الاتحاد

الملحق الثقافي

أمية ابن أبي الصلت.. قلق وجودي وكونية شعرية

الجاحظ: كان داهية من دواهي ثقيف، وثقيف من دهاة العرب، وقد بلغ اقتداره في نفسه أنه كان همّ بادعاء النبوة.

* أبو الفرج الأصفهاني: إن المصادر القديمة تحدثنا بهربه الى اليمن حينما سمع خبر النبوة. * محمد إسماعيل البخاري: رثى قتلى قريش من المشركين ورجع الى الطائف ومات بها كافراً ولم يسلم.
تلك آراء ثلاثة جاءت في كتب لأعلام المؤرخين والمفكرين العرب وهم الجاحظ في «الحيوان» والأصفهاني في «الأغاني»، والبخاري في «التاريخ الكبير».

آراء وغيرها الكثير قيلت في شاعر العصر الجاهلي والذي أدرك الإسلام في سنواته الأولى «أمية بن أبي الصلت».. قد نتساءل هذه الأيام هل أن شعره كان سبباً لعدّه من الشعراء المهمين «بالرغم من أنه لم يدخل قائمة شعراء المعلقات أسوة بعلم مهم من أعلام شعر تلك الفترة وهو حسان بن ثابت الذي عاصر النابغة الذبياني، وبالضرورة كانت الخنساء التي عاصرت النابغة أيضاً لم تدخل قائمة السبعة الكبار بحكم ذكورية العصر والشعر معاً. أم أن ادعاءه النبوة كان سبباً مهماً لشهرته وبخاصة إذا صح القول من أن شعر أمية كما عده المستشرقون مصدراً من المصادر المهمة في القول بالتوحيد، خاصة إذا عرفنا ما بينه وبين القرآن الكريم من وجوه تشابه وتناظر في الرؤية لا في التركيب. ونقول نحن: إن ذلك القول استشراقي، وما مدعاة التناظر والتشابه إلا نوع من التجني كون العرب قالت في الكون واليوم الآخر والجن، والنار والحساب. وهذا ليس بغريب على فهم ورؤى الإنسان العربي إلا أن الغرابة تكمن هنا في تكريس هذه المفاهيم شعراً وهذا ما فعله أمية ابن أبي الصلت.

نبوة مزعومة

يقول الجاحظ: ادعى النبوة ويؤكد الأصفهاني هروبه الى اليمن حال سماع نبوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويضيف البخاري أنه رثى المشركين ورجع الطائف فمات. وجميع هؤلاء وغيرهم الكثيرون من يتحدثون عن نبوته المزعومة، ويرى آخرون أنه التقى بالرسول الكريم وسمع منه سورة ياسين، ولعمري أن هذا ادعاء ليس له شبيه في التجني لجفوة معروفة بين الرسول الكريم والشعراء الذين لم يهتدوا الى الإسلام، وقد ذكر عن الرسول أنه كان لا يريد أن يقترب من الشعر الذي لا يعرف طريق الله. واعتقد أن اقتراب المعنى بين مفاهيم القرآن الكريم وشعر الشاعر ابن ابي الصلت جعل البعض يدعي حكاية سماع سورة ياسين من الرسول الكريم. وبعض المصادر تشير الى أن شعر ابن ابي الصلت إنما نظم على أساس ما جاء في القرآن الكريم، ولا أريد أن أدخل في تشكيك طه حسين بشعر الكثير من تلك الفترة. رجل من ثقيف وج والتي هي الطائف، المدينة الصغيرة من مدن الحجاز، وبينها وبين مكة اثنا عشر فرسخاً: ان وجاً وما يلي بطن وج دار قومي بربوة ورتوق ووج تسمية للطائف أو لوادٍ أو حصن فيها. وأهل ثقيف مزارعون عاشوا حياة الاستقرار والعيش الناعم:

لله در ثقيف أي منزلة
حلّواً بها بين سهل الأرض والجبلِ
قوم تخير طيب االعيش رائدهُم
فأصبحوا يلحفون الأرض بالحللِ

وبحسب قول الطبري فإن القريتين الموصوفتين في القرآن الكريم ما هما إلا مكة والطائف. وعرف عن الأخيرة أن أهلها أهل خمر وزنا وربا ولكثرة الخمر فيها قيل في المثل «كجالب الخمرة الى الثقفيين» مثلما قيل «كجالب التمر الى البصرة» أو «الى هجر». اشتهر أهل الطائف بالكبرياء والزهو والمجد والكرم. وكان صنمهم «اللات»، وهو على صورة أنثى ويسمونها «الربة» وقيل عندما فاوض وفدهم الرسول الكريم طلبوا أن يدع لهم اللات وأن يتركوا الصلاة وألا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فأبى عليهم الرسول الكريم فقال لهم : «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه». وقيل إن أبا سفيان ببن حرب والمغيرة ابن شعبة المرسلين من الرسول الكريم لهدم «اللات» كانا يضربان بالفأس وهما يصيحان «واهاً لكِ واهاً لكِ». أما نساء ثقيف فكن حاسرات ويبكين عليها ويقلن:

لتبكين دَّفّاع اسلمها الرّضاع لم يحسنوا المصاع

و»اللات» سميت بالدفاع لأنها كانت تدفع عنهم وتنفع وتضر على زعمه والرضاع اللئام أما المصاع فهي المضاربة بالسيف. طلب الرسول الكريم من ثقيف النصرة فذهب إليهم خلال سنوات الدعوة الأولى، فلم يحسنوا استقباله، بل نهروه فرموه بالحجارة، ومعروف دعاؤه في الطائف حين قال صلى الله عليه وسلم: اللهم أني أشكو لك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس». إن ثقيف أهل كبرياء في الحق والباطل، شديدو التمسك بدينهم وتقاليدهم حتى على الضلالة. ولتعرف أن «أبا رغال» كان منهم حينما أرسلته ثقيف مع أبرهه لهدم الكعبة.

الشعراء القلائل

ظل أهل ثقيف حتى السنة الثامنة غير مسلمين ودخلوا في السنة التاسعة الإسلام. ومن هذا المنطلق نسأل كيف تريد لشاعر مثل أمية بن أبي الصلت أن يكون مسلماً في سنوات الإسلام الأولى. وان أهل الطائف آخر من أسلم من العرب وقد همّوا بالارتداد بعد موت الرسول الكريم، فقال لهم عثمان بن العاص «لا تكونوا آخر العرب إسلاماً وأولهم ارتداداً، فنفعهم الله برأيه». هذا هو حال الطائف وقبيلة ثقيف التي ينتمي إليها الشاعر أمية بن أبي الصلت كما جاء في كتاب «أمية بن أبي الصلت.. حياته وشعره» دراسة وتحقيق الدكتور بهجت عبدالغفور الحديثي بإصدار هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. أمية بن أبي الصلت واحد من شعراء الطائف القليلين، وهم أبو الصلت والدأمية وأمية بن أبي الصلت وأبو محجن الثقفي وغيلان بن سلمة وكنانة بن عبد ياليك. هذا كما جاء عن ابن سلام الحجمي في طبقاته. أما ما لم يذكرهم ابن سلام فهم طريح بن اسماعيل الثقفي ومحمد ببن عبدالله النميري. ويرى الجاحظ أن قلة شعرهم بسبب «ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز والبلاد والأعراق مكانها». في هذه البيئة نشأ الشاعر وقد عرف أهل بيته بالشعر فأبوه شاعر وولداه القاسم وربيعة شاعران. كان أمية يقرأ الكتب السماوية الأولى كالتوراة والإنجيل، وربما كان يعرف غير العربية كالسريانية التي جاءت بعض ألفاظها في شعره، وقيل إنه أول من كتب باسمك اللهم بمكة حتى جاء الإسلام فكتب باسم الله الرحمن الرحيم. وقيل إن العرب تحتج بأشعاره في معرفة أنسابها. كان رجل أسفار وتجارة، طمع بالنبوة لأنه علم من أهل الكتب أن نبياً سيبعث من العرب. قالوا إن أمية بن أبي الصلت خرج في ركب من قريش مع تجار الى الشام وكان معهم أبو سفيان بن حرب وكانوا كلما مروا بكنيسة التمسهم أمية في دخولها، وكلما دخلها رجع إليهم بأسوأ حال حتى شق ذلك على أصحابه، فسأله أبو سفيان عن سبب ذلك فأجابه بأن راهباً فيها قد أخبره أنه تكون بعد عيسى عليه السلام ست رجفات، وقد مضت منها خمس وبقيت واحدة، وأنه يطمع في النبوة ويخاف أن تخطئه، وفي رواية أخرى أن الراهب قد أخبره بأن نبياً سيبعث من العرب من أهل بيت تحجه العرب وأنه من قريش، فلما سمع بذلك أصابه ما أصابه، فلما رجعوا الى مكة علم أبو سفيان بأمر محمد صلى الله عليه وسلم فذهب إلى الطائف وأخبر أمية بما كان من أمر النبوة، فأجابه أمية بقوله: والله إن صفته لهي وإن ظهر وأنا حي فلأطلبن من الله في نصرته عذراً لأني لم أكن أؤمن بنبي من غير ثقيف وأني لأستحي من نسيات ثقيف، لأني كنت أحدثهن بأني أنا الذي أكون ويرينني تابعاً لغلام من بني عبد مناف».. هذا ما رواه الاغاني والتاريخ الكبير. ويبدو أن النص فيه علّة لسبب بسيط وهو أن أبا سفيان ذهب إليه بعد ظهور الرسول الكريم كما يقول النص «فلما رجعوا إلى مكة علم أبو سفيان بأمر محمد صلى الله عليه وسلم فذهب إلى الطائف وأخبر أمية» وفي ذات الوقت يقول أمية: «وإن ظهر وأنا حي» وإن هنا احتمالية بظهوره أو عدمه بينما كان الرسول الكريم ظاهراً. ومن غرائب ما روي عنه معرفته بلغة الحيوان وربما تعد هذه الروايات جزءاً من تخيل صفات النبوة لديه تشبهاً بنبي الله سليمان وهو كما يبدو لا يعقل.

أمية والإسلام

قال الرسول الكريم: «وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم أو فقد كاد يسلم في شعره». وقال أبو العلاء المعري في الفصول والغايات «إنه كان مغرى في الجاهلية بتمجيد الله وصفة الجنة والنار». وقال ابن دريد في الاشتقاق «لولا النبي صلى الله عليه وسلم لادعت ثقيف أن أمية نبي لأنه كان قد دارس النصارى وقرأ معهم، ودارس اليهود وكل الكتب قرأ». وقال البلاذري في أنساب الأشراف «قيل إنه كان يهودياً». قيل إنه أشعر أهل المدن وكانت موضوعاته يغلب عليه الحس الديني وآخر فيه من المدح والرثاء والفخر والوصف والقصص والحكايات وقال في الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

دعانا النبي به خاتم
فمن لم يحبه أسر الندم
لك الحمد والمن رب العباد
أنت المليك وأنت الحكم
محمداً أرسله بالهدى
مغاس غنياً ولم يهتضم
عطاء من الله أعطيته
وحض به الله أهل الحرم
وقد علموا أنه خيرهم
وفي بيتهم ذي الندى والكرم
نبي هدى صادق طيب
رحيم رؤوف بوصل الرحم
به ختم الله من قبله
ومن بعده من نبي ختم

وبهذا يمكن الاستدلال على أنه أسلم فارتد عند معركة «بدر» حين رثى قتلى المشركين فيها في قصيدته:

المطعمين الشحم فوق
الخبز شحماً كالانافح
نقل الجفان مع الجفان
إلى جفان كالمناضح
ومن شعره الديني:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا
بالخير صبحنا ربي ومسانا
وكذلك قوله:
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا
فلا شيء أعلى منك حمداً وأمجدُ

ولذا نجد شعره طافح بالتوحيد وما يتعلق بالقصص الدينية والجنة والنار:

وأنى يكون الخلق كالخالق الذي
يدوم ويبقى والخليقة تنفدُ
هو الله باري الخلق والخلق كلهم
إماء له طوعاً جميعاً وأعبدُ
وكذلك قوله:
الحمد لله الذي لم يتخذ
ولداً وقدّر خلقه تقديرا
وأعوذ بالله العلي مكانه
ذي العرش لم أعلم سواه مجيرا
وفي التوحيد قال:
عند ذي العرش يعرضون
عليه يعلم الجهر والكلام الخفيا
يوم نأتيه وهو رب رحيم
إنه كان وعده مأتيا

وقال:

كيف الجحود وإنما خلق الفتى
من طين صلصال له فخّار

اقرأ أيضا