الاتحاد

الملحق الثقافي

مظلمة الشابي

اختزل الشابي في قصائده الوطنية وعدّ شاعر الحرية وشاعر الثورة. لم تحتفظ الذاكرة الجماعية ولا سيما ذاكرة النقاد الذين تناولوا شعره إلا بما سهل عليهم التقاطه والكلام فيه. لذلك نلاحظ أن أغلب الدراسات التي تناولت شعره نظرت فيه من منظور مضموني باحثة فيه عما يلبّي حاجاتها إلى إثبات وطنية الشاعر وثوريته وانشقاقه على الطغاة والغزاة. وبذلك تمّ محو منجزه الفني ونسيت إضافاته الجمالية. يكفي هنا أن نعيد قراءة قصيدته الشهيرة «صلوات في هيكل الحبّ» وستنكشف لنا الطريقة التي كان الشابي يتمكن بواسطتها من ابتناء رموزه ويفتح الواقعي على الخيالي والخيالي على الأسطوري. يوجّه الخطاب في النص إلى امرأة تتجلى في شكل ضمير مؤنث مخاطَب «أنتِ»: «عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الوليد» وهذا ما يجعل الكلام يُوهم بأن النص يتنزّل في دائرة الغزل ويستلهم الشعر العربي القديم. لكن الشاعر يبني نصه بحركات متراكبة متراصّة بطريقة تجعل هذا الضمير المخاطَب المؤنث «أنتِ» ينفتح من الداخل على أكثر من بعد دلالي. ترد هذه الأبعاد متشابكة متناوبة بطريقة تجعل الحدود بينها غير بيِّنةٍ إذ تعمد الكتابة إلى رسم المرأة باعتبارها كائنا عاديا ويرتسم الوجه العادي بواسطة جملة من العبارات والأبيات مدارها التفنّن في وصف المرأة وصفا حسّيا بالتركيز على «اهتزاز نهودها» والإلحاح على أن «خطوها موقّع كالنشيد». وفي الآن نفسه تأتي مجموعة من الأبيات والألفاظ لتفتح هذا البعد العادي على بعد خيالي فإذا المرأة واهبة حياة وحارسة حياة إنها «تعيد الشباب للعالم التعيس العميد». وهي «روح الربيع تختال في الدنيا فيدوي الكون بالتغريد». لذلك تتوالى حشود من الكلمات والعبارات الدالة على فكرة انبعاث الحياة. وتلغى الجُمل ذات الطابع الإسمي لتحلّ محلّها حشود من الأفعال الدالة على فكرة الحياة تطلع من أحشاء العدم. حين ننظر في الحقل الدلالي الذي يستخدمه الشاعر نجده قائما على تضاد كلي بين حضور المرأة ويشار به إلى الحياة، وغيابها الذي يشار به إلى الموت والخراب. هكذا يبتني الشابي هذا البعد الغائب الذي بدونه يُفقَر حضور المرأة في الكون وتصبح مشيّأة خواء. هذا التصوّر هو الذي جعل الشابي يدين نظرة العرب القدامى للمرأة لأنها، حسب رأيه، «نظرة دنيئة سافلة منحطة إلى أقصى قرار». لذلك تهجر المرأة في شعره عاديتها وتلتحف بأبعاد رمزية تكشف حقيقتها. ويكف الشعر عن كونه مجرّد وصف ليصبح عبارة عن كشف لما تستّر وتحجّب. إن المرأة في الواقع مشيّأة ذات بُعْدٍ واحد. لكنها في النص تستردّ حقيقتها فتصبح ذات أبعاد متعددة. إن الشعر لا يصف الواقع بل ينتشل الكائنات والموجودات مما طالها من إفقار ويثريها ويعيد لها حقيقتها التي نسيها الإنسان المعاصر لأنه إنسان ضائع في الموجود شغله الموجود عن صميم الوجود فلم يعد يرى الحقيقة المحجبة.

اقرأ أيضا