يوسف البستنجي (أبوظبي)

أكد خبراء ماليون واقتصاديون أن إدارات المخاطر في البنوك هي الجهات المسؤولة بشكل مباشر عن ضمان استقرار البنوك وحماية الودائع وأموال المساهمين، وطالبوا بضرورة توطين هذه الإدارات، أو على الأقل تنويع الجنسيات التي تشغل مناصب مدراء المخاطر. ودعا الخبراء لزيادة فاعلية الرقابة على القطاع المصرفي، من حيث الالتزام بمعايير منح الائتمان وإدارة السيولة والتركزات الائتمانية، وضمان التزام البنوك بالحوكمة الرشيدة وفقاً للقانون والمعايير المعمول بها.
كما دعا الخبراء إلى ضرورة أن يكون كبار المقترضين من الشركات والعملاء، الذين يقترضون بالمليارات، تحت رقابة وأعين المصرف المركزي، لأن مخاطر هؤلاء العملاء تتعدى حدود الخطر على البنك المقرض، للاقتصاد الوطني. كما أكد الخبراء ضرورة فصل الرقابة الخارجية والداخلية للبنوك عن الإدارات التنفيذية بالكامل، وضمان تبعيتها لمجلس الإدارة والمساهمين، وعدم السماح للإدارات التنفيذية بالاطلاع على تقارير المدققين ومناقشتها إلا بعد تسليمها لمجالس الإدارة والمساهمين، وذلك على خلفية قيام 12 بنكاً محلياً بتمويل ومنح قروض لشركة «إن إم سي هيلث»، التي تعثرت مؤخراً ووضعت تحت الوصاية القضائية. وقد تكبدت البنوك الوطنية بسبب هذا التعثر خسائر على شكل ديون معدومة غير مستردة تحملها المساهمون، ما جعل السؤال التالي يطرح نفسه بقوة، ما هو المطلوب لضمان عدم تكرار مثل هذه المشكلة في المستقبل؟

توطين إدارات المخاطر
ويقول أحمد الدرمكي الخبير الاقتصادي: «نقطة الضعف الأساسية في هذه القضية تكمن في إدارات مخاطر الائتمان المعنية بالبنوك، لأنها المسؤولة عن ضمان سلامة القروض والعملاء ومراقبة أوضاعهم، وضمان سلامة إجراءات منح القروض، وفقاً للأصول والمعايير»، وأكد أنه «لا يمكن أن تقع بنوك عديدة في هذا الوضع لولا وجود ثغرات في إدارات المخاطر على مستوى البنوك بشكل عام».
وتابع: «إن نظرة فاحصة إلى تركيبة إدارات المخاطر في البنوك تجعلنا ندعو فوراً إلى توطين هذه الإدارات بالكامل في أسرع وقت ممكن، وإذا كان من غير الممكن توطينها فوراً، فعلى الأقل يجب اتخاذ إجراءات مباشرة بتنويع جنسيات المدراء والخبراء العاملين في هذه الإدارات والمسؤولين عنها، لتتشكل من أكثر من جنسية، وعدم الإبقاء على مدراء هذه الإدارات لفترات طويلة في المكان نفسه».
كما دعا الدرمكي إلى «فصل عمل المدققين الخارجيين والداخليين عن الإدارات التنفيذية للبنوك وضمان تبعيتها لمجالس الإدارة والمساهمين دون أن يسمح للإدارات التنفيذية الاطلاع على التقارير أو مناقشتها قبل أن تقدم لمجالس الإدارة والمساهمين، وإلزام البنوك خاصة الإدارات التنفيذية بمبادئ الحوكمة الرشيدة كما نصت عليها الأنظمة والقوانين السارية ووضع الآليات الرقابية التي تضمن ذلك».
وقال إنه «لابد من تفعيل الرقابة التي يمارسها المصرف المركزي على البنوك لضمان التزام البنوك بالقانون وبكافة المعايير والأنظمة والتعليمات المتصلة بعمل البنوك، بما يضمن سلامتها واستقرارها».

جدوى المدققين الخارجيين
من جهته قال محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات والعملاء في الظبي كابيتال: «إنه من الضروري إعادة النظر في عمل المدققين الخارجيين لضمان سلامة ودقة المعلومات الواردة في تقارير تلك الشركات»، متسائلاً عن أهمية وجدوى التقارير إذا كانت بياناتها وحساباتها غير مضمونة وخارج مسؤولية جهة التدقيق.
وأوضح أن «تقارير المدققين الخارجيين التي تبدأ بمقدمة تعفي شركات التدقيق من المسؤولية عن سلامة ودقة البيانات في كثير من أجزاء التقرير وأحيانًا في غالبية البيانات الواردة فيه، تجعل التقارير غير مفيدة وبدون أي معنى، ولا بد من وجود آلية تجعل شركات التدقيق مسؤولة عن صحة البيانات التي تقدمها، أو عدم قبول التقرير من حيث المبدأ».
وأشار إلى أن «المساهمين هم الذين يعينون شركات التدقيق الخارجي ولابد أن تكون تلك الشركات ملزمة بتقديم تقاريرها للمساهمين وليس للإدارة التنفيذية للبنك، ولا يجوز للإدارة التنفيذية الاطلاع على مشروع التقرير والموافقة عليه أو رفضه قبل أن يقدم للجمعية العمومية للشركة المساهمة العامة ومجالس الإدارة باعتبارها الجهة التي تمثل المساهمين»، كما أكد أن من مهام إدارة المخاطر في البنوك، إدارة المخاطر التي تتعلق بالسيولة والمخاطر التي تتعلق بالسوق ومخاطر أخرى أهمها مخاطر سلامة الائتمان.
على الصعيد نفسه، قال وائل أبومحيسن مدير عام شركة «جلوبل للأسهم والسندات»: «من الضروري توطين إدارات المخاطر بالبنوك أو على الأقل تنويع الجنسيات التي تشغل المناصب الرئيسة في هذه الإدارات، باعتبار ذلك عاملاً يساعد على تقليص المخاطر، مبيناً أنه من أهم مهام إدارة المخاطر في البنوك هو وضع تسعير قيمة الائتمان وأجل السداد، وتحديد نوع الضمان والطريقة التي يتم تقييمه بها، والعلاقة بين قيمة الضمان وحجم الائتمان».
من جهته، قال الخبير المالي، طارق قاقيش: «إن إدارات المخاطر في البنوك تضمن من حيث المبدأ توفير الإجراءات السليمة لإعطاء الائتمان للعملاء، وهناك إجراءات سليمة يجب أن يلتزم بها البنك قبل الموافقة على منح القروض والتمويل للعملاء، مؤكدًا أن تحليل ميزانية الشركات التي تطلب الائتمان مسألة بديهية قبل الموافقة على منحها تمويلا.
وقال: «يجب أن يكون لدى البنوك محللون ماليون يمتلكون الخبرة الكافية لقراءة الميزانيات ومعرفة تفاصيلها ولا سيما التأكد من التدفقات النقدية للشركات المفترضة»، وأكد أنه من مهام إدارات المخاطر في البنوك وضع معايير ملائمة لمنح الائتمان للعملاء، وتوفير معلومات شاملة ليتمكن البنك من التقييم الشامل لنوع المخاطر التي يحتمل أن تتعرض لها القروض والتسهيلات المقدمة للشركات.
ودعا إلى ضرورة التنسيق بين البنوك والمصرف المركزي خاصة فيما يتعلق بالعملاء الكبار الذين يقترضون بالمليارات أو مئات الملايين لأن مخاطر هذه الفئة من العملاء تتعدى حدود البنك الواحد وتؤثر على كامل القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني، لذا لابد أن تكون تحت رقابة وأعين جهة رقابية حكومية تحمي المصلحة العامة.