الاتحاد

الملحق الثقافي

مدارس وأساليب لها حضور عربي

يأتي كتاب الشاعر فاضل السلطاني «خمسون عاما من الشعر البريطاني 1950- 2000، مختارات شعرية لستة وخمسين شاعرا» ليشكل حدثا ثقافيا متميزا في الساحة الثقافية العربية، حيث لم يسبق لهذه الساحة أن شهدت ترجمة شعر هذا العدد من الشعراء الإنجليز المجهولين بالنسبة إلينا، إضافة إلى تعريف بسيرة حياة كل شاعر/ شاعرة والسمة الأساسية لشعره، وذلك كله بعد مقدمة رصينة تقرأ واقع العلاقة العربية مع الشعر البريطاني/ الإنجليزي، قراءة تسلط الضوء على حجم الترجمة من هذا الشعر وتأثيراته في الشعر العربي، ويطرح في مقدمته آراء تستحق المناقشة.

ففي مقدمة الكتاب، وفي الفقرة الأولى منها، يرى الشاعر/ المترجم أن «ما ترجم من الشعر الإنجليزي، في مختلف مراحله المتقدمة والمتأخرة، إلى العربية، قليل جدا مقارنة بالشعر الفرنسي مثلا، ولا يكاد القارئ العربي يعرف شيئا عن الشعر الإنجليزي بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت في ذلك خسارة كبيرة إذ حرم القارئ والشاعر بشكل خاص من الاطلاع على تجارب شعرية هي من الأغنى عالميا في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي ربما تكون الأقرب إلى طبيعتنا ووجداننا وتجاربنا الحياتية والشعرية». ولتوضيح فكرته حول قرب الشعر الإنجليزي منا أكثر من الشعر الفرنسي، ومدى تأثيره في الشعر العربي يقول السلطاني بشيء من المبالغة إن الشعر العربي الحديث «ما كان ليولد ربما بدون تأثير الشعر الإنجليزي على بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وزملائهما». وهذا أمر يعيد نقاشا حول إمكانية القبول برأي يحصر أسباب ولادة شعرنا الحديث بالتأثير الشعر الإنجليزي، فلم يكن يمكن لحركة شعرية مثلت ثورة في تاريخ الشعر العربي أن تتوقف ولادتها على هذا التأثر. والأمر نفسه ينطبق على «قصيدة النثر في لبنان بتأثيراتها الفرنسية». وفي سياق دراسته يتوقف عند ظواهر وسمات متعددة ينطوي عليها الشعر الإنجليزي، وما يجمعه بالشعر العربي، فيتحدث عن خصائص لمدرستين شعريتين عربيتين: عراقية ولبنانية، لم تتم دراسة «أساليبهما أو أشكالهما المتناقضة ورؤيتهما للشعر وللحياة وطرائق التعبير عن كل ذلك»، رغم أنهما كما يقول «المدرستان المهيمنتان على مجمل الشعر العربي». ومن الخصائص المشتركة بين الشعر الإنجليزي وشعر المدرسة العراقية يرصد السلطاني «الغنائية، النزعة الواقعية العامة، الالتزام إلى درجة كبيرة بالإيقاع الموسيقي الخارجي (الوزن بمختلف أشكاله).. ومن هنا لم تزدهر قصيدة النثر كحركة في العراق»، والحديث هنا عن الفترة ما قبل الثمانينات. ويعزو السلطاني ذلك إلى أن الشعر الإنجليزي لم يعرف قصيدة النثر كما عرفها الشعر الفرنسي منذ ستينات القرن التاسع عشر مع بودلير». وقبل أن نترك المقدمة وما تثيره من جدل وأسئلة مهمة حول معرفتنا بالشعر الإنجليزي، نترك لفاضل أن يتساءل ما إذا كان قد «انتهى العصر الذهبي للشعر الإنجليزي الذي عرفناه في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين؟»، ويجيب «يرى ستيفن سبندر أن مركز النشاط الشعري انتقل بعد مدرسة أوكسفورد، وكان هو أحد روادها مع أودن، وإن كان أضعفهم شعريا، من لندن إلى نيويورك كما انتقل الرسم من باريس إلى نيويورك». وننتقل إلى الشعر المترجم لنرى أن من بين الشعراء الذين يترجم لهم السلطاني في كتابه هذا قلة من المشاهير الإنجليز الذين قرأنا لهم: ديلان توماس، فيليب لاركن، تيد هيوز، شيموس هيني، وسواهم ممن قرأهم القراء والشعراء العرب منذ الستينات والسبعينات. أما الأكثرية فهم مجهولون أو شبه مجهولين في المشهد الشعري الإنجليزي. وفي ما يتعلق بالأساس الذي بناء عليه اختار السلطاني هذه المختارات فهو يحدد «التذوق الشخصي» وتمثيل الأجيال والاتجاهات لشعراء من إنجلترا وويلز وأسكتلندا وأيرلندا الشمالية. وهنا نحن أمام ذائقة متميزة في الاختيار وفي لفة الترجمة التي تنقل لنا عالما شعريا خاصا. البداية مع الشاعر ديفيد غاسكوين (1916 ـ 2001)، الذي تقول عنه الناقدة كاثلين رين إنه واحد من أعظم شعراء العالم في القرن العشرين، بينما أعتقد أن قلة قليلة من الشعراء والكتاب والقراء العرب يعرفونه، ويختار له السلطاني قصيدة بعنوان «مرثية ارتجالية عن موت بول إيلوار»، معتبرا إيلوار «شاعر المقاومة الفرنسية، الناطق باسم الأخوة الحرة التي لا يمكن قهرها»، ويرسم له صورا تراوح بين الواقعي والسريالي، فهو مثلا «فم نزيه، واضح، غير يائس/ فم ملهم أكثر ما يكون ملتهما». يمكن أن نختار بعض التجارب غير المعروفة التي يقدمها السلطاني هنا، دون تجشم عناء التوقف عند المشاهير، لكن اكتشاف الروائي لورنس دريل صاحب رباعية الإسكندرية بوصفه شاعرا، وصاحب عدد من المجموعات الشعرية، وتقديم شيء من شعره كان من بين أمور كثيرة لافتة في الكتاب. وهناك أمر آخر يلفت الانتباه هو اختيار السلطاني محورا مهما في الشعر الإنجليزي، هو المحور الخاص بـ»شعراء من الحرب العالمية الثانية»، وهؤلاء من الشعراء «المحاربين» أو الذين شهدوا الحرب وكتبوها شعرا، حيث يكشف السلطاني أن الدعوة التي وجهها عدد من الشعراء وتبنتها جمعية خيرية تدعى «سالامندرا ترست» للتعرف على الشعر المرتبط بهذه الحرب، قد نجم عنها وصول ثلاثة آلاف مخطوط شعري خلال العامين 1942 و1943، بينما تضم الأنطولوجيا المحفوظة في المتحف البريطاني أكثر من 14 ألف قصيدة ورسالة من 200 شاعر، قتل منهم 29 شاعرا خلال الحرب. يكتب الشاعر جون جارمين الذي قتل في الحرب عام 1944، أن قصائده «لم تكتب في الغرف»، وهي أيضا «لم تكتب فوق طاولة/ والستائر الرقيقة مسدلة/.. لم تعرف السلام عند ولادتها/ ولا هدأة الشفق في الأجنحة/ وإنما رعد القنابل وصليل البنادق/ والأشياء المدمرة». وتكتب الشاعرة أوليفيا فيتزروي عن مرافقة الموت لها في ساحة المعركة «كلما سمعت محركا يرتج ثم يهدأ/ أو رأيت شكلا وحيدا يمر/ أو مقاتلة تحوم ثم تنقض/ يقترب (الموت) مني خطوة أخرى/ ويضع يده الباردة المتأنية على قلبي». ويقدم السلطاني قصيدة جميلة للشاعرة كاثلين رين التي يقول إنه زارها في بيتها في العام 1999، أي قبل خمس سنوات من رحيلها عن عمر ناهز الخامسة والتسعين، قصيدتها بعنوان «الرفيق السري» تنادي فيها هذا الرفيق «الذي لم أر وجهه أبدا/ الغائب كل هذه السنوات/ أحزين أنت مثلي/ لأنا لم نعد كما كنا مرة نتجول في الحقول البهيجة معا؟». وتختمها بالقول «العالم فكرة واحدة/ يبحث فيها المحب الوحيد عن جواب/ ويجيبه الآخر بألف طريقة». ونختم بمقاطع من قصيدة للشاعر بيتر رسل (1921 ـ 2003) بعنوان «تأملات صباحية» يهديها «إلى ابن الفارض»، ويقول السلطاني في هذا المجال إن رسل «تعرف على كتابات ابن الفارض حين كان أستاذا للفلسفة في الأكاديمية الإمبراطورية في طهران من 1977 حتى 1979، ومن ذلك الوقت ملك عليه قلبه»، ويبدأ رسل قصيدته بالقول «أشرقت الدنيا/ وغردت الطيور على شجرة الجوز/ لكنك محجوبة في كل مكان عن عيني الكليلتين». ويرى فيها أن «الحب هو النار التي تحرق الموت». ويختم بنداء «أو أيها العالم/ أوه أيتها الآفاق/ اعرضي كل كشوفاتك الرائعة/ فأنا هنا».

اقرأ أيضا