الاتحاد

دنيا

السعادة "1"


د· فائقة حبيب. مستشارة نفسية وأسرية defaiqa@emirates.ae: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)·
يشير العديد من الباحثين والكتاب في المجالات النفسية والاجتماعية إلى أهمية توصل الفرد إلى الشعور بالسعادة والرضا عن الذات، وأود تذكير كل زوج وزوجة بأهدافهما من العلاقة الزوجية وهي الوصول إلى تحقيق رضا الله سبحانه وتعالى، وبأهمية الوصول إلى السعادة الذاتية والزوجية· ويمكن تحقيق ذلك من خلال تمتع كل زوج بعدة صفات، وبالأخص عندما ينتهج هذه الصفات في أغلب أوقاته داخل أسوار العلاقة الزوجية وهي صفة الصبر والاحتساب لله سبحانه وتعالى· فقد وصف ابن الجوزي الصبر بأنه (حبس النفس عن فعل ما تحبه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل، مما لو فعله أو تركه لتأذى به في الآجل)· وقد يستغرب القارئ كيف أتحلى بالصبر وأصل للسعادة الزوجية، هنا يكمن السر وهو أحد أسرار السعادة الزوجية والذي سنتناوله في فكرتنا اليوم إن شاء الله تعالى·
وقبل أن نحدد المهارات التي نستطيع التدريب عليها لنحقق النجاح والسعادة لابد من تجديد كل زوج وزوجة النية لله سبحانه وتعالى، والتوكل على الله والإيمان بالقضاء والقدر، ومن ثم التحلي بالصبر على ذاته وعلى الزوج الآخر·
فوائد الصبر ونتائجه
- مكافأة الخالق لعباده الصابرين، إذ قال تعالى: (إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)·
- حسم النزاعات والمشكلات بسهولة ورضا·
- التخلص من الديون وقلق سدادها·
- التمتع بصحة نفسية واجتماعية·
- قلة الإصابة بالأمراض الجسدية والاجتماعية·
- التفوق في اتخاذ القرارات الشخصية والمهنية والزوجية·
* الصبر في واقع علاقاتنا الزوجية
إذا تفحصنا علاقاتنا الزوجية والأسرية في عالمنا المعاصر، نجد أن أحد أهم أسرار العلاقة الزوجية يحتاج إلى وقفة لدراسته وهو صبر الزوج على زوجته وصبر الزوجة على زوجها، في نواح متعددة ومجالات متنوعة في الحياة الزوجية والأسرية منها:
* الصبر على:
- طاعة الزوج لزوجه الآخر·
- صفات الزوج الآخر المغايرة لصفاتي·
- قراءة العلاقة الزوجية بصورة إيجابية·
- العمل في مصلحة العلاقة الزوجية وإن اختلفت مع رغباتي·
- اتخاذ القرار عند الغضب·
- الوقت المبذول لرعاية الزوج الآخر وتلبية حاجاته·
- الحلم والتحلم بالأخلاق وحسن المعاشرة·
- الانتقاد بصوت مسموع·
- تأجيل تنفيذ المطالب وتحقيق الرغبات·
- وأخرى
* كيف:
- أستطيع الصبر على الزوج إن صدر منه أي تقصير ؟
- يمكنني تحمله ؟
- أتمكن من تخفيف غضبه ومساعدته على الإقلال من توتره بدلا من مضاعفته بمشكلة إضافية تحيره وتتعبه!
- أعوده وأعود ذاتي لنكون أكثر صبرا وهدوءا!
من الواقع الزوجي
إذا عدنا لواقع علاقاتنا الزوجية والأسرية، نجد أن أغلب صراعات الأزواج تنحصر في أفكار الزوج وهواجسه، وقد نجدها في أغلب الأحيان تتصارع بين الأفكار السلبية والايجابية، بين الحق والباطل، بين الصواب والخطأ· وقد يستمر ذلك في بعض الأحيان لفترة طويلة، وقد تحسم كل هذه الهواجس في ظل الإيمان بالله والتغلب على الخطأ والباطل بالصبر والاحتساب لله تعالى بدلا من مجادلة الزوج الآخر واستمرار الصراع معه·
والصبر زاد المؤمن على ما يبتلى به، فاليوم نحن أحوج ما نكون للصبر ليس على البلاء فقط بل ليتسنى لنا التفكير بهدوء وروية والتوكل على الله· في البدء بتغيير بعض الطباع التي تُعرضنا لمواقف الخسارة أكثر من الربح أو الفوز·
فالصبر خصلة محمودة عند الصغير قبل الكبير وهو ما أوصانا الله بها، وقد ذُكرت في آيات كريمة كثيرة، كما أسر إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في الحديث القدسي: (ابن آدم إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرض لك ثوابا دون الجنة)·
والصبر من الصفات التي تجعل الفرد أكثر استقرارا وسعادة إن تحكم في ذاته، إذ به يتغلب الفرد على نزواته ورغباته ويكظم غيظه ويعف عن الحرام ويتسع صدره للآخرين ويقنع بما وهبه الله إياه، ويتجمل بالخلق، ولا يعني ذلك أن تصبر الزوجة على ما تعرضت لها حياتها الزوجية أو الأسرية من تصدعات أو مشكلات فحسب، بل تصبر أيضا على مغريات الحياة المختلفة، والصبر على مقارنة زوجها أو حالتها الزوجية بالعديد من الأخوات أو الجارات· وهناك العديد من الأزواج والزوجات يتعللون بأن الطبع يغلب التطبع، فمن طباعهم ضعف القدرة على الصبر أو تحمل ما تعانيه علاقتهم الزوجية من مشكلات أو مواقف أو من صفات أو عادات لديهم أو لدى أزواجهم وزوجاتهم، وقد يتعرفون أو يتدربون أحيانا على بعض الاستراتيجيات التي تؤهلهم للتحمل والصبر وأحيانا أخرى تنتهي علاقاتهم بسبب عدم تحملهم أو تحملهم وضعف تحمل الشريك الآخر·
الأسباب
بما أن الفرد اجتماعي وإنساني بطبعه، ويسعى إلى استمرار علاقاته الإنسانية وديمومتها، لذلك عليه أن يتزود بالصبر على أخطاء الآخرين، ليتمكن من مخالطتهم، ومن إصلاح أحوالهم، وفي ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)·
إذ يعود غالبا ضعف الصبر أو ضعف التحمل إلى التربية التي نشأ عليها أغلب الأزواج والزوجات والتي جعلت البعض منهم يظن أن الصبر عند موقف معين أو مشكلة ما يدل على ضعف أو ذلة، ولو كان كذلك لما ارتضى الله تعالى الصبر لعباده من الرسل والصالحين والمؤمنين· وقد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بشر به ابن عباس ويبشر به جميع من يعمل بالصبر: (واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)·
مواقف زوجية معبرة
وفي الحياة الزوجية عدة أمثلة تشير إلى الصبر منها مثلا:
* صبر الزوجة على غيرتها والعمل على تهذيبها في ذاتها لتنال الأجر العظيم الذي بشرها به الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): (إن الله كتب الغيرة على النساء والجهاد على الرجال، فمن صبر منهن احتسابا كان لها أجر شهيد)·
* صبر الزوج على سمات شخصية زوجته وألا يمل منها أو يهرب إلى غيرها عند حدوث أية مشكلة أو خلال أشهر الحمل وبعد الولادة، ومعاملتها بروح طيبة وتحمل أي تقصير منها، كما تحملته سابقا ومحاولة التحلي بالصبر على غضبها أو متطلباتها أو مرضها أو ما تصاب به خلال سنوات العلاقة الزوجية، فكل ذلك من سمات القادة والشجعان·
* ومن توجيهات الإسلام للزوجين وبالأخص للزوجة ولصالح أسرتها، أن تحرص على التحلي بالصبر لأن البلاء بدرجاته المتفاوتة، وأشكاله المتنوعة قد كتب على البشر فمن تحمل وصبر فاز بالأجر العظيم وأسعد ذاته في الدنيا وفي الآخرة يكتب من الفائزين بإذن الله تعالى، ومن جزع هلك ولا يضر إلا نفسه·
* ومما يسهم في السعادة الزوجية وحمايتها من الهزات، أن يتحلى الأزواج والزوجات بالصبر على ما يحل بهم من بلاء في النفس والولد والمال، ويعمل كل منهم على مواساة الزوج الآخر إذا نزل به ما يضره وتخفيف الآلام عنه·
* الصبر على أطماع النفس ومطامحها وضعفها ونقصها وعجلتها ومللها، وشهواتها ورغباتها، وصفات الآخرين ونقصهم وضعفهم وجهلهم وضعف قدرتهم على التصرف السليم·
* طلب العلم والتعلم ليس في الجامعات والمدارس فحسب، بل على تعلم العلاقة الزوجية وقراءة الآخر وتفاعلاته والصبر على ما لديه·
خطوات
هناك خطوات مهمة لبناء سمات الصبر لدى كل زوج وزوجة، ولا يقتصر صبر كل زوج على زوجه الآخر فحسب، بل على ذاته وصراعاتها وذلك من خلال:
·1 توثيق الثقة بالله وتعميق الاعتقاد بأن كل ابتلاء هو خير للمسلم يؤجر عليه، وأنه من الأفضل له التمسك بالصبر والتسامح ليحصل على السعادة والأجر معا·
·2 التعامل بصدق وصبر واهتمام واحترام وتعزيز الآخر وتشجيعه بما لديه من إيجابيات وصفات حميدة، وتلبية حاجاته إن تعرض إلى أي موقف في حياته أو علاقته الأسرية·
·3 تحسين دور كل فرد من أفراد الأسرة أو تغييره، والبحث عن مصادر صحية لتوثيق القناعة الشخصية لديه للشعور بالطمأنينة والسير في دروب الحياة بخطوات أوسع وأكثر ثقة·
·4 التعرف على المشكلات وتحليلها بصبر والعمل على حلها قبل أن تصبح جدية ومتأزمة، وأن يتقبل كل منا مسؤولية نفسه وحل مشكلاته·
·5 الاستمرار بإجراء التمارين الرياضية والتدريب على التنفس السليم ببطء وهدوء والمحافظة على الاتزان الانفعالي وتقبل الآخر كما هو، وإيجاد الأعذار له بدلا من التسرع في الحكم عليه أو محاسبته·
·6 إعادة النظر بالتصورات الذهنية في الكمال مثلا وترديد عبارة (الكمال لله وحده)، والتغلب على الكرب بالدعاء والعمل بالأسباب، وعلى الملل بالتغيير والتحفيز، وعلى البلاء باستحضار ما أعد الله سبحانه للصابرين من أجر والتأسي بسيرة الصابرين من الأنبياء والأتقياء والصالحين·
وأن نتذكر دائما ما أمرنا الله سبحانه العزيز به، إذ قال تعالى: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)· ونستنتج من ذلك أن الصبر سمة شجاعة ولا يتمكن الضعيف من الاتسام بها، وإذا تحلى كل زوج بها سيتمكن من تغيير ذاته ويحقق الرضا والسعادة ويشيع الأمان والطمأنينة على علاقته الزوجية، ونشر هذه السمة في المجتمع بأسره·
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه·

اقرأ أيضا