الاتحاد

الملحق الثقافي

فيلم «المصارع»: بين مديح اليأس وخيانة الجسد!

المصارع في قفزته الأخيرة

المصارع في قفزته الأخيرة

بعد سبات سينمائي طويل أشبه بالعزلة الاختيارية أو الاعتزال الطوعي، يعود الممثل الأميركي مايكي رورك وبإشراقه مفاجئة هذه المرة في فيلم «المصارع» الحائز مؤخرا على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا وعلى ترشيح الأوسكار لأفضل أداء تمثيلي، فهذا الفيلم بالذات يبدو أقرب إلى السيرة الذاتية المحطمة التي أراد رورك نقلها إلى الشاشة بواقعية جارحة وبعنف لا يمكن صده، وهو عنف صادر من طبيعة ملاصقة ومن هوى مطبوع. خصوصا أن رورك نفسه قد اختبر مهنة المصارعة في مرحلة من حياته، وعاش تفاصيلها المرهقة والمراوحة بين الصعود والانكسار وبين الشهرة والخفوت المفاجئ.

لم يعرض الفيلم في صالات السينما المحلية بسبب طبيعته الفنية المستقلة ومناخه الداكن والمستبعد من ذهنية أصحاب هذه الصالات، ولكن العثور عليه من خلال أشرطة الدي في دي أصبح متاحا ومتوفرا على فرصة ذهبية لمشاهدة مختلفة تشبع فضول من يمكن أن نطلق عليهم صفة: (هواة النوع)!. ففي امتحان صعب لعاطفة المشاهد يقفز بك «المصارع» فوق حاجز الوهم السردي والأدائي الذي عادة ما يفصل بين المتفرج وبين المحتوى الافتراضي للفيلم، كي يعبر بك إلى ضفة مأهولة بواقعيتها المدوخة واشتباكاتها الحسية اللاذعة.

يبدأ الفيلم من ذروة الحدث مباشرة ولا يتوسل أية استراجاعات للذاكرة أو للمحطات المبكرة في حياة الشخصية، ففي خط سردي تصاعدي وجامح ـ استطاع كاتب السيناريو روبرت سيجل أن يروضه جيدا ـ يتداخل الراهن الزمني المربك مع خلل التواصل الاجتماعي الذي يعاني منه المصارع راندي روبينسون الملقب بالكبش، وهي ألقاب عادة ما كانت تلازم المصارعين في تلك الفترة المبكرة التي انتشرت فيها منافسات المصارعة بين جمهور قليل من المهمشين والطبقة العاملة لتزجية الوقت وإثارة الحماس ومكبوتات العنف الداخلي، ولكن حمى الحماس هذه سرعان ما انتقلت إلى الطبقة المرفهة واستحوذت على اهتمام تجاري وإعلامي واسع فيما بعد.

الاستئناس بالوحدة

يعيش المصارع الخمسيني في سيارته (الفان) الأشبه بمنزل متنقل، ويعرض خدماته على منظمي منافسات المصارعة في الأحياء الشعبية ووسط الطبقات الكادحة، معتمدا في ذلك على إرث قديم وشهرة سابقة عندما كان مصارعا شابا وشرسا وذا بنية قوية وطريقة مميزة في القتال، يستقبله المنظمون بتحفظ وريبة، وتشفع له صداقاته القديمة في خوض بعض المباريات الاستعراضية المليئة بالخدع والحيل والحركات التمثيلية المتفق عليها في الكواليس، يجني راندي من هذه المباريات ما يعينه على العيش ومقاومة الوحدة والتآلف معها، ولكن الاستئناس بالوحدة قد لا يكون مقياسا نهائيا للرضا والتصالح مع الحياة، خصوصا عندما يصبح التخلي عن الآخرين قدرا وليس خيارا شخصيا. في إحدى المجابهات القوية على الحلبة يصاب راندي بأزمة قلبية حادة بعد أن يخونه جسده وتتحول الحقن والمكملات الغذائية والعضلية التي يلجأ إليها إلى عبء مضاعف ومنهك لجسد مفتول من الخارج وذاو ومعطوب من الداخل، وبعد تدخل جراحي عاجل لإنقاذ قلبه يطلب الطبيب من راندي الابتعاد نهائيا عن الحلبة وتغيير إيقاع حياته ــ أو ما تبقى منها على الأقل ــ.

البحث عن الغفران

وسط هذا الشتات والتمزق الموزع بين ذات موشكة على الانهيار وبين واقع قاحل وإقصائي يبحث راندي عن وظيفة بديلة يجدها في محل لبيع اللحوم، كما يبحث عن عاطفة تعويضية وعن ملاذ روحي، فيجد بعض السلوى لدى إحدى الراقصات في ناد ليلي قريب، يتودد راندي للراقصة كاسيدي (تقوم بدورها وبتميز ماريسا تومي) والتي تعيش حالة شبيهة بحالة المصارع، فهي في العقد الثالث من عمرها ولا تجد قبولا لدى زبائن النادي، بجانب أنها تعيل طفلا لا تجد الوقت الكافي للاهتمام به، فتجاهد من أجل البحث عن مخرج، والخلاص من هذا المناخ الملوث والبائس، تتعاطف كاسيدي مع أزمة راندي وتقترح عليه إعادة الوصل المقطوع مع ابنته، والبحث عن الغفران والشفاء الذاتي من خلال العاطفة الأبوية المهجورة والنابضة في ذات الوقت، عندما يلتقي راندي بابنته المراهقة يتحول اللقاء إلى مجابهة عنيفة ومحاكمة مريعة تعيد نبش الماضي من خلال حوارات صادمة وموجعة لا يشفع لها الوضع الصحي الحرج للأب. لا يجد راندي الخلاص المنتظر مع الوضع الإذلالي لمهنة بيع اللحوم، ومع الجفاء والقطع الكلي للعلاقة الأبوية من قبل ابنته وكذلك مع تردد الراقصة في إقامة علاقة دائمة مع شخص يعيش وسط عاصفة وجودية عاتية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

مصائر تراجيدية

في هذا الوضع اليائس والمعتم تماما يعود راندي مرة أخرى للحلبة ويشارك في مباراة أخيرة وانتحارية يعبر فيها عن مقاومة داخلية هائلة تقفز فوق كل المحظورات الطبية والانكسارات الاجتماعية، ففي حركة استعراضية اشتهر بها راندي نراه في كامل أناقته الخارجية وانهياره الداخلي وهو يقفز فوق ضحيته، ولكنها قفزة الموت الأشبه بالسقوط في هاوية قاحلة راكمتها سنين من الخواء والعذابات واللعنة المقيمة في الروح. وفق مخرج الفيلم دارين أرنوفسكي في توليف مشهد النهاية وإضفاء بعد رمزي ودلالي موح ومؤثر من خلال لقطة سفلية من أرض الحلبة تتسمر على الفضاء الفارغ لقفزة المصارع الأخيرة، تتواصل اللقطة الصامتة لدقائق قليلة ومعبرة بقوة عن تبخر الأيقونة الخالدة لصورة البطل، والتي طالما جرفت صناعها إلى مصائر تراجيدية مدوية، تختلط فيها الهزيمة بالانتصار، وتمتزج فيها الملهاة بالمأساة. استطاع المخرج أيضا أن يقدم فيلما إنسانيا يتسلل إلى أعماق الذات البشرية الممزقة على أكثر من جهة وصعيد، كما استطاع أن يقدم درسا مجانيا حول مفهوم دراسة الشخصية في الفيلم السينمائي، وإنقاذها من النمط السيكوباتي من أجل الخروج بحلول أكثر ارتباطا بالواقع وبتأثيراته المدمرة على هذه الشخصية، وساعده في ذلك مايكي رورك نفسه والذي قدم دورا لا يمكن محوه بسهولة من ذاكرة المشاهد ومن ذاكرة السينما المعاصرة في سنواتها القادمة على الأقل.

اقرأ أيضا