الاتحاد

الملحق الثقافي

مجامع اللّغة العربيّة... وصمْتُ القبور!

اللّغة هي مفتاح المعرفة، لأنّ هذه المعرفة إنّما تكون بالإدراك العقليّ الذي لا يمكن أن يتمّ إلاّ بواسطة اللّغة التي هي أداة للإرسال والاستقبال معاً. فبدون اللّغة لا يمكن لأحدٍ أن يعبّرَ تعبيراً راقيا واضحا مفهوما (وذلك حتّى نُقصيَ لغة الإشارات والنّصُب والصُّوَى التي قد توضَع للتّواصل بين المرسِلين والمستقبِلين)؛ كما لا يمكن لأحد أن يفهم الرّسالة المبثوثة، في معظم أطوار التّواصل وأرقاه، إلاّ بواسطة هذه الأداة اللّغويّة العجيبة التي نلعب بأصواتها العشوائيّة في صِبانا؛ في حين أنّنا لا نفتأ نحلم بالأمانيّ الجميلة بها أيضا في كَرَانا. نُسْأل باللّغة عن أعمالنا في آخرتنا، ونُلَقَّن الشّهادةَ بها في آخر اللّحظات من حياتنا. تبليغ الرّسالاتِ النّبوية بها. إعلان الإيمان بها. إعلان الكفر أيضا بها. بها تُعلن الحروب. وبها يتمّ اتفاق السلام. وبها نعبّر عن أجمل العواطف وأرقّ الأحاسيس حين نحبّ. وبها نعبّر عن كلّ شيء. فليس وراءَ وجود اللّغة إلاّ الصّمتُ، والبَكَم، والعَدَم. وإذن، فبدون لغة ناهضة، راقية طيّعة، فتيّة، ذات قابليّة للتّعامل مع المفاهيم الحضاريّة والإتقانيّة، لا يجوز أن توجد أمة ناهضة. واللّغة لغات: راقية، وبدائية منحطة، وبينهما دونَ، أو فوق ذلك. مثلها مثل الأمم درجات: متطورة ومتخلّفة، وبينهما درجات دون، أو فوق، ذلك. ولا يجوز للّغة إلا أن تكون مِرآة حقيقيّةً للمستوى الحضاريّ الذي بلغه الناطقون بها. وليس ينبغي أن يكون هناك رُكَامٌ معرفيٌّ ذو درجات راقية من العلميّة، ما لم يكن قُيِّضَ له ركامُ معرفيّ عبر اللّغة، باللّغة، وانطلاقاً من اللّغة.. فلم تكن النّهضة الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة إلاّ بعد نهضة لغويّة عجيبة شملت كل تقنيات اللّغة... ولذلك أسّست الأمم الراقية مجامعَ للُغاتها، لتزيدها رقيّاً، وتحافظ على سلامتها، ومنها العربُ الذين أسسوا مجامع في المشرق والمغرب ظلّت في معظم أطوارها تغِطّ في سبات عميق! ذلك بأنّ الأكاديميّين، أو المجمعيّين، العرب الرّسميّين: كثيٌر منهم ليسوا في أماكنهم فيما يبدو لنا، حيث إنّ مراسلي المجامع لا يراعَى في اختيارهم الشّروط العلميّة الحقيقيّة، ولكن الشروط السّياسيّة. وإذا كان هناك من استثناء في هذا الحكم، فهو لا يرقَى إلى الحدّ الذي يستطيع تصحيح القاعدة!... وربما يُعَيَّن في طبقة المراسلين مَن لا علمَ له بالعربيّة، ومن لم يشتغل قَطُّ بتحقيقها، ولا بضبْط أبنيتها... وهذه السّيرة الْمُزرية التي آل إليها بعض هذه المجامع العربيّة التي تكابد الخمولَ والكسل هي التي أغرت أعداءَ اللغة العربية في المشرق والمغرب لِيُنادُوا بإحلال اللغات الأجنبيّة محلّها في تدريس العلوم والطّبّ والرّياضيات وغيرها... بل، قدْ، لن نعدَم في المستقبل، إن مضت الأمور على ما هي عليه من السّوء في بعض أقطار المغرب العربيّ خصوصاً، أن يُعمَد إلى تخريج الأئمّة ومؤبِّني الموتى بإحدى اللّغات الأجنبيّة؛ وذلك كلّه بحجّة تخلّف اللّغة العربيّة عن ركْب الحضارة، وعجْزها عن مُواكبة العصر، فيما يزعمون!... ولكن، لولا خمولُ المجامع العربيّة لَمَا ارتفعت هذه الأصوات النّاشزة المبحوحة، والْمُريبة المشبوهة، والتي لا تزال تطالب، في شراسة تشبه السُّعْر، بإحلال اللغات الأجنبيّة محلّ العربيّة على مرأىً ومسمَعٍ من هذه المجامع النائمة!

اقرأ أيضا