الاتحاد

عربي ودولي

تل أبيب تعترف: ثورة يوليو أخطر عدو لإسرائيل


أحمد إبراهيم :
مازالت إسرائيل تعتبر ثورة الضباط الأحرار المصرية التي قامت في الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1952 أحد أهم الأخطار التي تهددها ، وهو التهديد الذي يظهر من خلال متابعة وسائل الإعلام الإسرائيلية بمختلف توجهاتها لهذه الثورة وآثارها المختلفة أو من خلال قراءة الدراسات والأبحاث التي صدرت في تل أبيب عنها·
اللافت أنه ومنذ قيام هذه الثورة عام 1952 حتى بداية العام الجاري 2005 صدرت في إسرائيل وحسبما يشير ' المعهد الإسرائيلي للإحصاء' 784 دراسة عن الثورة ، وهى الدراسات التي تعنى جميعها بتحليل الظواهر الناجمة عنها وما تمخضت عنه من قرارات وتحركات سياسية والتي لم تتوقف عند مصر فقط بل امتدت لتشمل العالم العربي كله بل ووصل الأمر إلى قلب إسرائيل نفسها التي تأثر العشرات فيها بهذه الثورة وهو ما تعترف به أحدث دراسة إسرائيلية صدرت عن هذه الثورة·
المعهد العام للدراسات السياسية في تل أبيب أصدر في السابع عشر من شهر يوليو الجاري دراسة بعنوان ' ثورة يوليو المصرية خطر على إسرائيل ' وهي الدراسة التي وضعها كل من يورام ميتال أستاذ التاريخ في جامعة بن جوريون بالنقب والبروفيسور يهودا بن أهارون أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب · وتنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أقسام الأول بعنوان ' إنجازات الثورة خطر على إسرائيل' والثاني بعنوان ' جرائم الثورة ضد إسرائيل ' والثالث بعنوان ' تأثير الثورة وصل إلى إسرائيل' ·
بداية تشير الدراسة في فصلها الأول إلى مدى الخطورة التي تمثلها ثورة يوليو على إسرائيل ، وهى الخطورة التي تتضح من قيام هذه الثورة من رحم الغضب المصري والعربي الذي تولد بسبب هزيمة العرب في حرب 1948 أمام إسرائيل ، وهي الهزيمة التي كانت أحد أهم الدوافع لقيام هذه الثورة وهو ما جعل كراهية إسرائيل المحرك الأساسي لها ·
وتضيف أن ثورة يوليو حققت العديد من النقاط الهامة للمصريين بصورة خاصة والعرب بصورة عامة أبرزها توقيع اتفاقية لجلاء الإنجليز عن مصر بعد أكثر من سبعين عاما من الاحتلال وبناء حركة قومية عربية للعمل على تحرير أرض فلسطين التاريخية وهو ما رأت الدراسة أنه يمثل خطورة كبيرة على إسرائيل خاصة وأن المد القومي يعتمد في الأساس على كراهية إسرائيل ومحاربتها وإعادة ما اغتصبته من أراض للفلسطينيين ·
بالإضافة إلى إقرار الثورة لمجانية التعليم ومضاعفة ميزانيات التعليم العالي وإنشاء العديد من الجامعات في مصر وهو مااهتمت به كافة الدول العربية مع مصر والتي قررت بدورها انتهاج نفس السياسة والاهتمام بتوسيع القاعدة التعليمية وهو ما رأته الدراسة يمثل خطورة كبيرة على إسرائيل خاصة وأن الدول العربية أنجبت وبفضل هذه السياسة العديد من العلماء والخبراء المتخصصين في مختلف المجالات بفضل هذه السياسة التعليمية ،وهو ما تبعه تطوير كامل في مختلف مراكز الأبحاث العلمية الأمر الذي أنعكس إيجابياً على العرب بعدها ، وهو ما رأت الدراسة أنه يمثل ' خطرا علميا' كبيرا على إسرائيل ، وهو الخطر النابع من الرغبة الصهيونية العنصرية في أن تكون إسرائيل وحدها دون غيرها الدولة القادرة على انجاب العقول العلمية في المنطقة ، حتى ينعكس ذلك إيجابياً عليها في النهاية·
النقابات·· وروح الثورة
وترى الدراسة أن روح الثورة مازالت ترفرف على الدول العربية وتؤثر في شبابها ومؤسساتها والنقابات بها أيضاً خاصة في مصر ، مستشهدة بنقابة المحاميين المصرية التي تقيم وبصورة دورية محاكمات رمزية للعديد من رؤساء الوزراء في إسرائيل بدعوى ارتكابهم لجرائم حرب ضد العرب ، مشيرة إلى أن هذه النقابات تقف وبصورة قوية ضد التطبيع والتعاون مع إسرائيل وتهاجم أي مسؤول أو مؤسسة حكومية تتعاون مع تل أبيب، موضحة أن القائمين على هذه النقابات والمسؤولين فيها ما زالوا يرفعون صور زعماء الثورة وعلى رأسهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وهو أمر في منتهى الخطورة على إسرائيل خاصة وأن مرحلة حكم الرئيس عبد الناصر كانت مشحونة بالكراهية العربية والحروب ضد إسرائيل·
المستفز أن الدراسة تشرح ومن خلال فصلها الثاني ما أسمته ب' جرائم الثورة ضد إسرائيل' وهي الجرائم التي تتنوع بداية من طرد اليهود من مصر ومصادرة كافة أملاكهم ، وهي الأملاك التي قدرتها الدراسة الآن بقرابة المليار دولار والتي تتنوع ما بين مصانع سكر الحوامدية التي تقع في صعيد مصر والتي كانت ملك رجل الأعمال اليهودي المصري الشهير يهودا سوارس الذي رحل عن مصر بعد قيام الثورة وتأميم ممتلكاته بأكملها بجانب العديد من مصانع المأكولات الأخرى مثل مصنع إيكا المصري الشهير للحلويات والذي تمتلكه عائلة إسحاق ليفي اليهودية التي تعيش في إسرائيل الآن ورفعت العديد من القضايا ضد الحكومة المصرية لاسترداد ممتلكاتها والتي كان آخرها قضية تطالب القاهرة بتعويض يبلغ 190 مليون دولار عن هذه الممتلكات ·
بالإضافة للمطالبة بنحو 140 فدانا من حي المعادي بدعوى أنهم هم أصحاب هذا الحي والمقيمين الأوائل له بالإضافة إلى العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية الأخرى مثل شركات مياه طنطا والبنك التجاري المصري وقرابة 29% من أسهم بنك مصر الذي أنشأه طلعت باشا حرب والتي تعود إلى عدد كبير من رجال الأعمال والعائلات اليهودية التي استثمرت أموالها في هذا البنك·
بجانب عدد من المحال التجارية الكبرى الأخرى مثل شركة شيكوريل الخاصة بصناعة المنسوجات ومحال شملا وبنزايون وجاتينيو والصالون الأخضر وغيرها من المؤسسات التي تم تأميمها وإحالة ملكيتها للحكومة المصرية ·
وتوضح أن الثورة المصرية شنت حملة اعتقالات ضد العديد من الشباب اليهودي من صغار السن بعد حرب 1956 التي شنتها إسرائيل على مصر بالتعاون مع إنجلترا وفرنسا بعد قرار تأميم قناة السويس ، وهي الحملة التي كانت حلقة في سلسلة المضايقات المصرية التي طالت جميع اليهود والتي انتهت باعتقال كل يهودي يعيش في مصر بعد هزيمة حرب 1967 الأمر الذي أدى إلى هجرة العشرات منهم ولم يبق في مصر إلا قرابة 300 فرد أغلبهم يعيشون حالياً بين القاهرة وعدد من العواصم الأوروبية ويستقر في مصر نحو 63 فقط·
وتخص بالذكر اعتقال السلطات المصرية لقرابة 20 شابا يهوديا في ديسمبر عام 1954 وذلك في إطار مع عرف ب' فضيحة لافون' وهي الفضيحة التي كان بطلها 'عاموس مانور' رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي الراحل والذي قام بتكليف عدد من الشباب اليهودي في مصر بضرب مكاتب الاستعلامات الأمريكية في القاهرة بهدف الإساءة للثورة وضرب العلاقات الأمريكية المصرية في مقتل خاصة مع إحساس إسرائيل بأن ثورة يوليو المصرية لو استمرت فستقضي عليها ·
وترى أن ما أسمته ب'الانتهاكات' التي قامت بها الثورة بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر يجب أن تنقل وتدرس إلى مختلف الجامعات والمعاهد العلمية في العالم حتى يكتشفها العالم ويعرف حقيقة هذه الثورة ·
'الناصريون الجدد'··يهود
وتعترف الدراسة في فصلها الأخير بتأثير الثورة في العديد من الإسرائيليين ، وهو التأثير الذي بات واضحاً الآن وعلى الرغم من مرور 53 عاماً على قيامها والذي يظهر مع تكوين الأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية التي تؤمن بمبادئ الثورة والتي تظهر وبوضوح بين العرب في إسرائيل ويعتبر حزب التجمع الوحدوي الذي يتزعمه الدكتور عزمي بشارة التجسيد الواضح لها وهو الحزب الذي يرفع شعارات القومية العربية إلى الآن بل وفي قلب البرلمان الإسرائيلي ' الكنيست ' الذي يشهد وجود هذا الحزب بين جدارنه·
بجانب إعجاب العديد من الإسرائيليين من اليهود أنفسهم بهذا الحزب ومنهم على سبيل المثال الأديب المعروف' أيلي عامير' الذي حضر إلى القاهرة أخيراً من أجل الترويج لروايته 'ياسمين 'والذي أقام ندوة تتعلق بهذه الرواية في أحد فنادق القاهرة أخيراً والذي أكد أنه معجب مثل غيره من الإسرائيليين بشخصية الرئيس جمال عبد الناصر السياسية ، وهو الإعجاب النابع من كونه خصما شرسا حاز على اعجاب المواطنين في الدولة التي كان يعاديها·
وتشير الدراسة إلى بروز العشرات من الشبان الناصريين المحبين للثورة وسط قطاعات كثيرة من الإسرائيليين سواء من العرب أو اليهود والذين باتوا يعرفون الآن في إسرائيل باسم ' الناصريون الجدد' والذين أكدوا سواء من خلال الأحاديث التي أدلوا بها لوسائل الإعلام الإسرائيلية أو حتى في تحقيق الشرطة مع بعضهم أنهم معجبون بنموذج ثورة الضباط الأحرار التي قامت في مصر والتي هدفت في الأساس إلى محاربة الفساد والرغبة في التخلص من الحكم الفردي المستبد ، وهو الحكم الذي تمثل في الملك فاروق آخر ملوك مصر قبل الثورة·
ويوضح هؤلاء ' الناصريون الجدد ' أن إسرائيل انتهجت سياسة لمعاداة الثورة بدون أي سبب مقنع ، وعلى سبيل المثال تورطها في حرب 1956 حيث كانت الخطوة المصرية الخاصة بتأميم قناة السويس موجهة ضد فرنسا وإنجلترا في الأساس وليس لإسرائيل ، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول اشتراك إسرائيل في هذه الحرب التي كانت بغرض معاداة مصر والدخول في حرب ضدها·
وتوضح الدراسة أن العديد من هؤلاء الناصريين ليسوا مقتنعين وبالمرة بالأسباب التي ساقتها الحكومة الإسرائيلية بزعامة رئيس الوزراء الراحل دافيد بن جوريون بخصوص اشتراك إسرائيل في هذه الحرب ، حيث أكدت الحكومة الإسرائيلية آنذاك أن قرار التأميم موجه إلى إسرائيل وليس الى فرنسا وإنجلترا ، وهو أمر غير صحيح خاصة وأن إسرائيل لم تكن لها أي أسهم أو استثمارات سواء في القناة أو المنطقة المحيطة بها·
وتحذر الدراسة من خطورة ' التأثير الناصري' الذي بات يهدد تل أبيب ويمثل خطورة عليها ، وهى الخطورة التي تزعج إسرائيل رغم مرور 53 عاماً على اندلاع الثورة· وبالتالي تظهر هذه الدراسة الخطورة التي تمثلها الثورة المصرية على إسرائيل ، وهى الخطورة التي دفعت إسرائيل ورغم مرور عقود كاملة على اندلاع هذه الثورة للاعـتراف بخطورتها ، وهو الاعتراف الذي يمثل وساما كبيرا يوضع على جبين هذه الثورة·

اقرأ أيضا

مجلس الأمن يرجئ التصويت على قرار بشأن أفغانستان