الاتحاد

دنيا

امرأة بلا عيد

عرفتها انسانة طيبة، راقية، مترفعة، متواضعة، مبتسمة، حزينة، لبقة، متفهمة، تعلو محياها مسحة حزن دائم رغم ابتسامتها التي ترسمها على محياها لما تختزنه من آهات في عمقها، هكذا تعيش تروي حكايتها مع الغربة والحنين لبلدها الذي تعشقه حد الجنون. وهي التي تنحدر من مدينة صغيرة نائمة وسط البساتين والحقول، عاشت فيها طفولة سعيدة، وعرفت دفء الأهل وجمال المكان، لم تستطع النسيان رغم مرور الزمان، حتى من كان مسافرا لبلدها تطلب منه أن يأتيها بحفنة تراب وسنابل وزهور برية. كان والدها صارما قويا حافظا لأصول الدين والقرآن الكريم، واستمد قوته وجبروته من غناه وتجارته الناجحة التي صنعها بجهده وتعبه، كان حريصا على تزويج البنات في سن مبكرة، كانت ترقبه وتفكر كيف تتخلص من قبضته لتكمل دراستها الثانوية ثم الجامعية لتفوقها، جمعت تأييد إخوتها الذكور، بعدما حصلت على الثانوية العامة، ثم جمعت حقائبها وتوجهت للدراسة بالخارج مع أخيها. وكان قدري أن تزوجت ورحلت لبلد آخر أعيش هناك، تمردت على سلطة أب متوحد في القرار، خرجت لأثبت ذاتي، ولم أدرك يوما أنني سأدمرها وأظلمها، رفضت مدينتي الصغيرة ولم أكن أعلم أنني أعشق رائحة ترابها ومائها وخضرتها وبساطتها وعبق زهورها وأسواقها وحيويتها وحركيتها حد الجنون، لم أدرك يوما أنني سأعيش الاشتياق الدائم، والحنين الذي يقتلني ويعذبني ويحول بيني وبين عيشي كما يلزم مع أسرتي وأولادي، أزهق روحي الفراق مرات ومرات، آلمني الشوق لحضن أمي والنوم على ركبتيها، وحديث إخوتي وضحكاتهم الصافية التي لا تلونها ألوان. صدمت بداية لكني منيت النفس بصفاء جوي، وتحول هجر الناس لي إلى ألفة دائمة بحبي لهم وتفاني في عمل المستحيل معنويا لإرضائهم، لكن ذلك لم يزدهم إلا تجبرا وتعنتا عاطفيا... فأعمق أحزاني أيام الأعياد فلا أذكر عيدا بدون دموع؛ ربما لو صادفت صفاء حبهم وصدقه ما أحسست بغربة التراب والنفس، فصرت امرأة بلا عيد ترسم البسمة على ثغرها وقلبها يعتصر من الألم، وتحمل عيناها الأسى والمرارة... عبثت بي أيادي الزمان، لا أعاتب قدري الذي داسني بتلذذ، سحقني وأزهق روحي مرات ومرات، فكم مرة أواجه منهم طيش الكلام وشراراته، كم لحظات أحاول جاهدة رسم الفرحة، وأعاتب نفسي، ربما أنا من يهول الأمور، يلوح أحدهم بنبرة الازدراء، وفي أجمل اللحظات أجد ابتسامات ليست من صفاء الروح، وأنا التي عشت الدلال والغنج وعمت الفرحة حياتي الطفولية. اصطنع البسمة وأخفي حزني الدفين، هكذا أشعر أنني في تمثيل دائم، فالممثل يستريح من دوره مجرد انتهاء المشهد أما أنا فدائم دوري. أجلس على شرفتي، أسكن إلى نفسي، أسرح بخيالي، أقلب أوراقي، أعذب نفسي، أرتشف كأس قهوتي بلا معنى، هذه اللحظات أكون فيها «أنا» الحقيقية، أرجع وسط أهلي، أسبح بفكري بعيدا إلى تلك المدينة الصغيرة الجميلة، وسط بيتنا الواسع الكبير، أين كنا نجتمع على طاولة الأكل التي كانت لها طقوسها الجميلة، نشرب الشاي ونتحدث عذب الحديث وصفاءه، أرجع بذاكرتي وأقول لو كان الزمان يرجع للوراء لغيرت الاختيار، لأعيش دون أن يقتص من عمري هذه السنوات كيف لا وأنا بعيدة عن ترابي، آه كم عذبني طول الرجاء والحنين، فأنا امرأة بلا عيد.
رأي .. ولكن امرأة بلا عيد
عرفتها انسانة طيبة، راقية، مترفعة، متواضعة، مبتسمة، حزينة، لبقة، متفهمة، تعلو محياها مسحة حزن دائم رغم ابتسامتها التي ترسمها على محياها لما تختزنه من آهات في عمقها، هكذا تعيش تروي حكايتها مع الغربة والحنين لبلدها الذي تعشقه حد الجنون. وهي التي تنحدر من مدينة صغيرة نائمة وسط البساتين والحقول، عاشت فيها طفولة سعيدة، وعرفت دفء الأهل وجمال المكان، لم تستطع النسيان رغم مرور الزمان، حتى من كان مسافرا لبلدها تطلب منه أن يأتيها بحفنة تراب وسنابل وزهور برية. كان والدها صارما قويا حافظا لأصول الدين والقرآن الكريم، واستمد قوته وجبروته من غناه وتجارته الناجحة التي صنعها بجهده وتعبه، كان حريصا على تزويج البنات في سن مبكرة، كانت ترقبه وتفكر كيف تتخلص من قبضته لتكمل دراستها الثانوية ثم الجامعية لتفوقها، جمعت تأييد إخوتها الذكور، بعدما حصلت على الثانوية العامة، ثم جمعت حقائبها وتوجهت للدراسة بالخارج مع أخيها. وكان قدري أن تزوجت ورحلت لبلد آخر أعيش هناك، تمردت على سلطة أب متوحد في القرار، خرجت لأثبت ذاتي، ولم أدرك يوما أنني سأدمرها وأظلمها، رفضت مدينتي الصغيرة ولم أكن أعلم أنني أعشق رائحة ترابها ومائها وخضرتها وبساطتها وعبق زهورها وأسواقها وحيويتها وحركيتها حد الجنون، لم أدرك يوما أنني سأعيش الاشتياق الدائم، والحنين الذي يقتلني ويعذبني ويحول بيني وبين عيشي كما يلزم مع أسرتي وأولادي، أزهق روحي الفراق مرات ومرات، آلمني الشوق لحضن أمي والنوم على ركبتيها، وحديث إخوتي وضحكاتهم الصافية التي لا تلونها ألوان. صدمت بداية لكني منيت النفس بصفاء جوي، وتحول هجر الناس لي إلى ألفة دائمة بحبي لهم وتفاني في عمل المستحيل معنويا لإرضائهم، لكن ذلك لم يزدهم إلا تجبرا وتعنتا عاطفيا... فأعمق أحزاني أيام الأعياد فلا أذكر عيدا بدون دموع؛ ربما لو صادفت صفاء حبهم وصدقه ما أحسست بغربة التراب والنفس، فصرت امرأة بلا عيد ترسم البسمة على ثغرها وقلبها يعتصر من الألم، وتحمل عيناها الأسى والمرارة... عبثت بي أيادي الزمان، لا أعاتب قدري الذي داسني بتلذذ، سحقني وأزهق روحي مرات ومرات، فكم مرة أواجه منهم طيش الكلام وشراراته، كم لحظات أحاول جاهدة رسم الفرحة، وأعاتب نفسي، ربما أنا من يهول الأمور، يلوح أحدهم بنبرة الازدراء، وفي أجمل اللحظات أجد ابتسامات ليست من صفاء الروح، وأنا التي عشت الدلال والغنج وعمت الفرحة حياتي الطفولية. اصطنع البسمة وأخفي حزني الدفين، هكذا أشعر أنني في تمثيل دائم، فالممثل يستريح من دوره مجرد انتهاء المشهد أما أنا فدائم دوري. أجلس على شرفتي، أسكن إلى نفسي، أسرح بخيالي، أقلب أوراقي، أعذب نفسي، أرتشف كأس قهوتي بلا معنى، هذه اللحظات أكون فيها «أنا» الحقيقية، أرجع وسط أهلي، أسبح بفكري بعيدا إلى تلك المدينة الصغيرة الجميلة، وسط بيتنا الواسع الكبير، أين كنا نجتمع على طاولة الأكل التي كانت لها طقوسها الجميلة، نشرب الشاي ونتحدث عذب الحديث وصفاءه، أرجع بذاكرتي وأقول لو كان الزمان يرجع للوراء لغيرت الاختيار، لأعيش دون أن يقتص من عمري هذه السنوات كيف لا وأنا بعيدة عن ترابي، آه كم عذبني طول الرجاء والحنين، فأنا امرأة بلا عيد.

لكبيرة التونسي

اقرأ أيضا