الاتحاد

الملحق الثقافي

النور المذاب

لأن التعتيق هو الذي يجعل الخمر تخلص إلى أصفى شكلها، مسفرة عن جوهرها، فقد تفنن الشعراء في تمثيل هذا التعتيق وتوصيف حالاته، بالكشف عن سباق الخمر مع الزمن وجودا وفناء، بما يجسد صورها المرهفة ويمثلها في تجليات شعرية بديعة، منها قول أبي نواس:

«وسلاف كأنما كل شيء
يتمنى مخيَّرا أن يكونا
وكل الدهر ما تجسم منها
ثم أبقى لبابها المكنونا
فاذا ما اجتليتها فهباء
تمنع الكف ما تبيح العيونا

حيث تصبح الخمر من أخلد حقائق الوجود التي تتمنى الكائنات والأشياء أن تصبح مقررة من العدم مثلها، فالدهر يأكل جسدها الخارجي لكنه لا يقوى على إفناء لبابها المكنون، فهي تتأرجح بين حالات الوجود الجوهري والعدم الظاهري، قد تراها وهي تتجلى لعينيك مثل الهباء لكن كفك لا تستطيع إمساكها. ثم يمضي هذا الشاعر الملعون والمحفوظ في التراث العربي ليبلغ بالخمر أقصى درجات الوله والتخليد ليصورها وقد استعصت على الموت قائلا:

قهوة أعمى عنها
ناظرا ريب المنون
عتقت في الدن حتى
هي في رقة ديني
ثم شجت فأدارت
فوقها مثل العيون
حدقا ترنو إلينا
لم تحجر بجنون

فاذا كان الشعراء منذ القدم قد تألموا للموت وتوجعوا «لريب المنون» فإن هذه القهوة قد انتصرت عليه حتى أصيب الموت بالعمى وهو يرمقها بنظره، وهي عندما تعتقت في الدن رقت وشفت وكادت تتلاشى، وهنا يقفز أبو نواس في طفرة جريئة ليقارن بين رقة الخمر ورقة دينه قبل أن يمضي في تمثيل حالها وهي تُشج أو تُشق فترتفع فوقها الفقاعات كأنها عيون ترنو إليه بحدقاتها، دون أن تحيط بها جفون تنغلق عليها. وهي صورة مدهشة تمزج نشوة الشعر بسكرة الخمر في لحظة فائتة. وينبري بعض الشعراء الآخرين لمجاراة أبي نواس في وصف الخمر وهي تذوب نورا فيقول ابن مناذر:

مامن لذاذة نفسي أو مطالبها
إلا وثُلتمتها تنسد بالراح
حمراء محبوسة في الدن من زمن
رهينة بين وجدان وأقداح
نور مذاب بلا شوب ولا كدر
ولا هباء على حافات أرواح
تسور في الراح منها سورة عجب
تسطو عليه إلى أن يسكر الصاحي

حيث يرى في الخمر شفاء لمطالب النفوس وقضاء لجميع لذاذاتها، هذه اللذاذات التي تمثل كل منها ثغرة في النفس تحتاج إلى من يسدها، فهي حمراء محبوسة في الدنان عبر الزمان، مرهونة بين الوجدانات وهي الأحواض التي تحفظ فيها والأقداح التي تدار بها على الشاربين، ثم إنها نور مذاب أو مصاص في رواية أخرى في أعلى درجات الصفاء والخلو من الكدر والشوائب، حتى تصبح هباء على مشارف المادة وتخوم الروح، وهي إذا غلت أو اشتدت وقذفت بالزبد هاجت في سورتها وهجمت على الشرب فلم تدع منهم صاحيا إلا صرعته بالسكر، كما أن هذا الوصف الشعري الذي قيل لها لا يدع قارئا إلا أدهشه بهذه التمثيلات.

اقرأ أيضا