أشرف جمعة (أبوظبي)

تترك القراءة أثراً طيباً في النفوس، فهي غذاء للعقول وراحة للقلوب وتسلية مفيدة ورياضة فكرية لا مثيل لها في هذه الأيام، التي يطول فيها الجلوس في المنزل، حيث يتخذ الكثير من أفراد المجتمع الكتاب رفيقاً ويقضون معه أوقاتاً عامرة بالمعرفة والجمال، وعلى الرغم من أن القراءة هي السبيل لاستثمار أوقات الفراغ بشكل أمثل، لكن تظل هناك حيرة في اختيار الكتاب وهو ما جعل العديد من راود مواقع التواصل الاجتماعي يتبنون مبادرات فردية لتحفيز الآخرين على القراءة، من خلال ترشيح بعض الكتب المفيدة فضلاً عن تبادل الكتب عبر الإنترنت بين الأصدقاء، ومحاولة إضفاء سلوكيات جديدة للانغماس في أعمال مفيدة تسمو بالروح وتستثير الخيال وتدعو للتأمل واكتشاف عوالم أخرى، تضج بها بطون الكتب على رحابتها وتنوع مقاصدها وهو ما يجعل من مبادرات القراءة في المجتمع محطة مهمة للتفاعل الإيجابي مع الذات في زمن «كورونا» المستجد، الذي جعل الكبار والصغار يلوذون بالبيت تماشياً مع مبادرات السلامة والحفاظ على صحة أفراد المجتمع.

خيال وإبداع
يقول المحاضر في تطوير الذات الإعلامي عبدالله الهدية: في هذه الفترة الطارئة نحتاج إلى توجيه أفراد المجتمع إلى القراءة لدورها المهم في تغيير المفاهيم السلبية، ومن ثم الامتزاج مع المثل العليا والبحث عن نوافذ أخرى يستطيع أن يطل من خلالها كل فرد إلى مساحات واسعة من المعرفة، خاصة أن العديد من أفراد المجتمع يعيشون في نطاق البيت وهو ما يجعل من الجلوس بين جدرانه أمراً مملاً، إن لم يبتكر كل فرد أشياء تعزز حضوره وجدانياً مع ما يجعله يخرج من حيزه الضيق إلى عوالم أرحب تتجدد مع القراءة، لافتاً إلى أنه يبقى اختيار الكتاب هو العامل الأهم لكي تكون الرحلة ممتعة مع الخيال والإبداع والسفر مع الحروف، مبيناً أن المبادرات الفردية التي تحث أفراد المجتمع على القراءة تمثل محطة مهمة في عودة القراءة إلى البيوت، حيث يسعى كل مثقف وقارئ من جهته إلى مشاركة الآخرين تجربته، وهو ما يحفز كل من يسعى إلى استغلال فترة البقاء في المنزل في الاطلاع والتعرف إلى الثقافات الأخرى، ومن ثم قراءة بعض الأعمال الفكرية في الاتجاهات كافة.
ويرى الهدية أنه يمكن استثمار هذه المبادرات عبر السوشيال ميديا وبين الأصدقاء على أن تكون دقيقة الاختيار، ما يساعد الكبار والصغار على القراءة بشكل منظم وإبداعي، ليكون المقصد الحقيقي منها هو الارتقاء بالأفراد ودفعهم لاستثمار أوقات الفراغ من أجل المعرفة، وهذا تتولد عنه إبداعات أخرى تتعلق بكتابة الخواطر والمذكرات وغيرها، مؤكداً أننا بحاجة في هذا التوقيت إلى تبادل الكتب وتحفيز بعضنا بعضاً على القراءة من أجل أن تكون هذه الفترة مفيدة من النواحي كافة.

المعنى الحقيقي للحياة
يقول الكاتب وليد علاء الدين: تبدو فكرة القراءة صعبة، وقد لا يستطيع إنسان ما أن يتحول إلى قارئ لمجرد أنه سيبدأ علاقة جديدة مع الكتاب، لافتاً إلى أنه في زمن التواصل الاجتماعي كان ضرورياً أن يبذل البعض جهوداً في تقوية العلاقة مع القراءة والكتاب، وهو ما حدث من خلال المبادرات الفردية التي تبناها مثقفون وكتاب ومبدعون في الوقت الراهن، مع تفشي فيروس «كورونا» المستجد» وبدأوا يوجهون الناس نحو القراءة والإبداع عبر الكتاب أو عبر الفن التشكيلي أو الموسيقي، باعتبار أن العقل القارئ يتماهى مع كل الفنون جمالياً، ويرى علاء أن هذه المبادرات هي دعوة لاستثمار زمن العزلة في التأمل من خلال الكتاب، مشيراً إلى أن العالم قد يتجاوز هذه المحنة بالعلم والقراءة المتأنية لأنها المعنى الحقيقي للحياة.

أفق جديد
ومن جانبه، يؤكد السيد إبراهيم (موظف)، أنه استفاد كثيراً من كم الكتب التي يصدرها بشكل يومي بعض رواد التواصل الاجتماعي، إذ حفزته على القراءة ومحاولة البحث عن كتب يمضي بقراءتها الوقت ومن ثم يستغل أوقات الفراغ في الاستفادة من عالم القراءة الواسع والرحب، مبيناً أن هذا الظرف الطارئ الذي جعل الفرد يبتعد نسبياً عن محيطه فرصة ثمينة للقراءة، وخصوصاً أن تبادل المعرفة أمر مفيد في تغذية الوجدان، ويرى أن هذه المرحلة تحتاج من كل فرد إلى أن يقرأ ويقضي أوقاتاً ممتعة مع الكتاب بحثاً عن أفق جديد لاستغلال الوقت بشكل أمثل.

تبادل معرفي بنّاء
تذكر د. هدى سالم أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية بجامعة الإمارات، أن توجه أفراد المجتمع نحو بث روح المعرفة ومن ثم العمل على تحفيز الآخرين على القراءة، إنما ينبع من إدراك ووعي ومن ثم الشعور بالمسؤولية الاجتماعية في ظل انتشار فيروس «كورونا»، الذي فرض على أفراد المجتمع البقاء في المنازل مدة طويلة، وهو ما يستلزم تغيير المفاهيم واستثمار هذا الوقت الطويل في قراءة العديد من الكتب بحسب الذائقة، مشيرة إلى أن دعوات بعض المثقفين والأدباء إلى مساعدة الآخرين في اختيار الكتب المفيدة هي في حد ذاتها تعبير عن التكاتف المعرفي والإنساني في هذه المرحلة الدقيقة، وخاصة أن سلوك القراءة يعيد كل فرد إلى الفطرة السليمة ويسهم في أن يشعر كل قارئ بأنه أمام تحد جديد، وأنه من الضروري استثمار كل هذه الأوقات في أشياء تخاطب العقل والوجدان، وتساعد كل فرد على تجاوز المحن بالتسلح بالمعرفة. وتوضح هدى أنه من الضروري أن يشارك كل مثقف وقارئ الآخرين بتقديم قائمة من المؤلفات المفيدة مما يسهم في إيجاد نوع من التبادل المعرفي البناء الذي يزيل كل أسباب الضيق والشعور بالملل، مبينة أنه مع القراءة تتبدل الحياة باعتبارها محطة لنشر السعادة والشعور بالرضا وبث الاطمئنان في النفوس ورفع المعنويات بصورة كبيرة.