الاتحاد

تقارير

مصر: تجفيف منابع المجتمع المدني

كريستين تشيك
القاهرة


تكافح منظمات المجتمع المدني في مصر من أجل العمل في وقت أخذت فيه الحكومة تقطع التمويل الأجنبي الذي تعتمد عليه تلك المنظمات، ويقول موظفو المنظمات غير الحكومية إن الحكومة ترفض الموافقة على معظم المساعدات التي تتلقاها المنظمات من أجل إدارة برامج في مصر، وهو ما يرغم بعضها على تسريح العمال أو خفض رواتبهم، كما يقيدها ويمنعها من إنجاز العمل الذي أسست من أجل القيام به. ويرى كثيرون أن الوضع اليوم، بات أسوأ مما كان عليه تحت الرئيس المخلوع مبارك، الذي كان نظامه مشهوراً بعدائه للمجتمع المدني.
وفي هذا الإطار، يقول مجدي عبدالحميد، رئيس الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية: «إنه وضع سيئ ويزداد سوءاً أكثر فأكثر!»، مضيفاً «في عهد مبارك كانت ثمة مشاكل، وكانوا يرفضون أحياناً الموافقة (على مساعدات ممولة من الخارج)، ولكن بشكل عام كنا في وضع أفضل تحت نظام مبارك».
ويقول عبدالحميد إنه منذ أن تولى مجلس عسكري السلطة بعد تنحي مبارك عن الحكم، لم تسمح الحكومة لمنظمته بتلقي أي مساعدة. وكان يعتقد أن ذلك قد يتغير عندما يتخلى المجلس العسكري عن السلطة، ولكن حكومة «الإخوان» استمرت في رفض المساعدات؛ حيث رفضت السماح للجمعية بتلقي مساعدة من منظمة سويدية ولم توافق على أخرى.
ويقول عبدالحميد في هذا الصدد: «إننا لم نعد نتقدم بأي طلبات جديدة لأننا نعلم كيف سيكون الجواب».
التمويل الخارجي يشكل الجزء الأكبر من ميزانية العديد من منظمات المجتمع المدني هنا في مصر، لأنه لا توجد أموال كثيرة محلياً. ووفق القانون الذي يحكم مثل هذه المنظمات، فإن أي مساعدات من منظمات خارجية لإدارة مشاريع في مصر يجب أن تلقى الموافقة من وزارة التأمينات والشؤون الاجتماعية قبل أن يتمكن من صرفها.
وقد كانت المنظمات غير الحكومية في عهد مبارك تواجه عقبات حقيقية، ومن ذلك الصعوبة في التسجيل والتأخير الطويل في الموافقة على المساعدات الممولة من الخارج، وأحياناً الرفض وتدخل الأجهزة الأمنية. غير أنه منذ عام 2011، عندما أطلق المسؤولون الحكوميون في عهد المجلس العسكري الحاكم حملة ضد منظمات المجتمع المدني، أُغلق صنبور التمويل الخارجي تقريباً، وخاصة بالنسبة للمنظمات التي تعمل على مواضيع حقوق الإنسان.
ويقول عمال المنظمات غير الحكومية إن وزارة الداخلية في مصر هي التي تتخذ عادة قرار رفض الموافقة، وكثيراً ما تأتي حالات الرفض بدون تفسير.
ويقول حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إن منظمته اضطرت مؤخراً إلى تسريح أكثر من نصف موظفيها بسبب قلة التمويل، مشيراً إلى أنه في عهد مبارك لم يُرفض سوى مشروع واحد للمنظمة طيلة 28 عاماً من وجودها، في حين رفضت وزارة التأمينات والشؤون الاجتماعية ثلاثا من المساعدات الموجهة إليها خلال الأشهر الستة الماضية وتتعلق بمشاريع لتدريب الشباب على كيفية حماية حقوق الإنسان وتشجيع المشاركة السياسية ومراقبة حرية التعبير في مصر.
ويقول أبو سعدة: «أعتقد أن معظم منظمات حقوق الإنسان تعاني من الوضع نفسه». وقد تلقت منظمته مؤخراً رسالة من الوزارة تقول إنه لا يسمح لأي «كيان محلي» بالانخراط مع «كيانات دولية» بدون إذن من «الأجهزة الأمنية»، بتعليمات من رئيس الوزراء.
ومن جانبه، يرى مدير برنامج مصر في معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أن التحكم في التمويل هو طريقة الحكومة للتحكم في أنشطة المنظمات غير الحكومية إذ يقول: «الأمر في الواقع لا يتعلق بالتمويل في حد ذاته، وإنما بالنشاط. إنهم يحاولون خنق أنشطة المنظمات غير الحكومية عبر السماح أو عدم السماح بالتمويل لأنشطة معينة».
غير أن وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية قالت خلال مؤتمر صحفي في أكتوبر الماضي إن الوزارة وافقت على ما يعادل 600 مليون جنيه مصري (89 مليون دولار) من المساعدات الخارجية لمنظمات غير حكومية في مصر خلال الأشهر الثلاثة السابقة، في حين تم رفض 96,2 مليون، وذلك «لاعتبارات سيادية ووطنية أمنية»، كما قالت الوزيرة. يشار إلى أن مستشار الوزيرة لم يجب على طلبات للتعليق حول هذا الموضوع. ويقول أبو سعدة إن معظم الـ600 مليون جنيه ذهبت إلى جمعيات خيرية، معظمها إسلامية.
ومن بين المنظمات القليلة التي تلقت مؤخراً خبراً جيداً «مؤسسة المرأة الجديدة»، التي تعمل مع النساء في القطاع الصناعي. فبعد أن رفضت الوزارة الموافقة على مساعدة تلقتها المنظمة للدفاع عن حقوق النساء في العمل، استأنفت «مؤسسة المرأة الجديدة» القرار في المحكمة. وهذا الأسبوع، حكمت المحكمة لصالحها. غير أن هذه هي الموافقة الأولى على مساعدة تلقتها منذ عام ونصف العام. وما زالت المنظمة تنتظر حالياً للشروع في العمل على سبع مساعدات تلقتها؛ ولكن الوزارة لم توافق عليها مثلما أنها لم ترفضها.
وتقول نولة درويش، رئيسة المؤسسة: «لقد اضطررنا لخفض رواتب الناس الذين يعملون في المؤسسة لفترة عام. وهم اليوم يعملون نصف دوام بنصف الراتب؛ كما أن العديد من الناس تركونا لأنهم مضطرون لإيجاد وسيلة للعيش».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا