الاتحاد

الملحق الثقافي

بن عيسى بوحمالة: لجّة اليومي وإغواء المعتاد

بن عيسى بوحمالة

بن عيسى بوحمالة

يقول الناقد والمترجم المغربي الدكتور بن عيسى بوحمالة عن طقسه الكتابي: في وضعيتي المخصوصة بقدر ما يفيدني انتمائي إلى الحقل الجامعي في توطيد علاقتي العضوية بفاعلية الكتابة، نقدا وترجمة وإبداعا.. وذلك بما أن مناخه يشكّل خلفية إيجابية داعمة لتمثّلاتي المعرفية والرؤيوية فإنه يقوم في أحايين أخرى، فيما يخيّل إليّ، مقام عامل تقنين، أو تعقيل إن شئنا، بله كبح لفائض الاحتدامات الكتابية التي يا ما يحدث أن ترين على وجداني ويجهض، بالتالي، بأثر من ضاغط الوقت، مشاريع بديعة قد تتخلّق بذرتها في مجرى الشواغل الجامعية والأكاديمية المزدحمة. لذا كان أملي دائما أن أحظى، يوما ما، بوضعية تفرّغ تام للكتابة والتّعاطي معها بمزاج صاف، أي امتهانها على نحو ممنهج والعيش.. لم لا؟.. من مردودها ولو أن هذا المطمح، الشرعي والنبيل ما في ذلك شك، لمن المتعذّر بمكان في ظل الشروط الثقافية والتّرويجية الهشّة للمكتوب في العالم العربي، على العكس من الوضعية الاعتبارية المريحة التي انتزعها الكتّاب الغربيون، مثلا، محقّقين بذلك للكتابة استقلاليتها المتطلّبة.. وإذن فما أفعله، غالبا، بإزاء هذه المثبّطات، نظير الكثير من الكتّاب في عالمنا العربي، هو مغالبة الوقت والالتفاف على متعدّد الإكراهات المادية والنفسية في مرمى إنجاز كتاب نقدي أو ترجمة دراسة ما أو نص شعري ما أو كتابة ورقة في موضوع قد يستثيرني. لا أخفي أن الكتابة لفائدة ندوات وملتقيات ثقافية، أو بطلب من منابر وجهات ثقافية معيّنة لا تخلو من حافزيّة تدفعني إلى مضاعفة الجهد واستقطاع أوفى ما يمكن من الوقت وذلك من أجل الوفاء بالتزاماتي، في حين أن إيقاعي الكتابي قد يشوبه نوع من البطء، إن لم يكن التوقّف الدوري، عندما يتعلق الأمر بأعمال قد أحرّرها من باب المتعة الشخصية، وفي الحالتين معا ينطلق العمل الكتابي من فكرة محورية تجد سندها النظري أو الإبداعي في مرجعيات ومتون ونصوص.. في استحضارات وتقليبات وتلوينات.. ألجأ إلى تدوينها في جذاذات أو أوراق عرضيّة، ومرّات، عندما تدهمني، خارج لحظة التّحرير، خواطر وقرائن لها صلة بالفكرة المذكورة، في حواشي الجرائد أو صناديق عود الثقاب أو في أيّما وسيلة تصون هذه الخواطر والقرائن من التّبدد، هذا ويبقى الليل اللحظة الأنسب للكتابة، وقد يحصل أن أسهر طويلا إذا ما استبدّت بي الرغبة في ذلك مثلما يحصل أن أعاود النهوض، إثر النوم، إن جاءتني خاطرة أو قرينة فأعمد إلى تثبيتها خشية أن تنفلت من حافظتي صباحا، وهكذا حتى أقتنع، مع توالي الأيام، بمدى تماسك المادة المكتوبة ومقبوليّتها الشكلية والمضمونية بالنسبة لي على الأقل.. وحالما أقتنع أنتقل من صعيد التحرير بالقلم إلى صعيد التّوضيب بالحاسوب، أي تحويل ما كتبت من طبيعته الخام إلى هيئته المصفّاة. وبالمناسبة فأنا لا أستثمر الحاسوب إلاّ والمادة رهن التحرير قد شارفت، أو تكاد، على الاكتمال، ولا أتصوّرني يوما أبادر إلى التحرير رأسا في الحاسوب، إذ لابد لي، بما هو من لوازم طقسيّة الكتابة لديّ، من تحسّس القلم والورق.. من التّسويد والتّشطيب.. إلى حدّ أن كلّ أطراف المادة وجزئياتها يتمّ حسمها ورقيا، أمّا الاستنساخ الإلكتروني فليس، والحالة هذه، أكثر من تجويد تقني لها.. ويختم بوحمالة: لعل الأجمل هو لمّا نجدنا، بعد طول عنت ومكابدة.. بعد شبه انقطاع عن لجّة اليومي وإغواء المعتاد.. حيال منجز كتابي ينضاف إلى ما سبق وأن كتبناه ويمنح القرّاء، شركاءنا المفترضين، فسحة للتفكير والتأمل.. للفائدة واللّذاذة..

اقرأ أيضا