الاتحاد

تقارير

ثقافة السلام في المناهج

تتجذر المناهج الدراسية في عقيدة الدولة وفلسفتها، لكن الدولة الفلسطينية لم تستقل بشكل فعلي، ونحن نعتبر أننا لا نزال تحت الاحتلال، الأمر الذي يؤخر تطوير فلسفة واضحة تستمد منها الوزارات المختلفة الأسس التي تبني عليها رؤيتها وأهدافها.

وتعتبر وزارة التربية والتعليم الوزارة الأكثر حاجة لهذا الأمر، كونها تعمل على تربية أجيال المطلوب منهم أن يكونوا جميعاً جنوداً لخدمة هذا الوطن. ربما كان الأمر متروكاً بشكل مؤقت ريثما تتضح معالم الدولة الفلسطينية. وبناء على ما سبق يمكن اعتبار المناهج الدراسية الفلسطينية مجموعة من المعلومات في مجالات مختلفة، مما يؤثر بشكل واضح على سلوك أبنائنا الذين نجدهم ينتمون بشكل مباشر أو غير مباشر لفصائل وتيارات سياسية مختلفة. ولو أمعنا النظر في سلسلة كتب التربية الوطنية للصفوف السابع إلى الحادي عشر على سبيل المثال لظهرت لدينا عدة تساؤلات. فهذه المادة تتطرق لتاريخ الشعب الفلسطيني منذ العام 1921 وحتى ما بعد اتفاقية أوسلو. ولكن إلى أي مدى تزيد الانتماء الوطني للقضية؟ وهل السلام وثقافته ضمن الأهداف الموجودة؟ الواضح أنه ليس كذلك، فأولادنا لا يستطيعون التعبير عن القضية الفلسطينية مما يؤكد أن الانتماء لم يزدد من خلال هذه السلسلة من الكتب، ولا هم يحملون فكراً سلمياً يقبل اتفاقيات السلام ويؤمن بها ويطبقها على الأرض. وليس من الغريب أن اللجنة الرباعية رفضت هذه السلسلة ورفضت الدول المانحة تمويل طباعتها وتوزيعها في المدارس. وهذه المجموعة بالذات انتقدتها السيدة كلينتون واعتبرتها تحمل في طياتها دعوة للعنف. ويعتبر الأمر أفضل قليلاً في موضوع الدفاع عن الأرض والوطن. ففي كتب اللغة العربية، وخاصة بالنسبة للصفوف التاسع والعاشر، نجد هذه الفكرة موجودة بشكل يهدف إلى تنمية الحس الوطني ولكن دون تمرد أو عنف، ونجد روح السلام والتسامح منتشرة بشكل واضح، حتى في بعض القصائد الأدبية والتي يمكن للقارئ أن يفهمها أو يفسرها بصورة مختلفة. إلا أن رسالة الدفاع عن الوطن بأسلوب لا عنفي، والموجودة في هذه القصائد، تضيع أحياناً عندما يقوم الأستاذ بشرحها بأسلوب سطحي دون الخوض بتفاصيلها أو معانيها الضمنية. ثقافة السلام لا تُطرَح بشكل مباشر وإنما تُمرَّر من خلال دروس مختلفة استعرضْتُ بعضاً منها في السطور السابقة. ولكن يبقى الأمر معلقاً بيد الكوادر البشرية وعلى رأسها المعلّم الذي يستطيع تمرير ما يريد وبالطريقة التي يراها مناسبة. فكرة «الجهاد» على سبيل المثال، والتي أصبحت هوساً عالمياً، نجدها في كتب الثامن والتاسع الأساسيين، معرّفة على أنها أسلوب سامٍ لرفع العدوان عن المظلومين، وأنه طالما لا تتعرض الأمة لاعتداء فلا داعي له. وفي درس صلح الحديبية، تشير الكتب بوضوح إلى إمكانية عقد اتفاقيات صلح مع غير المسلمين والخضوع للشروط وتقديم بعض التنازلات مقابل السلام. أما بالنسبة للقتال وخوض المعارك فالمناهج تشير إلى أن الإسلام لم يستعمل السيف كثيراً، وأكبر دليل على ذلك درس «فتح مكة» الذي يُطرح للطلبة على أساس إمكانية الوصول إلى الحلول بالتفاوض وبدون سفك الدماء. ويشكّل درس «العهدة العمرية» الذي يصف وصول المسلمين إلى القدس، ويعرض تفاصيل استسلام المدينة بعد أن يعطي عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء المسلمين عهداً لأهلها يضمن لهم سلامتهم وحرية الدين والعبادة مع عدم التعرض للكنائس والصلبان بأي سوء، وصولاً إلى فكرة التسامح الرائع بين الأديان. من الواضح أن السلطة الفلسطينية تحاول إدخال كتب ومناهج تقبل وتحترم اتفاقيات السلام مع إسرائيل، ولكن هذه العملية مستمرة وتحتاج لفترة زمنية.

ريم الشريف -تربوية فلسطينية
ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند»

اقرأ أيضا