتفاع·

عن ''ديلي تليجراف'

اقرأ أيضا

نواب أميركيون يقدمون مشروع قانون لإبقاء "هواوي" على القائمة السوداء