الاتحاد

الملحق الثقافي

أحمد الكندي شاعر «الزير سالم»

كانت إذاعة أبوظبي عندما وصلت إليها في بداية عام 1971 تمثل أحد الإنجازات المهمة لإمارة أبوظبي بعد تسلم المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله». لم يكن التلفزيون في ذلك الوقت المبكر قادراً على منافسة الإذاعة، فساعات الإرسال محدودة والإرسال نفسه لا يصل إلى كل أنحاء الإمارة، أضف إلى ذلك أن نظام الألوان لم يكن متوافراً بل كان بالأبيض والأسود، أما الإذاعة فساعات إرسالها أكثر ومداها أوسع وأشمل، وبرامجها أكثر التصاقاً بالمجتمع الجديد الناشئ فوق أرض أبوظبي، أقول هذا على الرغم من أنني كنت أعمل في الإذاعة والتلفزيون كمذيع ومقدم برامج ومخرج وكاتب دراما.

ولكن حتى الإذاعة لم يكن لديها الإمكانات الكافية التي تمكننا من ممارسة الإنتاج الدرامي، أو النقل الخارجي، أو التواصل مع المستمع هاتفياً من خلال برامج البث المباشر.

الأستوديو الأول

كنا في زمن البدايات بكل ما تعنيه الكلمة، حتى عندما أصبح لدينا استوديو للتسجيلات في منتصف عام 1971، كان ذلك حدثا مميزا ومنعطفا تاريخيا مهما وقد أطلقنا على الفني الذي يشغل ذلك الاستوديو ويشرف على التسجيلات الصوتية فيه لقب المهندس، وما زلت أذكر من أوائل الذين عملوا معنا في التسجيلات الأخ علي بو الروغة والأخ عبد الجليل الأنصاري ثم التحق بنا فيما بعد الفني القدير والشهير عبد العال الهلال من جمهورية مصر العربية، وكانت له بصمات واضحة على أهم ما تم إنتاجه من أعمال درامية إذاعية في السنوات الأولى من عمر إذاعة أبوظبي. ولقد أتيح لي أن أتعرف في ذلك الزمن على شاعر رقيق تخطفه الموت في ريعان الشباب وهو المرحوم أحمد الكندي. كان ذلك الشاعر يزور الإذاعة ليسجل أحيانا بعض قصائده، وقد قامت بيني وبينه صداقة حميمة حيث اكتشفت أنه شاعر أصيل لا ينظم الشعر على عادة شعراء النبط ليمدح أو يتغزل فحسب، بل كان الشعر لديه حاجة روحية يعبر فيها عن خلجات نفسه وخفقات قلبه. كان نحيفا إلى درجة ذكرتني بقول الشاعر العربي:

كفى بجسمي نحولا أنني رجل
لولا مخاطبتي إياك لم ترني

وكان يلقي شعره أمامي هامسا، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد غير الحبيب. وكان شعره جزلا مفهوما على الرغم من اللهجة المحلية التي قد يجد غير الخليجي صعوبة في فهمها، وكان الشاعر أحمد الكندي «رحمه الله» يتميز عن الشعراء بقدرته على عزف الربابة وبصوته العذب الحنون عندما يغني شعره أو يصدح به. وعلى الرغم من نظرات الحزن التي كانت تطل من عينيه وتهبه حالة من الغموض إلا أنه كان يحرص دائما على الابتسام في وجه من يتحدث إليه ومن خلال ابتسامته كان يدخل إلى القلب بغير استئذان. كان «رحمه الله» خجولا إلى درجة أنه يمكن أن يظل صامتا أمامك ولساعات إن لم تبادر أنت إلى التحدث معه أو توجيه الأسئلة إليه. جمعنا معاً حبنا للشعر، فهو على الرغم من فحولته في الشعر النبطي إلا أنه كان يفهم الشعر الفصيح ويطرب له، تماما كما كنت أطرب لشعره النبطي. ولا أدري لماذا شعرت في وقت من الأوقات أن أحمد الكندي غريب عن زمنه يعيش داخل قوقعة نفسه وخلف أسوار مشاعره؟. كنت أدرك أنه يعيش قصة رهيبة، وأنه لا علاقة له بالواقع الذي يدور حوله، ولولا تلك الربابة التي يبث وترها الوحيد مشاعره ويرافقها بكلمات قصائده لما كان هناك شيء آخر يشير إلى أنه موجود.

شعر وصوت

فجأة طرأت لي فكرة تسجيل ذلك الصوت الدافئ وذلك العزف المميز على الربابة من خلال عمل إذاعي يبقى ولا تمحوه الأيام والسنين. * ما رأيك يا أحمد، لو سجلنا بصوتك مقاطع من قصائد نبطية في مسلسل عن الزير سالم أبو ليلى المهلهل؟ فنظر إلي بخجل، ولم يستطع الاعتذار، لشيء إلا لأنه خجول فعلاً، هذا ما أدركته وأنا أصافحه لأبدأ بكتابة ذلك المسلسل المعروف الذي قدمناه في الإذاعة في عام 1972، والذي شجعني على تنفيذه الأخ الدكتور عبد الله النويس «شفاه الله» برغم ما فيه من جرأة ومن نقد للإعلام العربي في ذلك الزمن. كان المسلسل يتناول السيرة الشعبية للزير سالم ولكن بطريقة ساخرة، حيث تم اختيار الأخ عواد نصر الله الذي كان يقلد صوت الفنان العربي المعروف دريد لحام إلى درجة جعلت دريد لحام نفسه يصرح أنه لم يستطع التفريق بين صوته الحقيقي وصوت عواد نصر الله الذي قلده وحاكاه بشكل متقن ورائع. أهم جزء في ذلك المسلسل كان غناء الشاعر أحمد الكندي على الربابة. اختطف الموت ذلك الشاعر الرائع وهو في قمة العطاء، ولم يبق منه إلا ما تركه من قصائد مخطوطة وما سجلته له بصوته وعزفه على الربابة في ذلك المسلسل. من كلماته التي ما زالت محفورة في جدار الذاكرة: «لا أنظم الشعر إلا عندما أحتاج أن أتأوه، أو أبكي أو أضحك سعيداً، شعري كله تسجيل لأحداث مرت بي، وتجارب عشتها، لا شعر بغير الحب، والحب هو النبع الذي ينهل منه الشاعر». هناك محاولات مباركة يقوم بها نقاد من جيل الشباب في الإمارات بتسليط الأضواء على مبدعين من هذا الوطن عاشوا ومضوا ولم ينالوا ما يستحقون من اهتمام ومنهم الشاعر أحمد الكندي «رحمه الله» وأرجو أن ينال ما يستحقه من دراسة وتكريم. أذكر أيضاً أن مسلسل الزير سالم الذي لقي اهتماماً جماهيرياً وخاصة من قبل المواطنين تم تنفيذه بإمكانات بسيطة، واضطررت لجعل كثير من الموظفين يقومون بالتمثيل وحتى أن المسؤولين ومنهم الأخ سعيد السويدي طلبت منهم المشاركة ففعلوا بفرح. هكذا كانت روح التعاون سائدة وبهذه الروح تمكنا من سد جميع الثغرات وتجاوزنا ضعف الإمكانات وحققنا ما كنا نصبو إليه بكل نجاح. ذلك الزمن الجميل مملوء بالذكريات والأحداث وأجد نفسي مطالباً بالاستمرار في الكتابة عنه فهو بشكل أو بآخر جزء مهم من تاريخ الإمارات.

اقرأ أيضا