الاتحاد

تقارير

تحديات الحراك التونسي

لمياء حاتيرا ونورا سليمان
كاتبتان وناشطتان سياسيتان


بالمقارنة مع سوريا ومصر واليمن وليبيا، تميّز التحول التونسي بهدوء سياسي نسبي. وتتغير المناصب الحكومية هذه الأيام في تونس بسرعة، ويحتاج المرء إلى تركيز كبير ليبقى على علم بكافة الأخبار، حيث تنحلّ التحالفات وتتشكل تحالفات جديدة ويتم تجديد ائتلافات قديمة. وقد صوّت التونسيون يوم 23 أكتوبر عام 2011، لحكومة ائتلافية عُرِفَت بالترويكا بقيادة الجبالي من حزب «النهضة» كرئيس للوزراء، ومصطفى بن جعفر من التكتل كرئيس للمجلس التأسيسي، ومنصف مرزوقي من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية رئيساً.
وعلى ورغم وجود انتقادات شعبية من قبل أحزاب المعارضة وأنصارهم لصعود الحكومة الجديدة إلى السلطة، كان العديد من التونسيين على استعداد لإعطاء فرصة للعملية الديمقراطية التي أتت بهذه الأحزاب إلى السلطة.
ولكن في 6 فبراير عام 2013، اهتز التوازن السياسي مرة أخرى عندما أطلِقَت النار على شكري بلعيد، المحامي البارز والعضو القائد في حزب الجبهة الشعبية التونسي اليساري، والناقد المتحمّس لحزب «النهضة» الحاكم، فقُتِل أمام منزله في تونس. وقد تجمّع عشرات الآلاف من التونسيين، سلمياً في معظم الحالات أثناء جنازة بلعيد في تونس، بينما استمرت الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية المتردّية والأوضاع الأمنية عبر البلاد، وخاصة في مدن قفصة وصفاقس وسيدي بوزيد، المكان الذي يفترض أن الثورة بدأت منه عام 2010. وبعد اعترافه بفشله في تشكيل حكومة غير حزبية من التكنوقراط، والتوسّط في الجمود السياسي في بلده، استقال الجبالي من رئاسة الحكومة.
وإثر ذلك قال وزير الداخلية السابق والعضو في حزب «النهضة»، علي العريض، الذي تم تعيينه رئيساً للوزراء، للشعب التونسي: «سوف ندخل مرحلة تشكيل حكومة جديدة ستكون لجميع التونسيين، رجالاً ونساءً، تأخذ بالاعتبار حقيقة أن الرجال والنساء لهم حقوق ومسؤوليات متساوية.» وهم على وشك إعلان نتائج التغيير الوزاري الذي سيحدد أدواراً جديدة للوزراء الحاليين والقادمين.
وبالنسبة لكثيرين فإن «الحقوق والمسؤوليات المتساوية» مشروطة بشعور من الأمن والأمان. وقد اختفت منذ فترة طويلة مشاعر الأمن الذي ترعاه الدولة. وخلال الأسبوع الماضي، صادر رجال الحرس الوطني التونسي رشاشات كلاشنكوف وقذائف «أر بي جي» وذخائر ومتفجرات في بلدة المنيهلة في ضواحي تونس العاصمة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم العثور فيها على مخازن أسلحة لدى المتطرفين.
وإضافة إلى ذلك فقد قال 92 في المئة من التونسيين إن الأوضاع الاقتصادية الجيدة هي الأولوية الكبرى وإنه يتعين العمل على تحريك دورة الاقتصاد، وذلك في استطلاع أجراه مشروع توجهات «بيو» العالمية في شهر يوليو الماضي. كما ذكر 78 في المئة من التونسيين أنهم غير راضين عن الاتجاه الذي تتخذه تونس. فمنذ يوليو الماضي، لم يتحسن وضع الحالة الاقتصادية في البلاد، كما لم تتغير آراء مواطنيها.
ويؤثر تفشي الشعور في تونس بعدم استقرار الاقتصاد الوطني. وقد قامت هيئة التصنيف العالمية «ستاندرد أند بور» بتخفيض تصنيف الائتمان للحكومة التونسية إلى -BB مشيرة إلى عدم الاستقرار السياسي كسبب جذري لهذا التخفيض. مع انخفاض معدلات السياحة والاستثمارات الخارجية، ومع معدل تضخم بلغ 10 في المئة، تبدو آمال تعافي الاقتصاد التونسي، الذي كان نشطاً في يوم من الأيام، غير مشجعة.
ويسود في أوساط التونسيين اعتقاد بأن أسباب البطالة لا تعود إلى انعدام المبادرة من جانب العاطلين عن العمل فحسب، وإنما كذلك إلى انعدام جهود الحكومة لحل هذه المشكلة. وإضافة إلى ذلك، يبقى هناك تراجع في أصحاب العمل الذين يستقطبون عمالة جديدة، وهي مشكلة لا يمكن حلها إلا من خلال تحسّن الوضع السياسي والاقتصادي للدولة، الأمر الذي يتطلب مشاركة جميع التونسيين، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية في إعادة إنعاش الاقتصاد.
وفي الوقت الذي ينادي فيه العديد من التونسيين بضرورة حوار وطني لتجاوز الجمود الراهن، فإن قلّة هم الذين لديهم منظور واضح لما يعنيه ذلك في الحقيقة. والوسيلة التي يمكن من خلالها حل المشاكل الحالية بأسلوب من التفاهم والتوافق ينبغي أن تكون هي الغاية. وذلك يتطلب مصالح مشتركة، وهي في هذه الحالة رغبة في الانتعاش الاقتصادي، والتوافق السياسي الذي يجمع كافة الأحزاب التونسية حول طاولة حوار وطني جامع.

ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند» الإخبارية

اقرأ أيضا