الاتحاد

دنيا

السؤال «المحرج».. اختراق صريح لحاجز الخصوصية

بعض الأسئلة قد تجرح المرء وتتسبب بإيذائه نفسياً (أرشيفية)

بعض الأسئلة قد تجرح المرء وتتسبب بإيذائه نفسياً (أرشيفية)

ملخص: يفاجئنا بعض المتطفلين بسؤال محرج لا نود أن يُطرح بالأساس على طاولة الحياة الممتدة سواء في المجالس، التي تجمعنا في لحظة السمر، والتي يكثر فيها المزاح أو في المواقف الطارئة كأن يسألك أحدهم عن راتبك، أو الأسباب التي دعتك لتناول حبة دواء في أثناء وجود على طاولة غذاء عمل، والعديد من الأسئلة المشابهة التي تدخل في دائرة الخصوصيات، والتي تعد من الأسرار الحياتية. لكن ما الذي يدعو بعض فئات المجتمع إلى محاولة اختراق حاجز الخصوصية؟ وما الأسباب التي تجعل البعض يمتلك تلك الجرأة؟ وما هو السبيل لردع مثل هؤلاء الناس خاصة أن العديد ممن تطرح عليهم مثل هذه الأسئلة لا يعرفون كيف يتصرفون في مثل هذه المواقف المباغتة.

أشرف جمعة (أبوظبي) - الحشرية سلوك يرفضه المجتمع، ولا يقبل به الناس، وينفر منه الجميع فلا أحد يحب أن يحاول الآخر استدراجه إلى الحديث عن أشياء تكاد تكون داخل دائرة مغلقة، وعلى الرغم من أن السؤال المحرج يطال الجميع، ويشكل دائماً عنصر مفاجأة في محيط الحياة، لكن البعض قد يجيب عنه على غيرة على سبيل أن الحياء يمنعه أن يلتزم الصمت، وعلى الجانب الآخر هناك من يجيد الهروب بذكاء، والبعض الآخر قد يوجه لمن يطرح عليه سؤالاً من هذا النوع كلاماً جارحاً من أجل ردعه بقوة حتى يتوقف عن محاولة التسلل إلى مناطق محظورة.
جرح الآخر
حول طبيعة الفرد الفضولي الذي يعاني مشكلات اجتماعية تمنعه من أن يسير على نهج الأسوياء، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمارات الدكتور نجيب محفوظ: «السلوك الإنساني يخضع لمتغيرات كثيرة بحسب النشأة والتربية والعوامل الوراثية، وعلى الرغم من ذلك فإن الإنسان بطبعه ينزع إلى حب المعرفة، وهذه المعرفة أنواع منها ما هو ضروري لتكوين ثقافة الفرد، وتغذية ملكاته، ومنها ما محظور عليه لكونه يقع في دائرة الخصوصية، ويعد نوعاً من التلصص على حياة الآخرين، ومخزون أسرارهم، لذا فإن الفرد يحتاج إلى يهذب نفسه، ويتحكم في أهوائه الشخصية حتى يكتسب احترام وتقدير الآخرين، فالناس تعيش في إطار علاقات متعددة مثل الحياة الوظيفية والأسرية والعامة، التي تتلاقى فيها الوجوه في محطات السفر وأماكن الترفيه والمناسبات بأنواعها كافة». ويضيف: «صفة الفضول موجودة منذ الأزل لكنها تتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف العصر نفسه، والفرد الذي يطرح أسئلة محرجة على الآخرين يعاني ضعفاً في الشخصية ويحاول تعويض النقص لديه من خلال الوصول إلى أسرار الناس الخاصة حتى تشبع رغبة داخلية لديه»، مشيراً إلى أن بعض الفضوليين تكون لديهم دوافع أخرى من هذا السؤال مثل أن يتخذ من معرفته ببعض خصوصيات الآخرين وسيلة للضغط عليهم، ومن ثم إحداث الفتن بين الناس، وهو ما يستلزم أن يكون لدى أفراد المجتمع وسائل صحية لمواجهة هذا الشخص غير المرغوب به.
ويتابع محفوظ: «من الطبيعي حين يُسأل المرء عن شيء لا يحب الإجابة عنه أن يشعر بالضيق والنفور ممن يطرح عليه سؤالاً محرجاً، ومن الأفضل أن يواجه السؤال بسؤال مضاد أو يتجاهل الرد عليه، لكن الاندفاع وجرح الآخر بهدف ردعه وإشعاره بأنه إنسان فضولي ليس من الأساليب التربوية في شيء». ويلفت إلى أن هذا النوع من الأفراد يرفضه المجتمع، وينفر منه الناس ويتحاشون الجلوس معه ما يجعله في كثير من الأحيان في عزلة لكونه لا يحفظ الأسرار، ولديه رغبة لا تتوقف في طرح أسئلة محرجة جداً تؤدي إلى امتعاض الآخرين، وتولد لديهم مشاعر سلبية نحو هذا الفرد، الذي يسهم في أن ينبذه الناس، وينفرون منه ويبعدونه عن مجالسهم.
زمن العنوسة
لا تخفي إيمان حيدر (32 سنة) أنها تشعر بالإزعاج الشديد من سؤال يوجه إليها بصفة مستمرة من بعض الحشريين، الذين لا يردعهم عقل ولا في أن يسألوها لماذا لم تتزوجي إلى الآن؟ وتوضح إيمان: «على الرغم من أننا نعيش في زمن العنوسة، وأن المرأة تعاني هذه المشكلة في الكثير من المجتمعات فإن طرح هذه السؤال عليّ من قبل أشخاص ليس لي بهم معرفة سابقة يجعلني أشعر بالاشمئزاز منهم، بل يصل بي الحد إلى كرههم فأتجاهل اتصالاتهم الهاتفية فيما بعد بل أتجنبهم، وأنا متعمدة ذلك حين تجمعنا بعض الأماكن». وتشير إيمان إلى أن «هؤلاء الأفراد ألسنتهم مثل المطارق، ولا يحسنون توجيه دفة الحديث ودوافعهم خبيثة، وأسئلتهم فضولية جداً لذا فإنني لا أرد عليها، وأحاول أن أواجه إحراجهم لي بأن أجعلهم يشعرون بالخجل من أنفسهم بكلمات بسيطة ورادعة». وتؤكد أنها لا تريد أن تتعجل في الزوج بأي شخص من الذين تقدموا للارتباط بها من أجل أن تلجم أفواه هؤلاء الذين يحاولون التلصص على حياتها الخاصة، إذ إن أمر الزواج يحتاج إلى أن يختار المرء ما يناسبه حتى لا يجني الندم.
ويعترف أحمد المري بأنه ليس لديه مشكلة في أن يتعامل مع فئة الفضوليين لأنها ظاهرة متفشية بكثرة في هذا العصر خصوصاً وأن العديد من الناس لا هم لها سوى أن تتعرف على ما يدور في حياة والآخرين. ويلفت إلى أنه لكونه يعمل مديراً بإحدى الشركات رغم أنه لم يتجاوز الثلاثين من العمر فإن العديد ممن لديهم رغبة الاستكشاف، ومحاولة اقتحام الخصوصية يسألونه بكل جسارة عن راتبه، الذي يتقاضاه نهاية كل شهر ليس هذا فحسب بل تتعدد الأسئلة لتتطرق إلى الحوافز والامتيازات، التي يحظي بها. ويذكر أنه يحول مجرى الكلام إلى نوع من المزاح حتى لا يجرح من يطرح عليه مثل هذه الأسئلة المحرجة، وفي الوقت نفسه لا يقدم إجابة واضحة. ويرى أن انتهاج هذا الأسلوب يجعله يحافظ على علاقاته بالآخرين، وفي الوقت نفسه يجعله يلقنهم دروساً في الأخلاق بطريقة غير مباشرة، إذ يعد المري هذه النوعية من الأفراد من المرضي النفسانيين.

دائرة النفور

يعد محسن النعيمي، طبيباً متخصصاً في علاج الأمراض الباطنية، الشخص الذي لديه رغبة في طرح أسئلة محرجة يحتاج إلى من يساعده ويبصره بحقيقة نفسه حتى لا يتمادى في هذا السلوك المنفر. ويشير إلى أنه كثيراً ما يسافر إلى العديد من الدول من أجل الترفيه عن أولاده وفي أثناء وجوده في إحدى الدول العربية منذ خمس سنوات تعرض لسؤال محرج للغاية من أحد الأشخاص الذين تعرف عليهم بالمصادفة هناك، إذ سأله عن أحب أولاده لديه وأقربهم إلى قلبه في حضورهم، وفور طرح السؤال بهذه الصيغة المستفزة أجابه بأن أولاده هم الذين يملكون الإجابة عن هذا السؤال. ويضيف النعيمي التقيته بعد يومين، وأوضحت له أن مثل هذه الأسئلة يجب ألا يطرحها على الناس، لكونها محرجة، وفي الوقت نفسه تضعه في دائرة النفور.

نقطة ضعف

من بين الذين تعرضوا لأسئلة محرجة أمل خليل، التي تعمل مندوبة مبيعات، والتي ترى أن الإنسان بحد ذاته خزانة أسرار كاملة وهذه الخزانة يحاول العديد من الفضوليين أن يفرغوها ليعرفوا ما فيها. وتذكر أنه من أكثر ما جعلها تشعر بالضيق هو أن أحد زملاء العمل الذين التحقوا مؤخراً بالمكتب الذي تعمل به توجه إليها بسؤال غاية في الغرابة رغم أن لم يمضِ سوى أسبوع على وجوده في هذا المكتب إذ قال لها ما نقطة ضعفك؟ وفي هذه اللحظة طوفت قليلاً ببصرها في السماء، وظلت تفكر إذ إنها بكل طيبة كانت ستجيبه عن سؤاله المحرج، لكنها في لحظة وجدت أن هذا السؤال يدخل في منطقة الخصوصية، فنهرته بشده أمام الناس، وطلبت منه ألا يطرح عليها مثل هذه الأسئلة غير المنطقية، والتي لا يجب أن تكون بين زملاء العمل خصوصاً أنها فتاة. وتلفت أمل إلى أن كل إنسان لديه نقاط ضعف مثل الطيبة الزائدة أو حبه للمال بشراهة أو غير ذلك، لكنه يجب ألا يبوح الفرد بما داخله إلى الآخرين مهما كانت الظروف.
خط أحمر
يقول الفنان الإماراتي حمد الكبيسي إن الفنان من أكثر فئات المجتمع عرضة للأسئلة المحرجة ومعارفه تزداد يوماً بعد آخر، وهذه الأسئلة على كثرتها تسبب الارتباك والضيق. ويوضح “عن نفسي أكثر ما يجعلني أشعر بالنفور من أي شخص فضولي حين يحاول أن يجرني للحديث عن حياتي الشخصية، التي أعدها خطاً أحمر يجب ألا يتجاوزه أي إنسان”. ويضيف: “كثيراً ما أحاول أن أكون على قدر المسؤولية على اعتبار أن الفنان قدوة لغيره لذا أحاول أن أوصل رسالة إلى من يشرع في استفزازي بأسئلة محرجة، بأنني على أتم الاستعداد أن أجيبه عن أي سؤال بخلاف ما يتعلق بحياتي الشخصية”.

اقرأ أيضا