الاتحاد

منوعات

جنود مغاربة يكشفون ملابسات مشاركتهم في حروب فرانكو

المقاتل المغربي السابق عبد القادر أميزيان يعرض بطاقته العسكرية عندما كان جنديا في جيش فرانكو

المقاتل المغربي السابق عبد القادر أميزيان يعرض بطاقته العسكرية عندما كان جنديا في جيش فرانكو

يبتسم سليمان بتماكي وهو يتذكر الرعب الذي بثه في قلوب القرويين الإسبان لصالح الدكتاتور الإسباني الراحل فرانسيسكو فرانكو· فقد جُند هو والكثير من زملائه للدفاع عن قضية فرانكو، ومازالوا يؤمنون بصواب هدف القتال ضد المتعاطفين مع ''الروخوس'' أو الشيوعيين الإسبان الذين كان المجندون المغاربة يرونهم أعداءً للدين·
ويتذكر بتماكي وهو الآن في الثامنة والتسعين من عمره كيف كان الأطفال والنساء والمسنون يفرون حين يسمعونه هو وزملاؤه قادمين لتدمير قراهم· وقال بتماكي بكل فخر ''لم نكن نبقي على شيء، لا إنسان ولا أي شيء· كنا نقتلع كل شيء ونقتل كل من يصادفنا''· وكان الإسبان المذعورون يحاولون الفرار فور سماعهم أصواتنا''·
وقتل مئات الآلاف من الإسبان في الصراع الذي استمر من عام 1936 إلى عام ·1939 والذي بدأه فرانكو بتشكيل جيش متمرد في المغرب، الذي كان تحت الاحتلال الإسباني، ليخوض حربا شهدت هزيمة الحكومة الجمهورية المنتخبة في مدريد· وكانت هذه الحرب مقدمة لمعارك أيديولوجية سادت القرن العشرين، وتركت ندوبا في المجتمع الإسباني مازالت ظاهرة حتى يومنا هذا·
ويقول محافظون إن هذه الندوب نكئت من جديد حين قاد رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي خوسيه لويس رودريجيث ثاباتيرو الدعوة إلى قانون جديد يجبر إسبانيا على النظر في ماضيها المظلم لأول مرة منذ وفاة فرانكو قبل 33 عاما· وبدأت المجالس المحلية في إزالة رموز الدكتاتورية ومن المنتظر أن يقدم نحو نصف مليون شخص هم أبناء وأحفاد معارضي فرانكو الذين اضطروا إلى الفرار طلبات للحصول على الجنسية الإسبانية·
وستساعد الحكومات المحلية نشطين في إعادة فتح عدد من آلاف المقابر الجماعية التي ترجع إلى الحرب الأهلية المتناثرة في شتى أنحاء البلاد دون شواهد تعرف من يرقد تحتها· ومن بين هؤلاء عشرات الآلاف من المقاتلين المغاربة المنسيين الذين سقطوا من التاريخ الأوروبي· والذين لا يعرف أين دفنوا ولا يعترف أحد بمصيرهم· وكان هناك نحو 136 ألف مقاتل في ''الجيش الأفريقي'' المرهوب الجانب للجنرال فرانكو· ومن المفارقات أن فرانكو كان يصفهم بأنهم مسيحيون يخوضون حربا صليبية ضد الشيوعيين الملحدين·
وانتهت الحرب الأهلية الإسبانية بانتصار متمردي فرانكو الذين سلحتهم ودعمتهم إيطاليا الفاشية وألمانيا أيضاً على الحكومة الجمهورية التي تلقت بعض الدعم من الاتحاد السوفييتي السابق والمكسيك· وكان هذا الدور الذي قام به المغرب سبباً في تعقيد العلاقات غير المريحة أصلا التي تربطه بإسبانيا، جارته التي لا يفصل بينهما سوى مضيق جبل طارق· فقد حكم سلاطين عرب مسلمون إسبانيا نحو 800 عام وحتى سقوط غرناطة عام 1492 وهو ما زرع خوفا وشكوكا في المسلمين العرب الذين يشير إليهم الإسبان باسم (المورو)· وهو أمر على أكثر من 600 ألف مغربي يعيشون في إسبانيا الآن أن يتعايشوا معه·
وعلى الصعيد الدبلوماسي هناك نزاع قائم بين المغرب وإسبانيا على جيبي سبتة ومليلية في شمال أفريقيا· كما أن هناك مصادر أخرى للتوتر بين المغرب والدولة التي استعمرته سابقاً· فهناك 12 مغربيا من بين 21 رجلا أدينوا في تفجيرات قطارات مدريد التي قتلت 191 شخصاً عام ·2004 وعمق هذا من الشكوك في المسلمين لدى اليمين السياسي في إسبانيا·
ولكن مثقفي المغرب ونشطين مدافعين عن حقوق الإنسان يرون أن الوقت قد حان لمعالجة الماضي والعمل على توسيع نطاق التعاون مع إسبانيا التي حكمت إقليم الريف المغربي الجبلي حتى عام ·1956 ويقول بعض مقاتلي (المورو) السابقين إن الفقر دفعهم إلى الحرب· وقال أحمد الفيسوني (87 عاما) ''كنت يتيما وأنا في الخامسة عشرة· فقدت أبي وأمي بسبب الفقر والبؤس الاجتماعي· وكنا نعاني من المجاعة والبطالة في الريف''، مشيرا إلى الإقليم الشمالي حيث جند كثيرون في جيش فرانكو·
وأضاف ''كنت من المحظوظين الذين قبلوا في الجيش الإسباني· كانت إسبانيا تطعمنا لحوماً وأسماكاً وخبزاً وفاكهة بالإضافة إلى 50 درهما مغربيا كمساعدة للأسرة إلى جانب راتب شهري قدره 250 درهما''· وحين سئل عما إذا كان يتحمل هو وزملاؤه مسؤولية قتل مدنيين اشتبهت قوات فرانكو أنهم من المتعاطفين مع المعارضة قال الفيسوني ''كنا مثل أي جنود آخرين في جيوش في شتى أنحاء العالم· كنا ننفذ أوامر قادتنا''· ''وبالنسبة لنا كان وجودنا في الجيش حينها فرصة لإنقاذ أنفسنا وأهلنا من البؤس والموت جوعا''·
وأسس ناشطون مغاربة مدافعون عن حقوق الإنسان في نوفمبر الماضي مركز الذاكرة المشتركة والمستقبل، وهو منظمة غير حكومية تحاول مد الجسور مع المنظمات الأهلية الإسبانية لتغيير سلوكيات الماضي والتركيز على التعاون المستقبلي· ويجري المركز اتصالات مع السلطات القضائية والسياسية في المغرب وإسبانيا لمعرفة مصير ''عشرات الآلاف'' من المغاربة الذين شاركوا في الحرب، من بينهم أطفال لا تتعدى أعمارهم 12 عاماً·
ويقول محمد العربي المساري وهو سفير مغربي سابق في إسبانيا '' ذكريات هذه الحرب مازالت حية'' والقضايا العاطفية يصعب طمسها· وصرح بأن أن أتباع فرانكو أقنعوا الجنود المغاربة بأن (الروخوس) أي الشيوعيين الحمر هم أعداء الإيمان والمؤمنين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين وأن قضيتهم واحدة· وكان ذلك غير حقيقي وكشفه ببساطة من هم على قدر من الذكاء· ولكن الجنود المغاربة كانوا فقراء وجهلة وبسطاء·
ويقول مثقفون وكتاب مغربيون إن ''المرارة'' التي خلفها الصدام بين المسلمين والمسيحيين طوال قرون سابقة اشتعلت من جديد بدور المغرب في الحرب الإسبانية·
ويقول المؤرخ المغربي محمد نشناش إن كل هذه العناصر مجتمعة شكلت صورة المغربي ترتبط بالتخلف والبربرية والقسوة·

اقرأ أيضا

وكالة الطاقة الدوليّة: قطاع النفط يمكنه الاستجابة لأزمة المناخ